سياسة
سبع ولايات برلمانية وأكثر.. هل لا تزال طنجة-أصيلة تمنح ثقتها للوجوه نفسها؟
في كل موعد انتخابي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ماذا يريد الناخب من ممثليه في البرلمان؟ وهل تكفي التجربة الطويلة للاستمرار في حصد الأصوات، أم أن الناخب أصبح أكثر ميلًا إلى تغيير الوجوه ومنح فرص جديدة؟
في دائرة طنجة-أصيلة، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، في ظل حضور أسماء سياسية راكمت سنوات طويلة داخل المؤسسة البرلمانية، وبعضها قضى أزيد من سبع ولايات برلمانية، ما يفتح الباب أمام نقاش مشروع عن جدوى استمرار الوجوه نفسها في تمثيل الناخبين، ومدى قدرة هؤلاء البرلمانيين على تجديد خطابهم وتقديم حصيلة مقنعة بعد كل هذه السنوات.
فالولاية البرلمانية الأولى قد تمنح المنتخب هامشًا واسعًا لإثبات نفسه، والثانية تسمح بتقييم تجربته، أما بعد سنوات طويلة من الحضور البرلماني، فإن معيار الحكم يصبح أكثر صرامة: ماذا تحقّق؟ ماذا تغيّر؟ وما الذي استطاع البرلماني أن يضيفه فعليًّا إلى الحياة السياسية والتنموية للمدينة والإقليم؟
السؤال لا يتعلق، بالضرورة، بسنوات البقاء داخل البرلمان، فالتجربة السياسية يمكن أن تكون قيّمة مضافة، والراكم المعرفي والمؤسساتي قد يساعد البرلماني على أداء أدوار أكثر فعالية. لكن التجربة “في المقابل” لا يمكن أن تتحول وحدها إلى مبررٍ دائمٍ للاستمرار، خصوصًا إذا لم تكن مصحوبة بحصيلة واضحة، وحضور فعلي، وقدرة على الدفاع عن انتظارات السكان.
وهنا يأتي دور الناخب الطنجاوي، الذي يملك في نهاية المطاف الكلمة الفصل. فالأصوات التي تمنح في صناديق الاقتراع ليست مجرد مكافأة على الانتماء الحزبي أو طول المسار السياسي، وإنّما يفترض أن تكون تعبيرًا عن تقييم المواطن لأداء من اختارهم لتمثيله.
وبالنسبة إلى برلماني قضى سبع ولايات أو أكثر، فإن الناخب يملك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مادة كافية للحكم. هناك سنوات من الممارسة، ومواقف وتصريحات، ووعود انتخابية، ومشاركات برلمانية، ومبادرات، وحصيلة يمكن مقارنتها بما كان منتظرًا وما تحقّق فعلًا.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل قضى هذا البرلماني وقتًا طويلًا في البرلمان؟ وإنّما: ماذا قدم خلال هذا الوقت؟
طنجة-أصيلة ليست دائرة انتخابية عادية. إنها منطقة ذات ثقل اقتصادي وسكاني وسياسي، وتعرف تحولات متسارعة، وتواجه تحدّيات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار والنقل والسكن والخِدْمات العمومية والتنمية المجالية. ولذلك فإن المواطن لا يبحث فقط عن اسم معروف أو وجه مألوف، بل يريد ممثلًا قادرًا على تحويل انتظاراته إلى مرافعة سياسية ومؤسساتية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، سيكون طبيعيًّا أن يعيد الناخبون تقييم اختياراتهم السابقة. هل يستمرون في منح الثقة لمن يعرفونه منذ سنوات طويلة؟ أم يفتحون الباب أمام وجوه جديدة؟ وهل ستكون التجربة البرلمانية الطويلة عاملًا لصالح أصحابها أم ستتحول، على العكس، إلى عنصر يضعهم أمام امتحان أكثر صعوبة؟
فالاستمرار في البرلمان لأكثر من سبع ولايات يعني أن المنتخب لم يعد أمام مرحلة اختبار، وإنّما أمام حصيلة سياسية كاملة تقريبًا. وفي هذه الحالة يصبح من حق المواطن أن يسأل عن الملفات التي دافع عنها، وعن الوعود التي تحققت، وعن القضايا التي بقيت معلقة، وعن مدى حضوره داخل المؤسسة التشريعية، وعن قدرته على أن يكون صوتًا حقيقيًّا للدائرة التي انتخبته.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل مطلب التجديد إلى قاعدة آلية تعتبر أن كل برلماني قديم يجب أن يرحل، وأن كل وجه جديد يستحق الثقة لمجرد أنه جديد. فالجدة ليست معيارًا كافيًّا، كما أن التجربة ليست ضمانة كافية. المعيار الحقيقي هو الكفاءة، والنزاهة، والحصيلة، والقدرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
وهنا تحديدًا يمكن أن يكون للانتخابات المقبلة معنى مُختلفٌ في طنجة-أصيلة: أن تتحول من مجرد منافسة بين الأحزاب والأسماء إلى لحظة حقيقية لتقييم التجارب السابقة ومقارنة البرامج واختيار من يملك القدرة على تمثيل المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
فالناخب الذي يمنح صوته لبرلماني قضى سنوات طويلة في المؤسسة التشريعية يفترض أن يعرف لماذا يفعل ذلك، كما أن البرلماني نفسه مطالب بأن يقدم جوابًا مقنعًا عن أسباب طلبه تجديد الثقة. أما الاكتفاء بالقول إن التجربة الطويلة تشكل سببًا للاستمرار، فلم يعد كافيًّا في زمن أصبح فيه المواطن أكثر اطلاعًا على أداء ممثليه وأكثر قدرة على المقارنة بين الوعود والنتائج.
ومن المؤكد أن المعركة الانتخابية المقبلة ستكشف إلى أي حد ما زالت بعض الأسماء القديمة قادرة على الحفاظ على رصيدها الانتخابي، وإلى أي حد أصبح المزاج العام يميل إلى تغيير الوجوه. فقد تتجدد الثقة في بعض البرلمانيين بسبب حصيلتهم وتجربتهم، وقد يختار الناخبون فتح المجال أمام أسماء جديدة يرون فيها قدرة أكبر على التعبير عن تطلعات المرحلة المقبلة.
في النهاية، لا أحد يستطيع أن يمنح جوابًا مسبقًا عن السؤال: هل ستمنح طنجة-أصيلة أصواتها مرة أخرى لبرلمانيين قضوا أزيد من سبع ولايات؟
الجواب الحقيقي لن يكون في التحليلات ولا في استطلاعات الرأي غير الرسمية، وإنما سيكتبه الناخبون يوم الاقتراع. عندها فقط سيتضح ما إذا كانت سنوات طويلة من الحضور البرلماني تمثل رصيدًا انتخابيًّا لا يزال قائمًا، أم أن صناديق الاقتراع ستقول إن زمن التجديد قد حان.
ففي طنجة-أصيلة، قد لا يكون السؤال في الانتخابات المقبلة هو مَن يملك أطول تجربة، وإنّما من يملك أقوى حجة أمام الناخب؟


