آخر الأخبار
ابتعد عنها الوزراء وتنافس عليها الأعيان.. هل تكون طنجة-أصيلة دائرة الموت في الانتخابات التشريعية المقبلة؟
ثلاثة برلمانيين يحاولون الحفاظ على مقعدهم وسياسيون غيّروا جلدهم الحزبي وخمسة مقاعد ستُوزع على 16 حـــزبًـــــا على الأقــل
تتّجه دائرة طنجة-أصيلة إلى أن تكون واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية صعوبةً وتعقيدًا على المستوى الوطني، خلال الاستحقاقات التشريعية المقبلة، في ظلّ تركيبة ديموغرافية وسياسية تجعل التنافس على المقاعد الخمسة المخصصة لها أشبه بسباق انتخابي شديد الكلفة والحساسية.
وتضمُّ الدائرة كتلةً سكانيةً ضخمة تقترب من مليون ونصف المليون نسمة، في وقت لم يحمل القانون الانتخابي الجديد أيّ زيادة في عدد المقاعد المخصصة لها، رغم المطالب التي سبق أن رفعتها الطبقة السياسية محليًا من أجل إضافة مقعد سادس، بالنظر إلى التطور الديموغرافي الكبير الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، واتّساع قاعدة الناخبين وتنامي الوزن السياسي والاقتصادي لطنجة وأصيلة داخل الخريطة الوطنية.
ويجعل هذا الوضع معادلة التمثيلية البرلمانية أكثر تعقيدًا، إذ سيكون على عددٍ كبيرٍ من المرشحين والأحزاب خوض مواجهة انتخابية مفتوحة من أجل الظفر بخمسة مقاعد فقط، ما يعني عمليًا أن هامش الخطأ سيكون ضيقًا جدًّا، وأنّ أي حزب أو مرشح لن يكون بمقدوره الاطمئنان على حجز مقعده قبل انتهاء عملية فرز الأصوات، في ظل تقارب محتملٍ في النتائج وارتفاع سقف المنافسة على كلّ صوت انتخابي.
*صراع من أجل 5 مقاعد
وتزداد صعوبة المعركة الانتخابية بالنظر إلى العدد الكبير من الأحزاب التي قررت دخول السباق في هذه الدائرة، حيث أعلنت «إلى حدود الآن» ما لا يقل عن 16 هيئة سياسية ترشيحاتها أو استعدادها للمنافسة، وهو رقم يعكس بوضوح حجم الرهان الذي تُمثله طنجة – أصيلة بالنسبة إلى مختلف القوى السياسية، ويجعلها واحدة من الدوائر التي ستستقطب اهتمامًا واسعًا خلال الحملة الانتخابية المقبلة.
ولا يعود هذا الاهتمام فقط إلى الثقل السكاني للدائرة، وإنَّما أيضًا إلى طبيعة الأحزاب التي اختارت مواجهة بعضها لبعض داخلها، إذ تضمُّ القائمة عددًا من أبرز الأحزاب السياسية في المملكة، من بينها أحزاب التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتِّحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، والاتِّحاد الدستوري، والتقدم والاشتراكية.
وتكتسي مشاركة هذه الأحزاب أهمية خاصة، بالنظر إلى أنّها كلها ممثلة في مجلس النواب الحالي، كما تمتلك بدرجات متفاوتة هياكل تنظيمية وقواعد انتخابية وتجارب سابقة في الاستحقاقات المحلية والوطنية، الأمر الذي يرفع منسوب التنافس ويجعل المواجهة في طنجة – أصيلة مختلفة عن تلك التي يمكن أن تشهدها دوائر تعرف حضورا محدودًا للأحزاب أو تتركز فيها المنافسة بين قوتين أو ثلاث قوى سياسية فقط.
وفي حالة طنجة-أصيلة، لا يتعلق الأمر بمجرد تعدّد في اللوائح الانتخابية، وإنَّما بمواجهة بين أحزاب لها امتدادات وطنية، وأخرى تمتلك حضورًا محليًّا وتجارب انتخابية متراكمة، ما يعني أنَّ كل طرف سيدخل السباق وهو يدرك أن الوصول إلى البرلمان يتطلب تعبئة انتخابية واسعة وقدرة كبيرة على استقطاب الأصوات، خصوصًا أن عدد المقاعد الخمسة لا يتناسب «من حيث المعادلة الانتخابية» مع حجم الطموحات الحزبية وعدد المتنافسين.
ومن شأن هذا الوضع أن يُحوّل الدائرة إلى ساحة تنافس مفتوحة على جميع الاحتمالات، إذ لن يكون بمقدور أي حزب أن يضمن سابقًا مقعده. كما أنّ الأحزاب الكبرى نفسها ستكون مطالبة بخوض حملة قوية للحفاظ على مواقعها أو انتزاع مقاعدَ جديدة، في وقت ستسعى فيه الأحزاب الأخرى إلى قلب المعادلة وإحداث مفاجآت انتخابية.
ويعني ذلك أن الدائرة قد تشهد واحدة من أكثر الحملات الانتخابية شراسة على المستوى الوطني؛ لأنّ الصراع لن يكون فقط بين أحزاب تقليدية، بل بين أسماء وقيادات ومرشحين يسعون إلى تحويل حضورهم السياسي والتنظيمي إلى أصوات انتخابية فعلية، في دائرة ضيّقة نسبيًّا، لكنَّها مهمّة جدًّا.
كما أن عدم إضافة مقعد سادس، رغم المطالب المحلية، يزيد من حدّة الإشكال؛ لأنَّ المقعد الإضافي كان من شأنه أن يُوسّع هامش التمثيلية ويمنح مرشحين إضافيين فرصة الوصول إلى مجلس النواب، بينما سيبقى السباق الحالي محصورًا في خمسة مقاعد فقط، بما يجعل الفارق بين الفوز والخسارة قابلًا لأن يكون بضعة آلاف أو حتى مئات من الأصوات في بعض الحالات، بحسب طبيعة النتائج النهائية وتوزيع الأصوات بين اللوائح.
*وجوه انتخابية وغياب للوزراء
وتتضح ملامح الصراع الانتخابي المرتقب في دائرة طنجة-أصيلة؛ من خلال طبيعة الأسماء التي اختارتها بعض الأحزاب لخوض السباق، خصوصا مع وجود ثلاثة برلمانيين من أصل خمسة ممن تمكنوا من الفوز في الانتخابات التشريعية السابقة، ضمن وكلاء اللوائح الانتخابية هذه المرة، وهو ما يعكس “من جهة” رغبة عددٍ من الوجوه التي راكمت تجربة داخل المؤسسة التشريعية في الحفاظ على مواقعها، ومن جهة ثانية، حجم الرهان الذي تضعه الأحزاب على أسماء سبق أن اختبرت المنافسة في هذه الدائرة، وعرفت طبيعة تركيبتها الانتخابية وشبكاتها المحلية مباشرةً.
ويتعلق الأمر أولا بعبد القادر الطاهر، الذي سيقود لائحة حزب الاتِّحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى جانب محمد الحمامي، الذي اختاره حزب الاستقلال وكيلًا للائحته، فيما سيكون محمد الزموري الاسم الثالث الذي يدخل هذه المنافسة من موقع البرلماني المخضرم، بعدما اختار أن يقود لائحة حزب الحركة الشعبية، عقب عقود قضاها ممثلا لحزب الاتِّحاد الدستوري في البرلمان، في تحوُّل سياسي وانتخابي يحمل في حد ذاته دلالات كبيرة بالنسبة إلى طبيعة المعركة المقبلة.
ويكتسي وجود هؤلاء البرلمانيين ضمن وكلاء اللوائح أهمية خاصة؛ لأنّ الأمر لا يتعلق بمرشحين يخوضون تجربة انتخابية أولى داخل دائرة طنجة-أصيلة، وإنما بأسماء راكمت سنوات من العمل السياسي والانتخابي، وخبرت تفاصيل هذه الدائرة، سواء على مستوى توزيع الأصوات أو طبيعة المناطق التي تُشكّل خزانًا انتخابيًّا للأحزاب المختلفة، فضلًا عن معرفتها بالمنافسين وبالفاعلين المحليين وبالتوازنات التي يمكن أن تُؤثّر في اتجاهات التصويت، وهو ما يمنحها، نظريًا على الأقل، أفضلية مرتبطة بالتجربة مقارنة بمرشحين يدخلون للمرة الأولى إلى هذا النوع من السباقات.
ويبدو أن محمد الزموري يُمثّل “في هذا السياق” إحدى أكثر الحالات إثارة للاهتمام في المشهد الانتخابي المرتقب، ليس فقط لأنّه من أقدم البرلمانيين الذين راكموا حضورًا طويلًا داخل المؤسسة التشريعية، وإنَّما أيضًا بسبب انتقاله من حزب الاتِّحاد الدستوري إلى حزب الحركة الشعبية، بعد عقود تحت شعار «الحصان»، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي يمكن أن تفرضها الاستحقاقات الانتخابية على القيادات، خصوصًا عندما تصل الخلافات بشأن التزكية إلى نقطة يصعب معها استمرار العلاقة السياسية.
فالزموري دخل في صدام مع قيادة حزبه السابق على خلفية التزكية الانتخابية، قبل أن ينتهي الأمر بمغادرته الاتِّحاد الدستوري واختياره خوض الاستحقاقات المقبلة بلون سياسي جديد، وهو ما يُحوّل انتقاله “في حد ذاته” إلى أحد عناوين المنافسة في طنجة – أصيلة، بالنظر إلى أن المعركة لن تكون بالنسبة إليه مجرد محاولة للحفاظ على مقعد برلماني، وإنّما اختبارٌ لقدرته على نقل حضوره الانتخابي الذي راكمه طوال عقود إلى إطار حزبي آخر.
ولا تتوقف مؤشرات صعوبة المنافسة عند أسماء البرلمانيين الحاليين والسابقين، بل تمتد أيضًا إلى قرار عدد من أعضاء الحكومة عدم خوض غمار السباق في عمالة طنجة – أصيلة، بعدما كانت أسماؤهم مطروحة في وقت سابق كمرشحين محتملين لقيادة لوائح أحزابهم في هذه الدائرة. ويتعلق الأمر بيونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، والمنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وكريم زيدان، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، المكلف بالإدماج الاجتماعي، عن حزب الاستقلال.
وكان من شأن دخول هذه الأسماء الحكومية إلى السباق أن يمنح الانتخابات في طنجة بُعدًا إضافيًّا، بالنظر إلى الثقل السياسي الذي يحمله الوزراء وكتاب الدولة، وقدرتهم على استقطاب الاهتمام الإعلامي والسياسي، فضلًا عن كون ترشيحهم في دائرة بهذا الحجم كان سيعني وضع حضور الحكومة وأدائها السياسي أمام اختبار انتخابي مباشر، غير أن تغيّر المعطيات في نهاية المطاف يمكن قراءته، سياسيًّا، على أنّه مؤشر على إدراك مختلف الأحزاب لحساسية المعركة وصعوبة ضمان نتائج مريحة فيها.
ومن بين التفسيرات الممكنة لهذا التراجع، وجود تخوّف من أن يؤدي الدفع بأعضاء في الحكومة إلى دائرة شديدة التنافس إلى نتائج لا تتناسب مع حجم مواقعهم ومسؤولياتهم الحكومية، خصوصًا في ظل وجود منتخبين محليين وبرلمانيين راكموا تجربة طويلة داخل دائرة طنجة – أصيلة، ويعرفون تفاصيلها الانتخابية وكواليسها أكثر من أي وافدٍ جديدٍ مهما كان موقعه داخل الجهاز الحكومي.
وهنا تبرز مفارقة مهمة في انتخابات طنجة – أصيلة، تتمثل في أن الثقل الحكومي أو الحزبي على المستوى الوطني لا يعني بالضرورة امتلاك الأفضلية داخل الدائرة؛ لأن الانتخابات التشريعية في هذا النوع من الدوائر الكبرى لا تحسمها فقط شهرة المرشح أو موقعه الرسمي، وإنما تلعب فيها عوامل متعددة، من بينها الحضور الميداني، والقدرة على التعبئة، وقوة التنظيم المحلي، والعلاقات التي نسجها المرشح مع مختلف الفاعلين، فضلًا عن معرفته الدقيقة بالخريطة الانتخابية وبالكتل التصويتية وبالمنافسين.
وبالتالي، فإن عدم دخول السكوري وزيدان والرشيدي إلى السباق “بوصفهم وكلاء للوائح” يمكن أن يُفهم أيضًا في إطار حسابات حزبية دقيقة، ترتكز على تجنب المخاطرة بأسماء تشغل مواقع حكومية بارزة في مواجهة انتخابية تبدو مفتوحة على جميع الاحتمالات، فالحزب قد يُفضّل “في مثل هذه الحالات” الاعتماد على منتخب أو قيادي محلي أكثر التصاقًا بالدائرة، حتى وإن كان أقل حضورًا على المستوى الوطني، لأنّه يمتلك “بحكم التجربة” أدواتٍ انتخابيةً أكثر ملاءمةً لمعركة من هذا النوع.
ويزداد هذا الاعتبار أهمية عندما يتعلق الأمر بدائرة تضمّ نحو مليون ونصف المليون نسمة، وتتنافس فيها أحزاب عديدة على خمسة مقاعد فقط، إذ إنَّ أي نتيجة مخيبة لوزير أو مسؤول حكومي كان قد خاض الانتخابات على رأس لائحة حزبه يمكن أن تتحوّل إلى حدث سياسي يتجاوز حدود الدائرة، بينما يسمح الاعتماد على أسماء محلية أكثر خبرة بامتصاص جزءٍ من المخاطر المرتبطة بالمنافسة.
*روافد أخرى لاستقطاب الأصوات
وفي مظهر آخر من مظاهر المنافسة الشرسة التي تميز دائرة طنجة – أصيلة، يبرز سعي حزب العدالة والتنمية إلى استعادة حضوره السياسي والانتخابي داخل الدائرة، بعدما خرج خاوي الوفاض من الانتخابات التشريعية الماضية، في نتيجة شكلت تحوّلًا كبيرًا بالنسبة إلى حزب كان “إلى وقت قريب” القوة السياسية الأولى في طنجة، ونجح لعقود في بناء قاعدة انتخابية وتنظيمية وازنة داخل المدينة.
ولهذا الغرض، اختار الحزب الرهان على اسم جديد لقيادة لائحته، ويتعلق الأمر بمحمد بوزيدان، الرئيس السابق لمقاطعة امغوغة، الذي راكم حضورًا في الساحتين الإعلامية والثقافية، في محاولة لإعادة تقديم الحزب بوجه انتخابي مختلف، والاستفادة من تجربة مرشح سبق له الاشتغال في تدبير الشأن المحلي، بما قد يساعده على استعادة جزء من الأصوات التي فقدها خلال الاستحقاق السابق، في دائرة يسعى فيها العدالة والتنمية إلى إثبات أن خروجه السابق من البرلمان لم يكن نهاية حضوره الانتخابي بطنجة.
وبدوره، اختار حزب الأصالة والمعاصرة تغيير واجهته الانتخابية، من خلال الدفع بعبد اللطيف الغلبزوري، النائب الأول لرئيس مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، لقيادة اللائحة، عوض النائب البرلماني الحالي عادل الدفوف، وهي خطوة تحمل أبعادًا انتخابية واضحة، خصوصًا بالنظر إلى ارتباط الغلبزوري بجمعية «تويزا»، وما يمكن أن يتيحه ذلك من إمكانية استقطاب جزءٍ من أصوات الحركة الأمازيغية الناشطة في طنجة، ما قد يضيف بُعدًا جديدًا إلى حسابات الحزب في واحدة من أكثر الدوائر تنافسًا.
وتثير طبيعة الأسماء التي اختارتها أحزاب الانتباه بدورها، إذ لجأت أحزاب التجمع الوطني للأحرار والاتِّحاد الدستوري والديمقراطيين الجدد إلى ترشيح أسماء لها ارتباط مباشر بالمجال الرياضي، في مؤشر على محاولة استثمار شبكات العلاقات التي تتيحها الرياضة داخل المجتمع المحلي، ويتعلق الأمر ببولعيش، المرتبط بمجال كرة السلة، ومحمد الحنيني، المعروف بحضوره في عالم الكرة الطائرة، وعمر العباس، المرتبط بكرة القدم.
وتكشف هذه الاختيارات مجتمعة عن طبيعة السباق المنتظر في طنجة – أصيلة، حيث لا تكتفي الأحزاب بالرهان على الانتماء السياسي وحده، وإنما تبحث عن مرشحين يمتلكون امتدادات مختلفة داخل المجتمع، سواء عبر التسيير المحلي، أو القرب من مجالات الإعلام والثقافة والرياضة، في محاولة للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الكتلة الناخبة، وهو ما يُعزّز مرة أخرى فرضية تُحوّل الدائرة إلى واحدة من «دوائر الموت» في الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث سيكون الوصول إلى أحد المقاعد الخمسة رهينًا بمواجهة أسماء متعددة تمتلك كل واحدة منها أدواتها الخاصة في استقطاب الناخبين.


