القانون والناس
الرقمنة وقطاع العدل: بهرجة أم صرخة تكنولوجية؟
يُعدُّ مخطط التحوُّل الرقمي لمنظومة العدالة بمنزلة ورش استراتيجي يسعى إلى تحقيق عدالة ميسرة وفعّالة ومتواصلة، ومرفق قضائي يُكرّس الحقوق الأساسية للمرتفقين، ومحكمة ذكية تستعمل التكنولوجيا الحديثة للرفع من جودة خِدْماتها. وهو بذلك ورش يجسد انخراط وزارة العدل في مجهودات السياسة العامة للدولة الرامية إلى وضع آليات تكنولوجية تُسهم في تدبير التقاضي بمختلف محاكم المملكة، وتقديم الخِدْمات القضائية للمرتفقين بشكل مستمرّ وبصور متعدّدة.
بيد أنَّ الرقمنة في قطاع العدل “وإن كانت تُشكّل تلك «الصرخة التكنولوجية» الحتمية” فهي ليست مجرد بهرجة، بل تقنية وآلية تنقل المحاكم من الإدارة الورقية البطيئة إلى مفهوم «المحكمة الذكية»، بهدف تبسيط الإجراءات، وتسريع البتّ في القضايا، وتقليص الهدر المالي والزمني، ويمكن أن تُسهم في:
*تقليص آجال التقاضي: بفضل تبادل المذكرات إلكترونيًّا وتنظيم جلسات المحاكمة عن بُعد.
*دمج الذكاء الاصطناعي: عبر تفعيل أدوات مثل الإملاء الصوتي لتحويل الصوت إلى نصوص، مما يساعد القضاة على تحرير الأحكام في وقت قياسي.
*الشفافية والولوج الميسر: من خلال تتبع مآل القضايا، والحصول على الشهادات إلكترونيًا، وتسهيل وصول المتقاضين إلى العدالة بصرف النظر عن موقعهم الجغرافي.
*التحدِّيات المؤسسية والتنظيمية: والمتمثلة في تخوف بعض الفاعلين من التغيير، وبطء تنزيل الترسانة القانونية المؤطرة للتقاضي الإلكتروني.
*عقبة البنية التحتية: نتيجة ضعف صبيب الإنترنت في بعض المناطق، والاعتماد أحيانًا على الإجراءات الحضورية بسبب تعثُّر الأنظمة الرقمية.
*الأمن السيبراني: باعتباره تحديًّا حقيقيًّا يتمثّل في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي للمتقاضين في أثناء معالجة البيانات رقميًّا.
وحيث إنّ الجهود المبذولة، مثل مشاريع التحديث المستمرة التي تعرضها وزارة العدل المغربية، تُؤكّد أنَّ الرقمنة خيار استراتيجي لا رجعة فيه لترسيخ دولة الحقّ والقانون، فإن اكتمال نجاحها يظل رهينًا ببنية تحتية قوية، وإصلاحات قانونية شاملة، خصوصًا في ظلّ التوجّه نحو التبليغ الرقمي.
فهل ستتمكن الرقمنة من الجمع بين النجاعة والأمن القضائي والقانوني، أم ستبقى مجرد وسيلة لتفادي الاكتظاظ داخل ردهات المحاكم؟
إن كان تحديث الترسانة القانونية وإحداث مجموعة من المؤسسات ارتبط بالأساس مع الخطاب الملكي لثامن ماي 1990 الداعي إلى إحداث المحاكم الإدارية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
ومنذ هذا التاريخ عرف المغرب تطورًا تشريعيًّا ومؤسساتيًّا ملحوظًا يسعى “من خلاله” إلى أن يؤسس لدولة الحق والقانون وتكريسها.
ونظرًا للترابط الوثيق بين جهاز القضاء ودوره في بناء دولة الحقّ والقانون، وبين جهاز القضاء وضمان ممارسة الحقوق والحريات وحمايتها، وبين جهاز القضاء وجودة النص التشريعي، فإنَّنا نتساءل عن مفهوم الأمن القضائي وعلاقته بمسار بناء دولة الحقّ والقانون، هذا المفهوم الذي تمَّ التنصيصُ عليه دستوريًّا بمقتضى الفصل (117) الذي نصَّ على أنه: «يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون». الظاهر من هذا النصّ هو أنّ مسؤولية تحقيق الأمن القضائي تقع على عاتق القاضي لفائدة الأشخاص والجماعات، وهي مهمة يتولاها القاضي إلى جانب حماية حقوق الأشخاص والجماعات وتطبيق القانون.
مفهوم الأمن القضائي في ارتباطه بالقضاة وبجهاز القضاء، يمكن أن يحيل إلى دور القضاء بمختلف مكوناته: مدنيًّا، ودستوريًّا، وإداريًّا، وجنائيًّا وتجاريًّا، إلى إقرار الحق وضمان التطبيق السليم للنصوص القانونية، وإلى جودة العمل القضائي التي تنطلق من تدبير القضايا والبتّ فيها إلى تنفيذها والمساهمة في خلق القاعدة القانونية.
لكنَّ الأمن القضائي لا تنحصر حمايته على القاضي؛ لكونه أوسع وأشمل لاقترانه بمسار دولة الحق والقانون، وبذلك فهذا المفهوم يحيل ليس فقط إلى الحماية القضائية للحقوق والحريات والتطبيق السليم للنصوص القانونية، وإنَّما أيضًا إلى حماية القضاة أنفسهم وإلى الضمانات التي تمكنهم من أداء المهامّ المنوطة بهم باستقلال وتجرد ونزاهة. يحيل مفهوم الأمن القضائي أيضًا إلى الظروف الممكنة من الولوج إلى حقّ التقاضي وتبسيط مساطره، وإلى محيط القضاء وما يرتبط به من ثقة في جهاز القضاء وهيبة لأحكامه.
الأمن القضائي، وإن كان يكتسي صعوبةً “على مستوى تعريفه” فإنه بالمقابل يبدو واضحًا على مختلف المستويات المرتبطة بإصدار الأحكام والبت في القضايا انطلاقًا من جهاز السلطة القضائية إلى محيطها.
وهكذا فمفهوم الأمن القضائي على مستوى السلطة القضائية تجسده تلك الضمانات التي تحيط بالقاضي وهو يؤدي مهمته، إنها مختلف الضمانات التي تشعر القاضي والمتقاضي بالأمن، التي وردت بالتشريعات الدولية والوطنية.
لكنه يبقى التساؤل حول أهمية الذكاء الاصطناعي في قطاع العدالة لتحقيق هذا الأمن القضائي، الذي سيبدأ باستخدامه في المحاكم لكل قطاع العدالة من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة ASJP، مع استشراف مستقبل العدالة في زمن خوارزميات الذكاء الاصطناعي: أي توازن…، وتحقيق النجاعة القضائية بين قانون التنظيم القضائي الجديد وواقع المحاكم بالمغرب Abhatoo.
ومع ذلك، فإن ضمان الأمن القضائي والقانوني يتطلب قيودًا صارمة تمنعه من استبدال العقل البشري بالكامل. استشراف مستقبل العدالة في زمن خوارزميات الذكاء الاصطناعي: أي توازن… للتوفيق بين النجاعة والأمن القضائي، تعتمد الأنظمة القانونية -بما في ذلك التوجهات الحالية في وزارة العدل المغربية- مبادئ رئيسية:
*الدور الاستشاري لا التقريري: يعتمد القضاة والمحامون على الذكاء الاصطناعي كأداة للبحث والتحليل واستخراج السوابق، بينما تبقى سلطة اتخاذ القرار النهائي والتقدير للعقل البشري للقاضي. استشراف مستقبل العدالة في زمن خوارزميات الذكاء الاصطناعي: أي توازن.
*احترام الخصوصية والأخلاقيات: يتم صياغة أطر قانونية تضمن حماية المعطيات الشخصية للمتقاضين، مع تفادي الانتهاكات التي قد تؤثر في المحاكمة العادلة. المغرب يبدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم Anadolu Ajansı.
*مواكبة التشريعات: تعمل الجهات المختصّة على إعداد قوانين واضحة لتأطير هذه التقنيات، لتصبح ركيزة تبني الثقة الرقمية دون المساس باستقلال السلطة القضائية. المغرب يبدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم Anadolu Ajansı.
إذا كنت مهتمًا بمعرفة المزيد، فهل ترغب في مناقشة:
التشريعات المغربية والدولية المقترحة لتنظيم هذه التكنولوجيا في القضاء؟ المغرب يبدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم Anadolu Ajansı.
كيف يمكن للوسائل البديلة، كالوساطة، أن تتكامل مع الذكاء الاصطناعي لرفع النجاعة القضائية؟ القضاء المغربي يراهن على الحلول التوافقية لتخفيف الضغط عن المحاكم.


