تواصل معنا

إقتصاد

من اقتصاد باب سبتة إلى اقتصاد ما بعد المعبر.. تطوان والمضيق والفنيدق.. حين يصبح الجوار الإسباني سؤالًا انتخابيًا لا يجد له مكانًا في البرامج الجاهزة

في‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الناخب‭ ‬إلى‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الشرح‭ ‬حتى‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬داخل‭ ‬الحدود‭ ‬الإدارية‭ ‬للمدن‭ ‬وحدها؛‭ ‬هنا،‭ ‬وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬المجال‭ ‬المتوسطي‭ ‬المحاذي‭ ‬لسبتة،‭ ‬تتداخل‭ ‬التجارة‭ ‬والسياحة‭ ‬والهجرة‭ ‬والعمل‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والأسعار‭ ‬وحركة‭ ‬العابرين؛‭ ‬لتصنع‭ ‬اقتصادًا‭ ‬محليًّا‭ ‬شديدَ‭ ‬الحساسية‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الحدود‭.‬

لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬بالمنطقة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭: ‬من‭ ‬يمثلني؟‭ ‬ولا‭: ‬أي‭ ‬حزب‭ ‬سيحصل‭ ‬على‭ ‬صوتي؟‭ ‬بل‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬مباشرة‭ ‬وإلحاحًا‭: ‬ماذا‭ ‬سيحدث‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬إذا‭ ‬تغيرت‭ ‬قواعد‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الجوار‭ ‬الإسباني؟

ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬إغلاق‭ ‬معبر‭ ‬باب‭ ‬سبتة،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬المرتبطة‭ “‬بما‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بتجارة‭ ‬التهريب‭ ‬المعيشي‭” ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬قرار‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالحدود‭ ‬أو‭ ‬الجمارك‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬تحوّلًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬اقتصاد‭ ‬اجتماعي‭ ‬كامل،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬عمالة‭ ‬المضيق‭-‬الفنيدق‭. ‬وتقر‭ ‬وثائق‭ ‬الصياغة‭ ‬التشاركية‭ ‬لجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬بأن‭ ‬إغلاق‭ ‬المعبر‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتهريب‭ ‬خلّفا‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إدماج‭ ‬المتضررين،‭ ‬وخلق‭ ‬فرصَ‭ ‬شغل‭ ‬جديدة،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬العروض‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الموجهة‭ ‬للشباب‭ ‬وارتفاع‭ ‬البطالة‭ ‬بالعمالة‭.‬

*ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬الانتخابية‭ ‬الحقيقية

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتقدّم‭ ‬فيه‭ ‬الحملات‭ ‬السياسية‭ ‬عادةً‭ ‬بخطاب‭ ‬وطني‭ ‬واسع،‭ ‬يتحدّث‭ ‬عن‭ ‬التنمية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والتشغيل‭ ‬ومحاربة‭ ‬البطالة‭ ‬وتحسين‭ ‬الخِدْمات،‭ ‬يبحث‭ ‬الناخب‭ ‬في‭ ‬الفنيدق‭ ‬أو‭ ‬المضيق‭ ‬أو‭ ‬تطوان‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬أكثر‭ ‬محلية‭: ‬ما‭ ‬البديل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬سيمنح‭ ‬أبناء‭ ‬المنطقة‭ ‬دخلًا‭ ‬مستقرًّا‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بفتح‭ ‬معبر‭ ‬أو‭ ‬إغلاقه،‭ ‬ولا‭ ‬بموسم‭ ‬سياحي‭ ‬أو‭ ‬حركة‭ ‬تجارية‭ ‬عابرة؟

*سبتة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬جار‭.. ‬إنها‭ ‬عامل‭ ‬اقتصادي‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية

قد‭ ‬تبدو‭ ‬سبتة،‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬سياسي‭ ‬وإداري،‭ ‬ملفًا‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالحدود‭ ‬والسيادة‭ ‬والعلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية؛‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬محلي،‭ ‬الأمر‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭. ‬فوجود‭ ‬سبتة‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬قريبة‭ ‬جعل‭ ‬المنطقة‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭ ‬تعيش‭ ‬لعقود‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬حدودي‭ ‬متنوع،‭ ‬استفادت‭ ‬منه‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة‭. ‬وحين‭ ‬تغيّرت‭ ‬قواعد‭ ‬هذا‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لم‭ ‬يتغيّر‭ ‬نشاط‭ ‬فئة‭ ‬مهنية‭ ‬محددة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬اهتزّت‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬والنقل‭ ‬والاستهلاك‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬سؤال‭ ‬البدائل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬المضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬باعتباره‭ ‬مجردَ‭ ‬ملف‭ ‬تقني‭. ‬إنه‭ ‬سؤال‭ ‬يتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬محلي‭ ‬جديد‭.‬

لقد‭ ‬جرى‭ ‬بالفعل‭ ‬إطلاق‭ ‬مشاريع‭ ‬وبرامج‭ ‬لمحاولة‭ ‬تعويض‭ ‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للتحولات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمعبر‭ ‬باب‭ ‬سبتة‭. ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬منطقة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بالفنيدق،‭ ‬التي‭ ‬قُدمت‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬البدائل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لتجارة‭ ‬التهريب،‭ ‬وتضمُّ‭ ‬فضاءات‭ ‬للأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬والتوزيع‭ ‬والاستيراد،‭ ‬مع‭ ‬ربطها‭ ‬بمنظومة‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭. ‬كما‭ ‬أطلقت‭ ‬منطقة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجديدة‭ ‬بالفنيدق،‭ ‬المخصصة‭ ‬لأنشطة‭ ‬التوزيع‭ ‬والتجارة،‭ ‬وبدأت‭ ‬باستقبال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬والمقاولين‭.‬

لكن‭ ‬وجود‭ ‬المشاريع‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬انتهاء‭ ‬السؤال‭. ‬فالناخب‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬فقط‭: ‬هل‭ ‬توجد‭ ‬منطقة‭ ‬اقتصادية؟

بل‭ ‬يسأل‭: ‬كم‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬خلقت؟‭ ‬ولمن؟‭ ‬وهل‭ ‬يستطيع‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬رأسمالًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬إليها؟‭ ‬وهل‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬حامل‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية؟‭ ‬وهل‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬الحرفي‭ ‬أو‭ ‬صاحب‭ ‬المشروع‭ ‬الصغير‭ ‬مكانًا؟‭ ‬وهل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬محلي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬آثار‭ ‬اقتصاد‭ ‬الحدود‭ ‬القديم؟

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تظهر‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬لغة‭ ‬المشاريع‭ ‬ولغة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬البرنامج‭ ‬الغائب‭:‬‭ ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬إغلاق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القديم؟

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬البدائل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليس‭ ‬غائبًا‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬العمومية‭. ‬بالعكس،‭ ‬هناك‭ ‬برامج‭ ‬وخطط‭ ‬ومشاريع‭ ‬واضحة‭.‬

ففي‭ ‬إطار‭ ‬التصور‭ ‬التشاركي‭ ‬لبرنامج‭ ‬العمل‭ ‬الجهوي،‭ ‬طُرحت،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المضيق‭-‬الفنيدق،‭ ‬فكرة‭ ‬إنشاء‭ ‬منطقة‭ ‬للأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬منطقة‭ ‬للصناعات‭ ‬الرقمية،‭ ‬بهدف‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬للشباب‭ ‬وحاملي‭ ‬الشهادات،‭ ‬والحدّ‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬والهجرة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭.‬

كما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬سابقة‭ ‬إطلاق‭ ‬برامج‭ ‬لدعم‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال‭ ‬والإدماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بينها‭ ‬برنامج‭ ‬استهدف‭ ‬خلق‭ ‬آلاف‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬عبر‭ ‬إحداث‭ ‬مقاولات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آليات‭ ‬للتكوين‭ ‬والمواكبة‭ ‬والتمويل‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬المؤسساتية‭ ‬إلى‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬هو‭: ‬أين‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الناخب؟‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬المرشح‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬عمومي‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحدودي؟

ولماذا‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬كل‭ ‬مرشح،‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬ومقارن،‭ ‬تصوّره‭ ‬لما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عليه‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة؟

*هذه‭ ‬هي‭ ‬البرامج‭ ‬الغائبة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬البحث‭ ‬عنها

وسط‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تظهر‭ ‬مسألة‭ ‬الثقة‭ ‬السياسية‭ ‬كإشكالية‭ ‬جوهرية؛‭ ‬فالأزمة‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬غياب‭ ‬المشاريع‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬الرسمية،‭ ‬وإنما‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬السياسية‭ ‬المحلية‭ ‬المتماسكة‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتحويل‭ ‬تلك‭ ‬المشاريع‭ ‬المتفرقة‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬اقتصادي‭ ‬جديد‭ ‬للمنطقة‭.‬

الشباب‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬‮«‬التشغيل‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬شعارًا‭.. ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬طريقًا‭ ‬واضحًا‭ ‬إليه،‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الكلمات‭ ‬استعمالًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الانتخابي‭ ‬المغربي‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬التشغيل‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬شابًا‭ ‬في‭ ‬الفنيدق‭ ‬أو‭ ‬المضيق‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سماع‭ ‬وعد‭ ‬عام‭ ‬بمحاربة‭ ‬البطالة‭. ‬هو‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬سيعمل‭.‬

هل‭ ‬سيكون‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬التجارة؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬السياحة؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الغذائية؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬اللوجستيك؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتضامني؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الصيد‭ ‬البحري‭ ‬وتثمين‭ ‬المنتجات‭ ‬البحرية؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬المقاولات‭ ‬الصغيرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسياحة؟

هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬البرنامج‭ ‬الانتخابي؛‭ ‬فبرنامج‭ ‬التنمية‭ ‬الجهوية‭ ‬نفسه‭ ‬يتضمَّن‭ ‬توجهات‭ ‬نحو‭ ‬تنمية‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬الصغيرة‭ ‬الموجهة‭ ‬للمقاولين‭ ‬والتعاونيات‭ ‬الشابة،‭ ‬وتحديث‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية،‭ ‬وتطوير‭ ‬الأنشطة‭ ‬السياحية‭ ‬وتحسين‭ ‬التجهيزات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.‬

لكنَّ‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العناوين‭ ‬تظل‭ ‬واسعة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭: ‬التكوين،‭ ‬التمويل،‭ ‬العقار،‭ ‬التسويق،‭ ‬المواكبة،‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬الرقمنة،‭ ‬التصدير،‭ ‬وربط‭ ‬المقاولات‭ ‬المحلية‭ ‬بالمنظومات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى‭.‬

الشاب‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬فقط‭ ‬‮«‬سنشجع‭ ‬المقاولة»؛‭ ‬إنَّما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭: ‬من‭ ‬سيمولني؟‭ ‬أين‭ ‬سأعمل؟‭ ‬كم‭ ‬سأدفع؟‭ ‬من‭ ‬سيرافقني؟‭ ‬كيف‭ ‬سأصل‭ ‬إلى‭ ‬السوق؟‭ ‬وما‭ ‬الضمانة‭ ‬بأن‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬ينتهي‭ ‬بعد‭ ‬سنة؟

وهذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬انتخابيًّا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شعار‭ ‬حزبي‭. ‬من‭ ‬‮«‬التهريب‭ ‬المعيشي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬منتج‭: ‬المهمة‭ ‬الأصعب،‭ ‬كان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحدودي‭ ‬القديم،‭ ‬بكل‭ ‬تناقضاته،‭ ‬يوفر‭ ‬دخلًا‭ ‬لفئات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تجد‭ ‬دائمًا‭ ‬مكانًا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرسمي‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬البديل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬استبدال‭ ‬النشاط‭ ‬القديم‭ ‬بمحل‭ ‬تجاري‭ ‬أو‭ ‬فضاء‭ ‬اقتصادي‭. ‬البديل‭ ‬الحقيقي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اقتصادًا‭ ‬منتجًا‭ ‬ومستدامًا،‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬محلية،‭ ‬وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬قطاعات‭ ‬عدة‭.‬

أولها‭ ‬اللوجستيك‭ ‬والتوزيع،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجهوي‭. ‬وثانيها‭ ‬السياحة،‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬سياحة‭ ‬شاطئية‭ ‬موسمية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنَّما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬سياحة‭ ‬ثقافية‭ ‬وتاريخية‭ ‬وبيئية،‭ ‬وربط‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬في‭ ‬منتج‭ ‬سياحي‭ ‬واحد‭. ‬وثالثها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬وهو‭ ‬قطاع‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬اقترح‭ ‬ضمن‭ ‬التصورات‭ ‬التشاركية‭ ‬للمنطقة‭ ‬عبر‭ ‬فكرة‭ ‬منطقة‭ ‬للصناعات‭ ‬الرقمية‭ ‬تستهدف‭ ‬الشباب‭ ‬حاملي‭ ‬الشهادات‭ ‬والتكوينات‭ ‬المتخصصة‭. ‬ورابعها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتضامني،‭ ‬خاصّةً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬النساء‭ ‬والشباب‭ ‬والحرفيين‭. ‬وخامسها‭ ‬الصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬وتثمين‭ ‬المنتجات‭ ‬المحلية‭.‬

لكن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬محلية‭ ‬واضحة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬إدراجها‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬طويلة‭ ‬داخل‭ ‬برنامج‭ ‬انتخابي‭. ‬الناخب‭ ‬الحدودي‭ ‬لا‭ ‬يصوت‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬يصوت‭ ‬بها‭ ‬الناخب‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬الحدود،‭ ‬هناك‭ ‬عامل‭ ‬آخر‭ ‬شديد‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬السلوك‭ ‬الانتخابي‭ ‬بالمنطقة‭. ‬فالناخب‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الحدودية‭ ‬يعيش‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭.‬

ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬أو‭ ‬المغرب،‭ ‬تغير‭ ‬شروط‭ ‬العبور،‭ ‬تشدد‭ ‬المراقبة،‭ ‬تغير‭ ‬حركة‭ ‬السياح،‭ ‬أزمة‭ ‬قطاع‭ ‬معين،‭ ‬أو‭ ‬انتعاش‭ ‬نشاط‭ ‬آخر،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬انعكاسات‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬حياته‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬انتظارات‭ ‬هذا‭ ‬الناخب‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬براغماتية،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬عنده‭: ‬أي‭ ‬حزب‭ ‬لديه‭ ‬الخطاب‭ ‬الأكثر‭ ‬جاذبية؟‭ ‬بل‭: ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬مدينتي‭ ‬أقل‭ ‬اعتمادًا‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬الحدود؟

ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬ابني‭ ‬فرصة‭ ‬عمل؟‭ ‬ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬بدأته؟‭ ‬ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬مدينتي‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬موقعها‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬منطقة‭ ‬عبور؟

هنا‭ ‬تصبح‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الشعارات‭ ‬المركزية‭.‬

*تطوان‭ ‬أيضًا‭ ‬معنية‭.. ‬لأن‭ ‬اقتصاد‭ ‬الحدود‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬الفنيدق

من‭ ‬الخطأ‭ ‬اختزال‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬الفنيدق‭ ‬والمضيق‭ ‬وحدهما؛‭ ‬فتطوان،‭ ‬بحكم‭ ‬قربها‭ ‬الجغرافي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬نفسه‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الفنيدق‭ ‬هي‭ ‬النقطة‭ ‬الأكثر‭ ‬التصاقًا‭ ‬بالحدود؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬تطوان‭ ‬تمثل‭ ‬مركزًا‭ ‬حضريًّا‭ ‬وتعليميًّا‭ ‬وخدماتيًّا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجديد‭ ‬للمنطقة‭.‬

الجامعة،‭ ‬التكوين‭ ‬المهني،‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية،‭ ‬التجارة،‭ ‬السياحة،‭ ‬الخدمات،‭ ‬الثقافة،‭ ‬والصناعات‭ ‬الإبداعية‭ ‬كلها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬حلقات‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مشتركة‭. ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬المدن‭ ‬الثلاث‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تُناقش‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬حدة؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يتطلب‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬كـ‮«‬منظومة‭ ‬حضرية‭ ‬متكاملة»؛‭ ‬فالشاب‭ ‬قد‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬الفنيدق،‭ ‬يدرس‭ ‬في‭ ‬تطوان،‭ ‬ويتلقى‭ ‬تكوينًا‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬المدينتين،‭ ‬بينما‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬يرتبط‭ ‬بطنجة‭ ‬أو‭ ‬بسبتة‭ ‬أو‭ ‬بالسياحة‭. ‬إذن‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تصور‭ ‬اقتصادي‭ ‬موحد‭ ‬للمنطقة؟

*المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المشاريع‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬قياس‭ ‬النتائج

أحد‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرحها‭ ‬الصحفي‭ ‬والناخب‭ ‬معًا‭ ‬هو‭:‬‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬للبرامج‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات؟‭ ‬فالجهة‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬برامج‭ ‬للإدماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬كما‭ ‬أطلقت‭ ‬مؤسسات‭ ‬عمومية‭ ‬مشاريع‭ ‬لمواكبة‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بعمالة‭ ‬المضيق‭-‬الفنيدق‭. ‬لكن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المحلية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بإعلان‭ ‬المشروع،‭ ‬إنها‭ ‬تسأل‭ ‬عن‭ ‬النتيجة‭. ‬كم‭ ‬مشروعًا‭ ‬استمر؟‭ ‬كم‭ ‬وظيفة‭ ‬دائمة‭ ‬خلق؟‭ ‬كم‭ ‬شابًا‭ ‬استفاد؟‭ ‬كم‭ ‬امرأة‭ ‬دخلت‭ ‬سوق‭ ‬العمل؟‭ ‬ما‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬جذبته‭ ‬المنطقة؟‭ ‬ما‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬نجحت؟‭ ‬ما‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬فشلت؟‭ ‬ولماذا؟‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬انتخابي‭ ‬جدّي؛‭ ‬فالناخب‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الوعود‭ ‬بقدر‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬حساب‭ ‬اقتصادي‭.‬

*البرنامج‭ ‬الذي‭ ‬ينتظره‭ ‬شباب‭ ‬الثغور

لو‭ ‬أردنا‭ ‬اختزال‭ ‬انتظارات‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬محلي‭ ‬عملي،‭ ‬فقد‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬محاور؛‭ ‬أولها‭: ‬وظائف‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الجديد،‭ ‬عبر‭ ‬تكوين‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬اللوجستيك،‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬الرقمنة،‭ ‬السياحة،‭ ‬اللغات‭ ‬والخدمات؛‭ ‬ثانيًّا‭: ‬تسهيل‭ ‬ولوج‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬العقار‭ ‬الاقتصادي؛‭ ‬لأنّ‭ ‬المقاول‭ ‬الصغير‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬منافسة‭ ‬المستثمر‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬العقار؛‭ ‬ثالثًا‭: ‬تمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة،‭ ‬مع‭ ‬مواكبة‭ ‬حقيقية‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬منح‭ ‬أولية؛‭ ‬رابعًا‭: ‬اقتصاد‭ ‬سياحي‭ ‬طوال‭ ‬السنة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬المدينة‭ ‬رهينة‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف؛‭ ‬خامسًا‭: ‬ربط‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬بشبكة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واحدة،‭ ‬بدل‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬كجزر‭ ‬منفصلة؛‭ ‬سادسًا‭: ‬إنشاء‭ ‬آلية‭ ‬محلية‭ ‬لتتبع‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحدود،‭ ‬تجمع‭ ‬المنتخبين‭ ‬والإدارة‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والجامعة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬بهدف‭ ‬دراسة‭ ‬انعكاسات‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬العبور‭ ‬أو‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬السياحة‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬أحلامًا‭ ‬انتخابية؛‭ ‬إنّها‭ ‬أسئلة‭ ‬عملية‭ ‬يمكن‭ ‬قياس‭ ‬نتائجها‭.‬

بين‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬التنمية‮»‬‭ ‬وحقيقة‭ ‬المدينة،‭ ‬ربَّما‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬أنَّ‭ ‬الأحزاب‭ ‬تأتي‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬الحدودية‭ ‬بالخطاب‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬أخرى،‭ ‬لكن‭ ‬المدينة‭ ‬الحدودية‭ ‬ليست‭ ‬مدينة‭ ‬عادية‭.‬

لها‭ ‬اقتصادها،‭ ‬وحساسياتها،‭ ‬وتاريخها،‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬التجارية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وتحدياتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬نسخ‭ ‬برنامج‭ ‬مركزي‭ ‬وإعادة‭ ‬تقديمه‭ ‬للناخب‭ ‬المحلي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كافيًّا‭.‬

الناخب‭ ‬في‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬المرشح‭ ‬يعرف‭ ‬مدينته‭ ‬فعلًا،‭ ‬يعرف‭ ‬لماذا‭ ‬أغلقت‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة؟‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬للتجار‭.‬

يعرف‭ ‬لماذا‭ ‬يبحث‭ ‬الشباب‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬خارج‭ ‬المنطقة‭. ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬السياحة‭ ‬الموسمية‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭. ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬ناجحة‭ ‬بمجرد‭ ‬افتتاحها،‭ ‬ويعرف،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬أن‭ ‬الموقع‭ ‬الحدودي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فرصة‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭.‬

*الانتخابات‭ ‬المقبلة‭.. ‬امتحان‭ ‬للخيال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المحلي

إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬درس‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاصه‭ ‬من‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستمرّ‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬واحد‭.‬

إغلاق‭ ‬معبر‭ ‬باب‭ ‬سبتة‭ ‬كشف‭ ‬هشاشة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬حول‭ ‬الحدود،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬أكبر‭: ‬ماذا‭ ‬نريد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬النموذج‭ ‬القديم؟‭ ‬هل‭ ‬نريدها‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬سكني‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬سبتة؟‭ ‬أم‭ ‬مركزًا‭ ‬تجاريًّا؟‭ ‬أم‭ ‬قطبًا‭ ‬سياحيًّا؟‭ ‬أم‭ ‬منصة‭ ‬لوجستيكية؟‭ ‬أم‭ ‬مدينة‭ ‬رقمية؟‭ ‬أم‭ ‬مزيجًا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك؟

الجواب‭ ‬يجب‭ ‬ألّا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الرباط‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬المركزية‭ ‬للأحزاب‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬نقاش‭ ‬محلي‭ ‬حقيقي‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬للانتخابات‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬المقاعد؛‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مناسبة‭ ‬لإجبار‭ ‬المرشحين‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬أجوبة‭ ‬دقيقة‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬مفتوحًا‭.. ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق‭ ‬يرفضون‭ ‬فكرة‭ ‬التنمية،‭ ‬ولا‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬الدولة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الجهوية‭. ‬لكنَّهم‭ ‬يريدون‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬ستتحول‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬بعد‭ ‬تراجع‭ ‬النموذج‭ ‬الحدودي‭ ‬القديم‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬السؤال‭ ‬الانتخابي،‭ ‬ماذا‭ ‬سيقترح‭ ‬المرشح‭ ‬للشاب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬الحدود‭ ‬مصدر‭ ‬رزقه،‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬بعد‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجديد؟‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شعار‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تشجيع‭ ‬الاستثمار‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬التكوين‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬إلى‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭.‬

ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬التاجر‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬عام‭ ‬عن‭ ‬‮«‬التنمية‭ ‬المحلية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬كيف‭ ‬ستُفتح‭ ‬أمامه‭ ‬الأسواق‭ ‬وكيف‭ ‬ستُخفض‭ ‬كلفة‭ ‬ممارسة‭ ‬النشاط‭ ‬وكيف‭ ‬سيستفيد‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المنطقة‭.‬

ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بأنشطة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحدود‭ ‬إلى‭ ‬وعود‭ ‬فضفاضة‭ ‬حول‭ ‬‮«‬تمكين‭ ‬المرأة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬قابل‭ ‬للحياة،‭ ‬وتمويل،‭ ‬وتسويق،‭ ‬ومواكبة‭.‬

ولا‭ ‬تحتاج‭ ‬المدن‭ ‬الثلاث‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬خطة‭ ‬تجعل‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬محلية‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬لماذا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الجوار‭ ‬الإسباني‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬خيارات‭ ‬الناخب،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يرد‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭. ‬فالناخب‭ ‬لا‭ ‬يصوت‭ ‬على‭ ‬الكلمات‭ ‬فقط؛‭ ‬إنّه‭ ‬يصوت‭ ‬على‭ ‬تجربته‭ ‬اليومية‭. ‬والحدود،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سكان‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق،‭ ‬ليست‭ ‬خطًا‭ ‬مرسومًا‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭. ‬إنها‭ ‬اقتصاد،‭ ‬وذاكرة،‭ ‬وفرص،‭ ‬ومخاطر،‭ ‬وأحلام،‭ ‬ومهن‭ ‬اختفت،‭ ‬ومهن‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تولد‭ ‬بعد‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬المعركة‭ ‬الانتخابية‭ ‬الحقيقية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬انتهى‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬ونموذج‭ ‬جديد‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬بعد‭.‬

والمرشح‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يشرح‭ ‬للناخب‭ ‬كيف‭ ‬سينتقل‭ ‬بهذه‭ ‬المدن‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أسيرًا‭ ‬له،‭ ‬سيكون‭ ‬قد‭ ‬اقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جوهر‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة؛‭ ‬أما‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالشعارات‭ ‬المركزية‭ ‬الجاهزة،‭ ‬فسيترك‭ ‬السؤال‭ ‬معلّقًا‭:‬

بعد‭ ‬سبتة‭… ‬ماذا‭ ‬أعددتم‭ ‬لشباب‭ ‬تطوان‭ ‬والمضيق‭ ‬والفنيدق؟‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬انتخابي‭ ‬محلي‭ ‬جاد‭.‬

تابعنا على الفيسبوك