تواصل معنا

إقتصاد

طنجة تتحول إلى مرادف للغلاء الفاحش بعد تجاوزها للدار البيضاء والرباط ومراكش

المدينة‭ ‬تدفع‭ ‬ضريبة‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وجشع‭ ‬الوسطاء

مع‭ ‬حلول‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬يعود‭ ‬هاجس‭ ‬الغلاء‭ ‬ليطارد‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬حيث‭ ‬يستغل‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الباعة‭ ‬والوسطاء‭ ‬ارتفاع‭ ‬حجم‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬للرفع‭ ‬من‭ ‬الأسعار‭ ‬النهائية‭ ‬للسلع،‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬متضررها‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬غلاء‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬أو‭ ‬السكن‭ ‬أو‭ ‬غيرها،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ظاهرة‭ ‬موسمية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشهر‭ ‬رمضان‭ ‬أو‭ ‬الصيف‭ ‬أو‭ ‬العطل،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تؤكدها‭ ‬تقارير‭ ‬رسمية‭ ‬وأخرى‭ ‬أجنبية‭ ‬صنفت‭ ‬المدينة‭ ‬ضمن‭ ‬الأغلى‭ ‬وطنيًا‭.‬

*طنجة‭.. ‬الأغلى‭ ‬في‭ ‬المغرب

قبل‭ ‬أسابيع،‭ ‬أعادت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬فتح‭ ‬النقاش‭ ‬عن‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصدَّرت،‭ ‬وفق‭ ‬أحدث‭ ‬بيانات‭ ‬منصة‭ ‬Numbeo‭ ‬الدولية،‭ ‬ترتيب‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مؤشر‭ ‬تكلفة‭ ‬العيش،‭ ‬مسجلة‭ ‬نسبة‭ ‬36,53%،‭ ‬ومتقدمة‭ ‬بذلك‭ ‬على‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬ثانية‭ ‬بنسبة‭ ‬35,64%،‭ ‬ثم‭ ‬الرباط‭ ‬بـ34,38%،‭ ‬تليها‭ ‬مراكش‭ ‬بـ32,71%‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬إحصائي،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬دينامية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬عميقة‭ ‬تعيشها‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬،‭ ‬ويطرح‭ “‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭” ‬أسئلة‭ ‬حقيقية‭ ‬عن‭ ‬توازن‭ ‬النمو‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للسكان‭.‬

وبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬ذاتها،‭ ‬فإن‭ ‬طنجة‭ ‬لم‭ ‬تتصدر‭ ‬فقط‭ ‬المؤشر‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬سجّلت‭ ‬أيضا‭ ‬أرقامًا‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬مكونات‭ ‬سلة‭ ‬العيش‭ ‬اليومية،‭ ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬38,70%،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬المعدلات‭ ‬وطنيًّا،‭ ‬فيما‭ ‬وصل‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المطاعم‭ ‬إلى‭ ‬28,45%،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭ ‬مقارنة‭ ‬بمدن‭ ‬أخرى‭.‬

أما‭ ‬مؤشر‭ ‬الإيجار‭ ‬فقد‭ ‬استقرّ‭ ‬عند‭ ‬10,50%،‭ ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬إدراج‭ ‬السكن‭ ‬ضمن‭ ‬المؤشر‭ ‬العام‭ ‬يرفع‭ ‬تكلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬شامل‭ ‬الإيجار‭ ‬إلى‭ ‬24,56%،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬بلغت‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬المحلية‭ ‬42,81%،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬وجود‭ ‬فوارق‭ ‬داخلية‭ ‬بين‭ ‬فئات‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الطفرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وأخرى‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬متزايد‭.‬

هذا‭ ‬التطور‭ ‬يكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استحضرنا‭ ‬أن‭ ‬مدينة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬ظلَّت‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬تُصنَّف‭ ‬باعتبارها‭ ‬المدينة‭ ‬الأغلى‭ ‬وطنيًّا،‭ ‬بحكم‭ ‬تمركُّز‭ ‬الأنشطة‭ ‬المالية‭ ‬والخدماتية‭ ‬بها‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬العقار،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الحالي‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬طنجة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬محدودًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬النقاط،‭ ‬يحمل‭ ‬دلالةً‭ ‬رمزيّةً‭ ‬قويّةً،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬يعرف‭ ‬تحوّلات‭ ‬متسارعة‭.‬

فالدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬رغم‭ ‬تسجيلها‭ ‬35,64%‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬العيش،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتصدَّر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الضغط‭ ‬المرتبط‭ ‬بالإيجارات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أحيائها،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الأعمال،‭ ‬بينما‭ ‬أصبحت‭ ‬طنجة‭ ‬تنافسها‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬عناصر‭ ‬المعيشة‭ ‬اليومية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الغذاء‭ ‬والخدمات‭.‬

ويعزى‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ “‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منه‭” ‬إلى‭ ‬الطفرة‭ ‬الاقتصاديّة،‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬طنجة‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬بفضل‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ومشاريعها‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭ ‬الكبرى،‭ ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬قطب‭ ‬صناعي‭ ‬بارز‭ ‬يستقطب‭ ‬شركات‭ ‬وطنية‭ ‬ودولية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تدفق‭ ‬سكاني‭ ‬متزايد‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬والخدمات‭.‬

ومع‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬الأسر‭ ‬الوافدة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬الشمال‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬أخرى‭ ‬بالمملكة،‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الكراء‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬ظل‭ ‬مؤشر‭ ‬الإيجار‭ ‬في‭ ‬التصنيف‭ ‬الدولي‭ ‬عند‭ ‬10,50%،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الأحياء،‭ ‬حيث‭ ‬تعرف‭ ‬المناطق‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الساحل‭ ‬أو‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تُسجّل‭ ‬العاصمة‭ (‬الرباط‭) ‬34,38%‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬العيش،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬الإدارية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سوق‭ ‬العقار‭ ‬فيها‭ ‬يظل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأعلى‭ ‬وطنيًّا،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬المركزية،‭ ‬أما‭ ‬مراكش،‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬32,71%،‭ ‬فتتأثر‭ ‬بنيتها‭ ‬السعرية‭ ‬مباشرةً‭ ‬بالمواسم‭ ‬السياحية،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬أسعار‭ ‬المطاعم‭ ‬والخدمات‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الذروة،‭ ‬لكنّها‭ ‬تبقى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المؤشر‭ ‬العام‭.‬

اللافت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طنجة‭ ‬أنّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالسكن،‭ ‬بل‭ ‬يمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬والخدمات‭ ‬اليومية‭. ‬فبلوغ‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬38,70%‭ ‬يعكس‭ ‬ضغطًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬الأسر،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سياق‭ ‬وطني‭ ‬اتّسم‭ “‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭” ‬بارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭. ‬وقد‭ ‬تأثر‭ ‬المغرب،‭ ‬كغيره‭ ‬من‭ ‬البلدان،‭ ‬باضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬الأولية،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬سلة‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬نموًا‭ ‬سريعًا‭ ‬في‭ ‬الطلب،‭ ‬مثل‭ ‬طنجة‭.‬

القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬المقدرة‭ ‬بـ42,81%‭ ‬تفتح‭ ‬بدورها‭ ‬باب‭ ‬النقاش،‭ ‬فهذا‭ ‬الرقم‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬خاصة‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬والخدماتية‭ ‬الكبرى،‭ ‬قد‭ ‬يستفيدون‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬دخل‭ ‬أعلى‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المتوسط‭ ‬يخفي‭ ‬تباينات‭ ‬مُهمّة،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العمّال‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬المهيكلة‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬الأجور‭ ‬المحدودة‭ ‬تواجه‭ ‬صعوباتٍ‭ ‬متزايدةً‭ ‬في‭ ‬تغطية‭ ‬النفقات‭ ‬الشهرية،‭ ‬خاصّةً‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الغذاء‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات‭ ‬الخاصة‭.‬

*توسُّع‭ ‬سكاني‭ ‬ومصاريف‭ ‬إضافية

التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬طنجة‭ “‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭” ‬ألقى‭ ‬بظلاله‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬الأسعار،‭ ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬أحياء‭ ‬جديدة‭ ‬ومشاريع‭ ‬سكنية‭ ‬ضخمة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وتيرة‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬العمومية‭ ‬لم‭ ‬تواكب‭ ‬دائما‭ ‬هذا‭ ‬التوسّع،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬عديدًا‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬الخاص‭ ‬أو‭ ‬النقل‭ ‬المؤدى‭ ‬عنه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬أعباءً‭ ‬مالية‭ ‬إضافية،‭ ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإقامات‭ ‬السياحية‭ ‬القصيرة‭ ‬الأمد،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬تقلص‭ ‬العرض‭ ‬الموجه‭ ‬للسكان‭ ‬الدائمين،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬تدريجي‭ ‬للأسعار‭.‬

وعند‭ ‬احتساب‭ ‬تكلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬شامل‭ ‬الإيجار،‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬24,56%،‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬مع‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬والرباط‭ ‬اللذين‭ ‬مثّلا‭ “‬منذ‭ ‬الاستقلال‭” ‬‮«‬مركز‮»‬‭ ‬المملكة،‭ ‬يتقلص،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طنجة‭ ‬تظل‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬المؤشر‭ ‬الأساسي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالسلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬وهذا‭ ‬المعطى‭ ‬يبرز‭ ‬أن‭ ‬الغلاء‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطًا‭ ‬فقط‭ ‬بسوق‭ ‬العقار،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ظاهرة‭ ‬أوسع‭ ‬تمس‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

إن‭ ‬تصدر‭ ‬طنجة‭ ‬لمؤشر‭ ‬الغلاء‭ ‬بنسبة‭ ‬36,53%‭ ‬يعكس‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسارها‭ ‬التنموي‭ ‬والديمغرافي،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فقط‭ ‬مدينة‭ ‬حدودية‭ ‬أو‭ ‬بوابة‭ ‬بحرية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬محورًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬رئيسيًّا،‭ ‬يوازي‭ ‬في‭ ‬تأثيره‭ ‬مدنًا‭ ‬كانت‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المشهد‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يضع‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬والوطنية‭ ‬أمام‭ ‬تحدي‭ ‬ضمان‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬جاذبية‭ ‬الاستثمار‭ ‬وحماية‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬فاستمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬38,70%،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬المطاعم‭ ‬إلى‭ ‬28,45%،‭ ‬مع‭ ‬ضغط‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬السكن،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬الفوارق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُواكبه‭ ‬سياسات‭ ‬عمومية‭ ‬فعّالة‭.‬

وبينما‭ ‬تواصل‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬والرباط‭ ‬ومراكش‭ ‬أدوارها‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬تبدو‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬معادلة‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭ ‬الأبرز،‭ ‬أن‭ ‬النمو‭ ‬السريع،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُحاط‭ ‬بضوابط‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متوازنة،‭ ‬قد‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ضغط‭ ‬يومي‭ ‬على‭ ‬الأسر،‭ ‬فالأرقام‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬المنصة‭ ‬الدولية،‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬ترتيب،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬واقعًا‭ ‬معيشيًّا‭ ‬يتطلب‭ ‬قراءة‭ ‬معمقة‭ ‬وإجراءات‭ ‬عملية‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬يظلّ‭ ‬الصعود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للمدينة‭ ‬مكسبًا‭ ‬جماعيًّا‭ ‬لا‭ ‬عبئًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬على‭ ‬سكانها‭.‬

*القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬في‭ ‬خطر

كشفت‭ ‬المندوبية‭ ‬السامية‭ ‬للتخطيط،‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬متوسط‭ ‬الرقم‭ ‬الاستدلالي‭ ‬السنوي‭ ‬للأثمان‭ ‬عند‭ ‬الاستهلاك‭ ‬سجل‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬0,8%‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنة‭ ‬2024،‭ ‬وهو‭ ‬معدل‭ ‬يعكس‭ ‬تباطؤًا‭ ‬نسبيًّا‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬التضخم،‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنوات‭ ‬سابقة،‭ ‬لكنّه‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬استمرار‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬طنجة،‭ ‬التي‭ ‬أنهت‭ ‬السنة‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬زيادات‭ ‬متراكمة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الموادّ‭ ‬والخِدْمات‭ ‬الأساسية‭.‬

وبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬الرسمية،‭ ‬فإن‭ ‬الارتفاع‭ ‬السنوي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬بنسبة‭ ‬0,8%،‭ ‬والمواد‭ ‬غير‭ ‬الغذائية‭ ‬بنسبة‭ ‬0,5%،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المتوسط‭ ‬الوطني‭ ‬يخفي‭ ‬تفاوتات‭ ‬مجالية‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬طنجة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬سنويًّا‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬بلغ‭ ‬0,8%،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬المعدل‭ ‬الوطني،‭ ‬لكنه‭ ‬يكتسي‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للمدينة،‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬نموًا‭ ‬ديمغرافيًّا‭ ‬متسارعًا‭ ‬وضغطًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬السكن‭ ‬والخِدْمات‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬سجلت‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬زيادات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬الارتفاع‭ ‬بفاس‭ ‬1,7%،‭ ‬وبالقنيطرة‭ ‬1,3%،‭ ‬وبكلميم‭ ‬1,2%،‭ ‬بينما‭ ‬سجلت‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬0,7%،‭ ‬ومراكش‭ ‬0,2%‭ ‬فقط‭.‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تضع‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬وسط‭ ‬بين‭ ‬المدن‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررًا،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬ارتفاعاتٍ‭ ‬محدودةً،‭ ‬لكنها‭ ‬تطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬انعكاس‭ ‬الغلاء‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط‭ ‬والمحدود،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تعرف‭ ‬تحولات‭ ‬عمرانية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متسارعة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬وتظهر‭ ‬تفاصيل‭ ‬المذكرة‭ ‬الإخبارية،‭ ‬أن‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬الغذائية‭ ‬عرفت‭ ‬تباينًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬نسب‭ ‬التغير،‭ ‬حيث‭ ‬سجل‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬انخفاضًا‭ ‬بنسبة‭ ‬2,6%،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬المطاعم‭ ‬والفنادق‭ ‬بنسبة‭ ‬3,3%‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬نشاطًا‭ ‬سياحيًّا‭ ‬وخدماتيًّا‭ ‬متناميًّا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أيَّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬خدمات‭ ‬الإيواء‭ ‬والمطاعم‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬كلفة‭ ‬العيش،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للسكان‭ ‬أو‭ ‬للوافدين،‭ ‬كما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬اليومي‭.‬

أمَّا‭ ‬مؤشر‭ ‬التضخم‭ ‬الأساسي،‭ ‬الذي‭ ‬يستثني‭ ‬المواد‭ ‬ذات‭ ‬الأسعار‭ ‬المحددة‭ ‬والمواد‭ ‬ذات‭ ‬التقلبات‭ ‬العالية،‭ ‬فقد‭ ‬سجل‭ ‬بدوره‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬سنويًا‭ ‬بنسبة‭ ‬0,8%،‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنة‭ ‬2024،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ظرفية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬مكوناتٍ‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬الاستهلاك‭. ‬وبالنسبة‭ ‬للأسر‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬والموادّ‭ ‬الأساسية‭ ‬خارج‭ ‬تأثير‭ ‬تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الموسمية‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬التطور‭ ‬الشهري،‭ ‬سجل‭ ‬الرقم‭ ‬الاستدلالي‭ ‬للأثمان‭ ‬عند‭ ‬الاستهلاك‭ ‬خلال‭ ‬دجنبر‭ ‬2025‭ ‬انخفاضًا‭ ‬بنسبة‭ ‬0,1%‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬شهر‭ ‬نونبر،‭ ‬نتيجة‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬بنسبة‭ ‬0,3%،‭ ‬مقابل‭ ‬استقرار‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬الغذائية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ ‬الطفيف‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬السنة‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬أثر‭ ‬الزيادات‭ ‬المتراكمة،‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬السابقة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يظل‭ ‬محدود‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬ميزانيات‭ ‬الأسر،‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬السنة‭ ‬تقلبات‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭.‬

وتفصيلًا،‭ ‬همت‭ ‬الانخفاضات‭ ‬المسجلة‭ ‬بين‭ ‬نونبر‭ ‬ودجنبر‭ ‬2025‭ ‬أسعار‭ ‬الزيوت‭ ‬والدهنيات‭ ‬بنسبة‭ ‬3,9%،‭ ‬والفواكه‭ ‬بنسبة‭ ‬2,8%،‭ ‬واللحوم‭ ‬بنسبة‭ ‬1,2%‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬السمك‭ ‬وفواكه‭ ‬البحر‭ ‬بنسبة‭ ‬3,3%،‭ ‬والخضر‭ ‬بنسبة‭ ‬2,8%،‭ ‬والحليب‭ ‬والجبن‭ ‬والبيض‭ ‬بنسبة‭ ‬0,6%،‭ ‬والقهوة‭ ‬والشاي‭ ‬والكاكاو‭ ‬بنسبة‭ ‬0,4%،‭ ‬كما‭ ‬سجلت‭ ‬أسعار‭ ‬المحروقات‭ ‬انخفاضا‭ ‬بنسبة‭ ‬0,5%‭ ‬ضمن‭ ‬المواد‭ ‬غير‭ ‬الغذائية‭.‬

بالنسبة‭ ‬لطنجة،‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بكونها‭ ‬مدينة‭ ‬ساحلية‭ ‬يعتمد‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬استهلاكها‭ ‬الغذائي‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬البحرية،‭ ‬فإن‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬السمك‭ ‬وفواكه‭ ‬البحر‭ ‬بنسبة‭ ‬3,3%‭ ‬يكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬نظرًا‭ ‬لكون‭ ‬هذه‭ ‬الموادّ‭ ‬تُشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الغذائي‭ ‬المحلي،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬والحليب‭ ‬ومشتقاته‭ ‬أمرٌ‭ ‬ثابتٌ،‭ ‬ويؤثر‭ ‬مباشرةً‭ ‬في‭ ‬مصاريف‭ ‬الأسر،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬السكن‭ ‬والنقل‭ ‬الحضري‭ ‬والخدمات‭ ‬الخاصة‭.‬

وعند‭ ‬مقارنة‭ ‬وضع‭ ‬طنجة‭ ‬بمدن‭ ‬مثل‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬ومراكش،‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬العاصمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وأكبر‭ ‬تجمع‭ ‬حضري‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬سجلت‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬سنويًا‭ ‬أقل‭ ‬بقليل‭ ‬بنسبة‭ ‬0,7%،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬مراكش‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬أدنى‭ ‬بكثير‭ ‬بنسبة‭ ‬0,2%‭. ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬يطرح‭ ‬مسألة‭ ‬التفاوتات‭ ‬المجالية‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الأسعار،‭ ‬ويعكس‭ ‬اختلاف‭ ‬البنيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وأنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تستفيد‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬تنوع‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬العرض،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬ضغوطًا‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬التحوّلات‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العقار‭ ‬والخدمات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ “‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬طنجة،‭ ‬وتزايد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬والخدمات‭” ‬يسهمان‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬ضغط‭ ‬إضافي‭ ‬على‭ ‬الأسعار،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬ينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬انعكاسًا‭ ‬كاملًا‭ ‬في‭ ‬المؤشر‭ ‬العام،‭ ‬فالتضخُّم‭ ‬المقاس‭ ‬إحصائيًّا‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬دائمًا‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الكلفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعيش،‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمصاريف‭ ‬الكراء‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬حي‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬الوطني‭ ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬0,8%،‭ ‬فإن‭ ‬الإحساس‭ ‬بالغلاء‭ ‬يظل‭ ‬حاضرًا‭ ‬بقوة‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تزامن‭ ‬ارتفاع‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬مع‭ ‬استقرار‭ ‬أو‭ ‬بطء‭ ‬نمو‭ ‬الأجور‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القطاعات،‭ ‬وفي‭ ‬طنجة،‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬أعدادًا‭ ‬متزايدةً‭ ‬من‭ ‬الوافدين،‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬يصبح‭ ‬التحدي‭ ‬مضاعفًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأسر‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تعكس‭ ‬معطيات‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬استقرارًا‭ ‬نسبيًّا‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬الكلية،‭ ‬لكنّها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تبرز‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬مع‭ ‬تفاوتات‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬وبينما‭ ‬سجلت‭ ‬طنجة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬يوازي‭ ‬المعدل‭ ‬الوطني،‭ ‬فإن‭ ‬طبيعة‭ ‬نسيجها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬عاملًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬بصورة‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬مقارنتها‭ ‬بمدن‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬ومراكش‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬مستويات‭ ‬تضخم‭ ‬أقل‭ ‬أو‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التركيبة‭ ‬والانعكاسات‭.‬

تابعنا على الفيسبوك