إقتصاد
أزمة “البريكولاج” بطنجة.. شبح نقص اليد العاملة يطارد أرباب المطاعم والمقاهي بعروس الشمال
تعيش مدينة طنجة، القطب الاقتصادي والسياحي المتنامي بعروس الشمال، على وقع مفارقة صارخة تقض مضجع المستثمرين في قطاع الخدمات؛ ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة افتتاح المطاعم الفاخرة، والمقاهي العصرية، والحانات بشتّى أصنافها، خاصّة في المناطق الحيوية كـ«البولفار» ومحج محمد السادس ومناطق مالاباطا، يجد أرباب هذه المؤسّسات أنفسهم في مواجهة «كابوس» حقيقي وعائق بنيوي يتمثّل في الندرة الحادة وغير المسبوقة في اليد العاملة المؤهلة والمتخصّصة في مجالات الصيانة والإصلاح والترميم.
وحسب جولة ميدانية لجريدة لاديبيش في كواليس هذا القطاع الحيوي، فقد أجمع عددٌ من المسيّرين وأصحاب المقاولات السياحية على أنّ العثور على تقني متخصص لإصلاح عطب مفاجئ في المطبخ، أو صيانة شبكة التكييف، أو حتّى القيام بأعمال الصباغة والديكور المستعجلة، أصبح يتطلب «رحلة بحث» مضنية قد تدوم أيامًا طويلةً، بل صار «المعلم» (الحرفي) هو من يفرض شروطه المالية وساعات عمله، مستغلًا غياب بدائل مهنية مهيكلة ومنظمة تُقدّم هذه الخدمات بأسلوب احترافي وسريع.
وفي هذا السياق، يشير (عمر. م)، صاحب مطعم معروف بمنطقة النجمة، في حديثه للجريدة، إلى أن أزمة اليد العاملة في مجال الإصلاحات الصغرى والمتوسطة بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة. إذا تعطل فرن رئيسي أو حدث تسرب مائي مفاجئ في ساعة ذروة العمل، تضطر أحيانًا للإغلاق المؤقت وإلغاء الحجوزات، لأن التقنيين الموثوقين محجوزون مسبقًا لأسابيع لدى أوراش كبرى أو مشاريع بناء ضخمة تجتاح المدينة.
ويرجع مهنيون ومراقبون للشأن المحلي هذا الشح الحاد في اليد العاملة الحرفية بمدينة البوغاز إلى جملة من العوامل المتداخلة والظرفية؛ لعل أبرزها الطفرة الصناعية التي تشهدها المنطقة، التي استقطبت آلاف الشباب وخريجي معاهد التكوين المهني نحو المصانع والوحدات الإنتاجية (خاصة في مناطق مغوغة وگزناية) تفضيلًا للراتب القار والتغطية الصحية على العمل الحر غير المستقر.
وعلاوة على ذلك، لا يمكن إغفال تأثير الهجرة نحو الديار الأوروبية، حيث استنزفت عقود العمل الموسمية والدائمة في إسبانيا وفرنسا خيرة الحرفيين والتقنيين الطنجاويين المتخصصين في مجالات الكهرباء، والسباكة، والصباغة، واللحام. كما أنَّ الانتعاشة القوية التي يشهدها قطاع البناء والتعمير بطنجة جعلت المقاولين الصغار والحرفيين ينشغلون كليًا بالأوراش الكبرى، معتبرين إصلاحات المطاعم والمقاهي «عملًا ثانويًّا» لا يغريهم ما لم يكن بمبالغ مالية خيالية وطائلة.
هذا النقص الحاد والمزمن لم يؤدِ فقط إلى تأخير الإصلاحات الضرورية وتعطيل مصالح المهنيين، بل تسبَّب مباشرة في رفع كلفة الخدمات بشكل غير منطقي ولا يتناسب مع حجم العمل المنجز.
فبعض الحرفيين باتوا يطالبون مسبقًا بتعويضات عن «التنقل» و«المعاينة» قبل بدء العمل، ناهيك عن لجوء بعض أرباب الحانات والمقاهي، في حالات الاستعجال، إلى استقدام يد عاملة من مدن أخرى (كتطوان، القنيطرة، وحتى الدار البيضاء)، مما يرفع تكلفة الصيانة بنسب باهظة قد تصل في كثير من الأحيان إلى أزيد من 40%.
من جانبه، صرح فاعل جمعوي بقطاع السياحة بطنجة لـلاديبيش أن المدينة مقبلة على احتضان تظاهرات عالمية كبرى، ولا يعقل أن يظل قطاع الخدمات يعاني هذا العجز البنيوي الواضح. غياب شركات مختصة ومقاولات صغرى ومتوسطة تعنى بصيانة المنشآت السياحية بشكل احترافي ومنظم، يترك المجال واسعا لـ«العشوائية» والوسطاء الذين يستنزفون جيوب المهنيين ويهددون جودة الخدمات المقدمة للزبائن.
وفي ظل هذا الوضع القائم، تتعالى الأصوات بضرورة تدخل غرف التجارة والصناعة والخدمات، وكذا مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، لاتخاذ إجراءات عاجلة لمواكبة هذه التحولات، وتوجيه الشباب وتدريبهم نحو تخصصات «صيانة المنشآت السياحية وإصلاح الفضاءات المهنية». فالطلب في طنجة لم يعد يقتصر اليوم على الطباخين، والنادلين، ومسيري الفنادق، بل امتدَّ ليشمل بقوة «جنود الخفاء» من تقنيين، وحرفيين، وكهربائيين، وسباكين، هم في واقع الأمر من يضمنون استمرار دوران عجلة الاستثمار في عروس الشمال.
وإلى حين إيجاد حلول جذرية ومهيكلة لهذه المعضلة، يبقى أصحاب المطاعم والمقاهي والحانات بطنجة تحت رحمة «أجندات» الحرفيين ومزاجيتهم، في مدينة لا تنام وتتطور بسرعة، لكن صيانة مرافقها الحيوية قد تغط في نوم عميق لغياب «المعلم».


