تواصل معنا

سياسة

قـبة البرلمان بيـن جهل المواطـن بتشريعات تـمس جيبه وغفلة «نواب المقايضة»

تكفي‭ ‬جولة‭ ‬خاطفة‭ ‬في‭ ‬أسواقنا‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬مقاهي‭ ‬الأحياء‭ ‬الهامشية‭ ‬لتكتشف‭ ‬حجم‭ ‬الهوّة‭ ‬السحيقة،‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬المواطن‭ ‬المغربي‭ ‬عمّا‭ ‬يدور‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬شارع‭ ‬محمد‭ ‬الخامس‭ ‬بالرباط‭. ‬تسأل‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬برلماني‭ ‬دائرته،‭ ‬فيجيبك‭ ‬دون‭ ‬تردد‭: ‬‮«‬ما‭ ‬جاب‭ ‬لينا‭ ‬لا‭ ‬خدمة،‭ ‬ما‭ ‬عبّد‭ ‬لينا‭ ‬طريق،‭ ‬وما‭ ‬دار‭ ‬لينا‭ ‬سبيطار‭!‬‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬التلخيص‭ ‬الشعبي‭ ‬يختزل‭ ‬أزمة‭ ‬وعي‭ ‬بنيوية‭ ‬عمّرت‭ ‬لعقود؛‭ ‬فغالبية‭ ‬المواطنين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تقيس‭ ‬مردودية‭ ‬ممثل‭ ‬الأمة‭ ‬بمنطق‭ ‬‮«‬المستشار‭ ‬الجماعي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬المُحسن‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُوزّع‭ ‬قفف‭ ‬رمضان،‭ ‬ويتوسّط‭ ‬في‭ ‬التوظيف‭ ‬أو‭ ‬رخص‭ ‬البناء‭. ‬أمَّا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬صناعة‭ ‬القانون‭ ‬ومناقشة‭ ‬فصول‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة،‭ ‬التي‭ ‬تقتطع‭ ‬من‭ ‬قوت‭ ‬يومِهم،‭ ‬فذلك‭ ‬ترفٌ‭ ‬فكريٌّ‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬أنّه‭ ‬هو‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يحدد‭ ‬أسعار‭ ‬المحروقات‭ ‬وفواتير‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والضرائب‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬بضائعهم‭.‬

المواطن‭ ‬يعاقب‭ ‬النائب‭ ‬أو‭ ‬يكافئه‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬خِدْمات‭ ‬شخصية،‭ ‬ثم‭ ‬يصرخ‭ ‬لاحقًا‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬قانون‭ ‬صادق‭ ‬عليه‭ ‬نفس‭ ‬البرلماني‭ ‬الذي‭ ‬صوّت‭ ‬له‭ ‬بالأمس‭.‬

لكن،‭ ‬هل‭ ‬العيب‭ ‬في‭ ‬الناخب‭ ‬وحده؟

المفارقة‭ ‬الصارخة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬المقابلة؛‭ ‬حيث‭ ‬يقبع‭ ‬برلمانيّون‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ “‬بدورهم‭” ‬لماذا‭ ‬يجلسون‭ ‬أصلًا‭ ‬تحت‭ ‬تلك‭ ‬القبة؟‭ ‬لنتحدث‭ ‬بلا‭ ‬مساحيق‭: ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬برلمانيين‭ ‬بالكاد‭ ‬يتهجون‭ ‬نصّ‭ ‬السؤال‭ ‬الكتابي،‭ ‬أو‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أظهرت‭ ‬تقارير‭ ‬ولوائح‭ ‬سابقة‭ ‬أن‭ ‬مستواهم‭ ‬الدراسي‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬أو‭ ‬دونه،‭ ‬بل‭ ‬الطامة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬هؤلاء‭ ‬للكرسي‭ ‬النيابي‭.‬

الترشح‭ ‬للبرلمان‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬كتل‭ ‬وازنة‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬‮«‬الأعيان‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬تعاقدًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬وتشريعيًّا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬صفقة‭ ‬نفوذ‭ ‬واستثمار‭ ‬تجاري‭ ‬بحت‭. ‬المنصب‭ ‬يُوفّر‭ ‬الحصانة،‭ ‬ويفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الإدارات‭ ‬المركزية‭ ‬لتسهيل‭ ‬الصفقات‭ ‬العقارية‭ ‬والمشاريع‭ ‬الشخصية،‭ ‬ويمنح‭ ‬‮«‬الوجاهة‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬القبيلة‭ ‬أو‭ ‬الإقليم‭. ‬أمَّا‭ ‬صياغة‭ ‬القوانين‭ ‬ومراقبة‭ ‬الحكومة،‭ ‬فمتروكة‭ ‬لـ«كتيبة‭ ‬تقنوقراطية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬رؤساء‭ ‬الفرق،‭ ‬بينما‭ ‬يكتفي‭ ‬صاحبنا‭ ‬برفع‭ ‬اليد‭ ‬عند‭ ‬إشارة‭ ‬التصويت،‭ ‬أو‭ ‬الغياب‭ ‬التام‭ ‬حتّى‭ ‬تنفض‭ ‬الولاية‭ ‬التشريعية‭.‬

الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬تتحمّل‭ ‬وزر‭ ‬هذه‭ ‬المهزلة؛‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تخلّت‭ ‬عن‭ ‬وظيفتها‭ ‬التأطيرية‭ ‬لصالح‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬الكائن‭ ‬الانتخابي‮»‬‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬جلب‭ ‬المقعد‭ ‬بماله‭ ‬وعلاقاته،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬استيعاب‭ ‬فصول‭ ‬الدستور‭.‬

وحين‭ ‬تغيب‭ ‬شروط‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬التزكيات،‭ ‬يصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تجويد‭ ‬النص‭ ‬التشريعي‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬نكتة‭ ‬سمجة‭ ‬تتردّد‭ ‬في‭ ‬جلسات‭ ‬افتتاحية‭ ‬تنتهي‭ ‬بصور‭ ‬تذكارية‭.‬

بين‭ ‬ناخب‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬البرلماني‭ ‬خدمات‭ ‬‮«‬المقدم‮»‬‭ ‬و«القايد‮»‬،‭ ‬ونائب‭ ‬يشتري‭ ‬المقعد‭ ‬ليبني‭ ‬ثروته‭ ‬ويحمي‭ ‬مصالحه،‭ ‬تضيع‭ ‬الوظيفة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬ردهات‭ ‬المزايدات‭ ‬والمصالح‭ ‬الضيقة‭.‬

إنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬التواطؤ‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬بين‭ ‬جهل‭ ‬بقيمة‭ ‬التشريع‭ ‬واستسهال‭ ‬للمسؤولية‭ ‬النيابية،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المؤسسة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬مجرد‭ ‬مسرح‭ ‬عبثي‭ ‬يُنتج‭ ‬قوانين‭ ‬فوقية،‭ ‬بينما‭ ‬يدفع‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬ثمن‭ ‬غيابه‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬الصناديق‭.‬

تابعنا على الفيسبوك