تواصل معنا

سياسة

متاجرة بالألم.. سياسيون يغرقون ضحايا فيضانات القصر الكبير في وحل الاستغلال الانتخابي

لم‭ ‬تكن‭ ‬السيول‭ ‬الجارفة‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬بيوت‭ ‬المكلومين‭ ‬في‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬ونواحيها‭ ‬مجرد‭ ‬نكبة‭ ‬طبيعية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬تحولت،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬سريالي‭ ‬بئيس،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬عكاظ‮»‬‭ ‬سياسي‭ ‬بامتياز،‭ ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬المواطن‭ ‬يلملم‭ ‬جراحه‭ ‬ويحصي‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬سباقات‭ ‬المسافات‭ ‬القصيرة‭ ‬بين‭ ‬وجوه‭ ‬سياسية‭ ‬‮«‬أدمنت‮»‬‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬الأزمات،‭ ‬ليس‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه،‭ ‬بل‭ ‬لـ«قنص‮»‬‭ ‬لقطة‭ ‬إنسانية‭ ‬مغلفة‭ ‬بـ‮«‬قفة‮»‬‭ ‬دعم،‭ ‬تُباع‭ ‬وتُشترى‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة‭.‬

إنَّ‭ ‬المشاهد‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأماكن‭ ‬وما‭ ‬جاورها،‭ ‬تثير‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬المشروعة‭ ‬حول‭ ‬التوقيت‭ ‬والسياق،‭ ‬حيث‭ ‬استيقظ‭ ‬فجأة‭ ‬‮«‬الضمير‭ ‬الجمعي‮»‬‭ ‬لبعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬والفاعلين‭ ‬السياسيين‭ ‬الذين‭ ‬غابوا‭ ‬عن‭ ‬الساحة‭ ‬طوال‭ ‬أشهر‭ ‬‮«‬الجفاف‭ ‬التنظيمي‮»‬،‭ ‬ليظهروا‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬جلباب‭ ‬‮«‬المحسن‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الدعم‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬وثقته‭ ‬عدسات‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬ونُشر‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬‮«‬فيسبوك‮»‬‭ ‬برعاية‭ ‬‮«‬الذباب‭ ‬الإلكتروني‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬تساؤل‭ ‬حارق‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬تعاطف‭ ‬إنساني‭ ‬تلقائي‭ ‬يمليه‭ ‬الواجب‭ ‬الوطني؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬بصدد‭ ‬‮«‬استثمار‭ ‬في‭ ‬المآسي‮»‬‭ ‬وتوظيف‭ ‬سياسوي‭ ‬مقيت‭ ‬لمعاناة‭ ‬المتضررين؟

المصادر‭ ‬المتطابقة‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬المكان‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬القفة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬توزع‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬أنين‭ ‬ضحايا‭ ‬الفيضانات،‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬‮«‬بطاقة‭ ‬ناخب‮»‬‭ ‬غير‭ ‬مرئية،‭ ‬فالتدفق‭ ‬المفاجئ‭ ‬لسيارات‭ ‬الدفع‭ ‬الرباعي‭ ‬المحملة‭ ‬بالمواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬شعارات‭ ‬مبطنة‭ ‬لهذا‭ ‬الحزب‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬‮«‬التموضع‭ ‬القبلي‮»‬‭ ‬للاستحقاقات‭ ‬القادمة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أنَّ‭ ‬استغلال‭ ‬حاجة‭ ‬الناس‭ -‬في‭ ‬لحظات‭ ‬ضعفهم‭- ‬هو‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الإفلاس‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السياسة‭ ‬الميدانية‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرقعة‭ ‬الجغرافية‭ ‬المنكوبة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬البرامج‭ ‬التنموية‭ ‬أو‭ ‬حلّ‭ ‬معضلات‭ ‬تصريف‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬‮«‬قفة‭ ‬دقيق‮»‬‭ ‬و«لتر‭ ‬زيت‮»‬،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬مكشوفة‭ ‬لاستمالة‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬أرهقها‭ ‬التهميش‭ ‬والنسيان‭.‬

واللافت‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المهزلة‮»‬‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الفعل‭ ‬المؤسساتي‭ ‬المنظم‭ ‬والشفاف،‭ ‬مقابل‭ ‬طغيان‭ ‬‮«‬المبادرات‭ ‬الفردانية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬‮«‬أعيان‮»‬‭ ‬السياسة،‭ ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬توجيه‭ ‬الدعم‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬المستقل‭ ‬لضمان‭ ‬كرامة‭ ‬المتلقي،‭ ‬نجد‭ ‬المتضرّرين‭ ‬يواجهون‭ ‬طوابير‭ ‬‮«‬الإذلال‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬لتحويل‭ ‬مآسيهم‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬علمًا‭ ‬أنَّ‭ ‬ساكنة‭ ‬القصر‭ ‬الكبير،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬صدقة‮»‬‭ ‬مغلفة‭ ‬بالدعاية‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬تقيهم‭ ‬غدر‭ ‬السماء،‭ ‬وإلى‭ ‬مسؤولين‭ ‬يحاسبون‭ ‬المقاولين‭ ‬على‭ ‬‮«‬القناطر‭ ‬الورقية‮»‬‭ ‬والطرقات‭ ‬التي‭ ‬تذوب‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬قطرة‭ ‬غيث،‭ ‬فتهافت‭ ‬السياسيين‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬وجه‭ ‬آخر‭ ‬لعملة‭ ‬الصراع‭ ‬حول‭ ‬السلطة،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬المواطن‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬كومبارس‮»‬‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬هزلية‭ ‬بطلها‭ ‬‮«‬الانتخابي‮»‬‭ ‬يسابق‭ ‬الزمن‭ ‬لترميم‭ ‬صورته‭ ‬المهتزة،‭ ‬مستغلًا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬جراح‭ ‬البسطاء‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تنزف‭.‬

تابعنا على الفيسبوك