مشروع طنجة الكبرى.. طموح ملكي يصطدم بفشل الحزب الحاكم «المصباح»

عاجل

انتخابات أعضاء الغرف المهنية بطنجة.. الاتحاد الاشتراكي خارج السباق

في منتصف يومه الثلاثاء 27 يوليوز، أعلن رسميًا انقضاء الفترة المخصّصة لإيداع الترشيحات برسم انتخابات أعضاء الغرف المهنية، المُقرّر...

الخردلي بالشنوك: تطعيم بطعم الوباء

حقَّقت المملكة المغربيّة أشواطًا كبيرةً ومُهمّةً في تدبير جائحة «كورونا» منذ مراحلها الأولى، وإلى غاية الإعلان عن بدء عملية...

تعيينات جديدة همت مسؤولين قضائيين في محاكم طنجة

أعطى الملك محمد السادس، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الجمعة 23 يوليوز الجاري موافقته على تعيين مسؤولين قضائيين بعددٍ من محاكم المملكة. وشملت التعيينات...

هل أصبحت حكومة العثماني معرقلًا لمشاريع طنجة الكبرى؟

ممَّا لا شكّ فيه، أنَّ مدينة طنجة أضحت أكثر جمالًا ورونقًا، في الآونة الأخيرة، ما جعلها من أجمل المدن المغربية، بل وجهة لكلّ المغاربة والأجانب؛ نظرًا لجمالية المدينة ورونقها، ولموقعها الجغرافي ولانفتاحها الثقافيّ، وأيضًا نتيجة احتضانها حضارات كثيرة منذ القدم.

مدينة طنجة في ظل الورش الكبرى، الَّتِي دشَّنها صاحب الجلالة الملك محمّد السادس –حفظه الله– عرفت تحوّلًا كبيرًا في بنياتها وخدماتها، فهي المدينة الَّتِي تحاول أن تجمع ما بين الاقتصاد باعتبارها القطب الصناعيّ الثاني في المغرب، بعد مدينة الدار البيضاء، وبين السياحة، فهي قبلةٌ للسيَّاح المغاربة والأجانب. فكلّ من يزور طنجة إلا ويسقط في غرامها ويُفكّر في تمديد إقامته، أو إعادة زيارة المدينة مرّةً أخرى، وما بين تقديمها خِدْمات ثقافيّة واجتماعيّة، إلا أنَّ السؤال الجوهري هل أدَّت مشاريع طنجة الكبرى −الَّتِي وُقّعت اتفاقياتها أمام جلالة الملك− أدوارَها التنمويَّةَ لمدينة طنجة؟ وهل لعب الحزب الحاكم وطنيًا ومحليًا أدوارًا مهمَّة من أجل تطوير هَذِهِ المشاريع؟ الَّتِي من شأنها أن تُساهم في تنمية المدينة على جُلّ المستويات، خصوصًا أنَّ هَذِهِ المشاريع جمعت بين الاقتصاديّ والثقافيّ والاجتماعيّ والسياحيّ.

لتناول هَذَا الموضوع بكلّ مصداقية وموضوعية، لا بُدَّ من طرح بعض النماذج ومحاولة استحضار التحول، الَّذِي خلقته على مستوى المدينة، فإذا كان «ميناء طنجة المتوسط» الَّذِي أُطلق في فبراير 2003، عند مدخل مضيق جبل طارق، أكبر ميناء بطنجة، فالمشروع وضع المغرب في مصاف الدول الرائدة في النقل البحري، وجعله يملك أكبر ميناء إفريقي من حيث عدد الحاويات والأوّل في البحر المتوسط من حيث الطاقة الاستيعابيّة. كما تمّ أيضًا إطلاق أول قطار فائق السرعة في القارة والعالم العربي (البراق)، يربط بين طنجة والدار البيضاء، فهناك مجموعةٌ من المشاريع الَّتِي لم تُساهم −لحدود الساعة− في إعطاء أيّ أضافة على المستوى المدينة سواء تعلّق الأمر بالمستوى الثقافيّ أو الاجتماعيّ أو الصحيّ.

  • على المستوى الثقافي

شهدت مدينة طنجة ميلادَ مجموعةٍ من المنشآت الثقافيّة بمواصفات عالمية على مستوى بنياتها التحتية، إلا أنَّ تنمية الحجر لم تنعكس نهائيًا على التنمية البشرية، لعدّة أسباب، منها عدم تحمل الحكومة المغربية –الَّتِي يقودها سعد الدين العثماني– وعدم ترافع البرلمانيّين عن الدائرة الإقليمية لطنجة أصيلة عن تفعيل هَذِهِ المنشأة لتكون في المستوى المطلوب، خصوصًا أنَّ ثلاثة برلمانيين بطنجة ينتمون لحزب «المصباح»، بالإضافة إلى وجود وزير بهَذِهِ الحكومة «نجيب بوليف» ينتمي للحزب الحاكم، قبل أن يُستغنى عنه. 

  • قصر الثقافة والفنون بطنجة وفشل في انطلاق الاشتغال

يُعدُّ هَذَا المشروع من بين أبرز المشاريع الكبرى، الَّتِي أعطى الملك محمد السادس انطلاقتها من أجل البناء في ماي 2014، من أجل إعطاء إشعاع كبير ودفعة قوية للممارسة الثقافية والفنية بالمغرب، فالمشروع يتوفر على 1400 مقعدٍ بالنسبة للصالة الخاصة بالعروض الكبرى، إضافة إلى قاعتين أخريين تصل قدرتهما الاستيعابية 200 مقعدٍ لكل واحدة منهما، إلا أنَّ هَذَا المشروع لم ينطلق بعد بالرغم من تعيين مديرًا له السيد رشيد أمحجور.

بالمقابل فإنَّ هَذَا المشروع الضخم يحتاج إلى ما يقل عن 30 مُوظّفًا من أجل تفعيل أهداف هَذَا الصرحِ الثقافيّ الكبير، من خلال برامج ومشاريع قادرة أن تُعطي بعدًا ثقافيًا في المدينة وأيضًا على المستوى الوطني، وإن كان التوجهُ العامُ للحكومة المغربية يسير عكس ذلك، ولعلّ الميزانية المُخصّصة للمجال الثقافيّ لسنة 2021 وللموارد البشرية يوضح ذلك.

فعدم اهتمام الحكومة المغربيّة –الَّتِي يسيرها حزب العدالة والتنمية– وهو نفس الحزب الَّذِي يسير مجلس الجماعة بطنجة، ويُسيّر المقاطعات الأربع، يُؤكّد لنا أنَّ هَذَا المركز الثقافيّ والفنيّ، إما أنه لن يرى النور عن قريب، أو سوف يفتتح بعيوبٍ كثيرةٍ لن تسمح له بتحقيق الأهداف المنشودة له إلا بعد مرور العشرات من السنوات، مما يعني أنَّ المركز سيفقد الكثير من إمكانياته.

  • المكتبة الوسائطية «إقرء» التابعة لـ«نفوذ» الحزب الحاكم والعجز عن انطلاق الاشتغال

صرح ثقافيّ آخر شهدته مدينة طنجة والمُتمثّل في المكتبة الوسائطية «إقرء»، وهو صرح كبير جدًا، إذ أعطى انطلاقة بنائه جلالة الملك سنة 2015، بغلاف مالي يُقدّر بـ48 مليون درهم، في إطار شراكة بين وزارتي الداخلية والثقافة، وعمالة طنجة أصيلة، وجماعة طنجة.

ويضم هَذَا المشروعُ الَّذِي أنجر على مساحة 3340 مترًا مُربعًا بمنطقة الزياتن، مدرجًا يتسع لـ250 مقعدًا، ومكتبة، وفضاءات للمطالعة للكبار والشباب والأطفال، وقاعة مُخصّصة لأشغال المجموعات، وفضاءات للأشخاص المكفوفين والصمّ، وللعروض والوسائط المتعددة، فضلًا عن حديقة أندلسيّة.

إلا أنّه أخلف الموعد، وبالتالي عمّ الانطلاقة الفعلية للمكتبة بشكل يُساهم في تحديد الأهداف المسطرة وراء بناء هَذَا الصرح الكبير، فالرغم من الانتهاء في البناء بشكلٍ مُبدعٍ جدًّا، إلا أنَّ الإبداع لم يستطع أن يشمل البحث عن طرق لتوفير الموارد البشرية، حيث علمت جريدة «لاديبيش» من مصادر متطابقة، أنَّ هَذِهِ المعلمة، تحتاج عمَّا لا يقل عن 20 مُوظّفًا تابعًا لوزارة الثقافة، حتى يتم تسطير طريقة التدبير والتسيير أيضًا، وَفْق أهدافه الرامية إلى جعله فضاءً لتبادل الأفكار، والاستفادة من مرافقه لإتاحة فرصة المطالعة للجميع، وتحفيز الولوج للمعلومات والمعرفة ودعم البحث العلمي.

المعلمة تابعة لنفوذ يُسيّرها حزب العدالة والتنمية، إلا أنّه لم يترافع –لحدود الساعة– من أجل الانطلاق الفعلي لهَذِهِ المؤسَّسات والعمل بشكلٍ يُساهم في تحسين الخِدْمات المقدمة للمواطنين.

  • المكتبة الوسائطية بني مكادة التابعة لأكبر مقاطعة في المغرب

مكتبة تابعة لأكبر مقاطعة في المغرب، يُسيّرها برلماني عن حزب العدالة والتنمية وعضو المجلس الوطني لذات الحزب، إلا أنَّ المكتبة لم تستطع –لحدود الساعة– أن تُقدّم المطلوب منها، بالرغم أن من يُسيّر المدينة والمقاطعة من نفس الحزب الحاكم، كما أنَّ للمقاطعة برلمانيًا كان من الواجب أن يترافع عن المكتبة أمام حكومته بشكل علني، إلا أنَّ الأمر لم يحصل للأسف لحدود الساعة.

  • هل أصبحت الحكومة معرقلًا لمشاريع طنجة الكبرى؟

اليوم وأمام هَذِهِ التعثرات والعجز في الالتزام بالوقت من أجل انطلاقة هَذِهِ المشاريع، يتبادر إلى الأذهان سؤال متمحور، هل أصبحت الحكومة المغربيّة من خلال سياسة اللامبالاة معرقلًا لمشاريع طنجة الكبرى؟ ليصبح الاهتمام فقط «بالحجر»، بعيدًا كلّ البعدِ الاهتمام بالتنمية الحقيقية.

حكومة العدالة والتنمية، أصبحت اليوم ملزمة بتقديم تعليلٍ واضحٍ عن عدم الانطلاق الفعل لهَذِهِ المشاريع الكبرى، خصوصًا أنَّ هَذَا التعثر لن يخدم المدينة بالشكل الَّذِي فكّر فيه الملك محمد السادس، الأمر الَّذِي قد يُنذر بأزمةٍ حقيقيّةٍ.

إن تخاذل الحزب الحاكم على المستوى الوطنيّ والمحليّ، في المستوى الثقافيّ، خصوصًا كل ما تعلّق الأمر بمشاريع ثقافية، ينطبق على المجال الخدماتي، خصوصًا المجال الصحيّ.

ما زال قطاع الصحة بمدينة طنجة يُعاني التهميش فهو قطاع مُهترئ، لم يحظَ بالاهتمام الكبير، ولعلّ فترة الجائحة (كوفيد 19)، أبرز بالملموس أنَّ البنيةَ التحتيَّةَ غير قادرة على الإجابة عن متطلبات المواطنين والمواطنات.

  • مستشفى بني مكادة.. هل كورونا أوقفت عملية التدشين أم أن هناك أمورًا أخرى؟

بعد هدم سوق بني مكادة، ونقل التجّار إلى مكان آخر، استبشر عددٌ من ساكنة أكبر مقاطعة في المغرب «بني مكادة» الخير، خصوصًا بعد ما تم الإعلان عن إشراف عاهل البلاد الملك محمّد السادس، على إعطاء انطلاقة أشغال إنجاز «مركز صحي للقرب- مؤسسة محمد الخامس للتضامن»، وذلك باستثمار قدره 37 مليون درهم.

المشروعُ التضامنيُّ يروم تعزيز العرض الصحيّ على مستوى عاصمة البوغاز، من القناعة العميقة لجلالة الملك، حيال جعل الولوج للخدمات الطبيّة أحد الركائز الأساسيَّة لتعزيز المواطنة، وعزم جلالته على النهوض بالعرض الصحيّ، عبر توفير خِدْمات استشفائيّة للقرب وذات جودة تستجيب لحاجيات المواطنين.

إلا أنَّ العكس حاصل بمدينة أرادها حاكم البلاد أن تكون نموذجًا يُحتذى به على المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياحيّ، مركز شيد على مساحة 6000 متر مُربّع، يرمي إلى دعم القطاع الصحي الوطني، لا سيَّما من خلال تعزيز عرض العلاجات المتوفرة، وإحداث شعبة لعلاجات القرب الموجودة في متناول الساكنة، وإدماج مقاربة اجتماعيَّة تكميليَّة ضمن آليات مصاحبة المرضى والمستفيدين، إلا أنَّ ما زال مغلقًا بالرغم أنَّ عملية البناء استكملت به، ولا يعرف –لحدود الساعة– السبب الحقيقي وراء الإغلاق، هل مشكل في توفير الموارد البشرية، أم سبب آخر؟ إلا أنَّ الأساسي هنا في عملية الإغلاق هو حرمان عددٍ كبيرٍ من الاستفادة من خدمات هَذَا القطب الطبي، خصوصًا في ظلّ جائحة «كورونا»، حيث كان من الممكن أن يقدم هَذَا المركز خِدْمات كبيرة وجليلة.

فإذا كانت المبادرة تهدف إلى تخفيف الضغط الحاصل على المؤسَّسات الاستشفائية الموجودة بالمنطقة، إلى جانب كونها ستجنب بعض الأشخاص المعوزين من التنقّل لمسافات طويلة، بما يثقل كاهلهم بمصاريف علاجات إضافية، فالعكس حاصل، خصوصًا أنَّ المركز صرفت عليه أموالٌ طائلةٌ ليصبح مغلقًا، دون أي تدخل من طرف الوزارة الوصية ودون ترافع من طرف نوّاب المدينة.

  • إغلاق المستوصف وصمت رهيب للمسؤولين المنتخبين

صمتٌ رهيبٌ وغيرُ مفهوم في أوساط البرلمانيّين بمجلس النواب، وكذا صمت رهيب داخل مجلس مقاطعة بني مكادة، أو داخل مجلس المدينة، فلا أحد يترافع ويُوصّل صوت المواطن لمعرفة أسباب التأخر في عملية الافتتاح، وممارسة ضغط على المسؤولين من أجل استفادة المواطنين من هَذَا المخطط، فإذا كانت الحاجة ماسة إلى افتتاح هَذَا المشروع، فاليوم أصبحت الحاجة ماسة في تحرك حزب «العثماني» من أجل استكمال ما تبقى من أجل افتتاح المستوصف، وإن كان فاقد الشيء لا يعطيه.

  • على المستوى الاجتماعي

أمَّا بخصوص البيئة الاجتماعيّة، كان من المفروض بناء 25 مؤسّسة تعليميّة جديدة، و21 حضانة، وتوسيع أربع مدارس، وإعادة بناء 166 قسمًا، وربط جميع المؤسّسات المدرسيّة بشبكتي الماء والكهرباء، وهو الأمر الَّذِي لم يتحقّق بشكل مُتكامل.

فهل اليوم بالفعل فُعّل الرهان المتمثل في إبراز الإمكانيات الَّتِي تزخر بها الجهة، ومؤهلاتها الاقتصاديّة والإنسانيّة والثقافيّة، لجعلها تتموقع كمركز تجاري وصناعي ذي بُعد دولي؟ فهَذَا الرهان الَّذِي تم كسبه بجدارة نظريًا، تم تفريغه وتمييعه واقعيًا بفعل السياسة الحالية لحزب الإخوان «العدالة والتنمية». فمشروع طنجة الكبرى الَّذِي كان من المفترض أن يُحقّق تنمية حقيقية في الأوساط المهمشين والفقراء، من خلال تمكينهم لآليات التنمية الذاتية، لم يحقق بالرغم من مرور نحو 8 سنوات ما كان منتظرًا منه. إنَّ مشروع طنجة الكبير، الورش الملكي الضخم، الَّذِي جاء من أجل تدوين فصلٍ جديدٍ من تاريخ منطقة شمال المملكة، وهو فصل يعكس طموح جلالة الملك للرقي بمكانة هَذِهِ المدينة والجهة الَّتِي تقع بها، إلى مصاف التجمعات الحضريّة الكبرى والأكثر حداثةً، اصطدم بفشل ذريع لحزب «المصباح»، الَّذِي لم يكن في مستوى الحدث.

إقرأ المزيد