تواصل معنا

سياسة

طنجة بعد ثلاثين يومًا من الانتخابات.. جدل الخروقات يضع الثقة الديمقراطية أمام اختبار صعب

طعون‭ ‬انتخابية‭ ‬وواقــعـــــة‭ ‬أوراق‭ ‬التصــويت‭ ‬وأســـئلة‭ ‬معلقة‭ ‬حول‭ ‬نزاهة‭ ‬الاقــتــــراع‭.. ‬ هل‭ ‬تنجح‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬تبديد‭ ‬الشكوك‭ ‬أم‭ ‬تتّسع‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والسياسة؟

ثلاثون‭ ‬يومًا‭ ‬مرَّت‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬الماضي،‭ ‬لكن‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬لم‭ ‬ينتهِ‭ ‬بإعلان‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية،‭ ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للأسئلة‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬الوقائع‭ ‬المتداولة‭ ‬بشأن‭ ‬ظروف‭ ‬الاقتراع‭. ‬وبينما‭ ‬كان‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬تنصرف‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭ ‬والرهانات‭ ‬التنموية‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬المدينة،‭ ‬عاد‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬نزاهة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وحدود‭ ‬المسؤولية‭ ‬السياسية،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬صيانة‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬القضية،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬متابعين‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي،‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بمن‭ ‬فاز‭ ‬ومن‭ ‬خسر،‭ ‬أو‭ ‬بعدد‭ ‬المقاعد‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬حزب،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزت‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬إقناع‭ ‬المواطن‭ ‬بأن‭ ‬صوته‭ ‬يشكل‭ ‬أساسًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬للاختيار‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬عندما‭ ‬تظل‭ ‬بعض‭ ‬الوقائع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالانتخابات‭ ‬موضوع‭ ‬جدل‭ ‬سياسي‭ ‬وقضائي‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬شهر‭ ‬على‭ ‬الاقتراع؟

في‭ ‬طنجة،‭ ‬اكتسب‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬أهمية‭ ‬إضافية‭ ‬بسبب‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬أثارته‭ ‬واقعة‭ ‬الأوراق‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬موضوع‭ ‬متابعة‭ ‬قضائية،‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬نقاش‭ ‬بشأن‭ ‬سلامة‭ ‬الإجراءات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتعامل‭ ‬مع‭ ‬وثائق‭ ‬التصويت‭. ‬كما‭ ‬زادت‭ ‬الطعون‭ ‬المرفوعة‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الترقب،‭ ‬بعدما‭ ‬انتقل‭ ‬الخلاف‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬الاتّهامات‭ ‬والتصريحات‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬المنازعة‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬الاقتراع‭.‬

وبينما‭ ‬يظلُّ‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬الوقائع‭ ‬المعروضة‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬من‭ ‬اختصاص‭ ‬الجهات‭ ‬القضائية‭ ‬المختصة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الأثر‭ ‬السياسي‭ ‬لهذه‭ ‬القضية‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬بالضرورة‭ ‬صدور‭ ‬الأحكام‭. ‬فالثقة‭ ‬الانتخابية‭ ‬تتشكَّل‭ ‬قبل‭ ‬الاقتراع‭ ‬وفي‭ ‬أثنائه‭ ‬وبعده،‭ ‬وتتأثّر‭ ‬بما‭ ‬يراه‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬وضوح‭ ‬في‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وشفافية‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬المنافسة،‭ ‬وسرعة‭ ‬في‭ ‬توضيح‭ ‬الملابسات،‭ ‬ومساواة‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬يضع‭ ‬المدينة‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬مزدوج‭: ‬اختبار‭ ‬قانوني‭ ‬يتعلّق‭ ‬بمدى‭ ‬سلامة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬وصحة‭ ‬النتائج‭ ‬المعلنة،‭ ‬واختبار‭ ‬سياسي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬يتعلق‭ ‬بقدرة‭ ‬الفاعلين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الشكوك‭ ‬بمسؤولية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬التبرير‭ ‬الحزبي‭ ‬أو‭ ‬تصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬أو‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭.‬

*من‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬إلى‭ ‬أروقة‭ ‬القضاء‭.. ‬الانتخابات‭ ‬لم‭ ‬تطوِ‭ ‬صفحتها‭ ‬بعد

أُجريت‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬يوم‭ ‬23‭ ‬شتنبر‭ ‬2026،‭ ‬وأعلنت‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬عمليات‭ ‬الفرز‭ ‬وإعداد‭ ‬المحاضر‭ ‬الرسمية‭. ‬وأكَّدت‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬في‭ ‬بلاغ‭ ‬نشرته‭ ‬البوابة‭ ‬الرسمية‭ ‬للمملكة،‭ ‬تطابق‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬التي‭ ‬أعلنتها‭ ‬اللجان‭ ‬المختصة‭ ‬مع‭ ‬النتائج‭ ‬العامة‭ ‬المؤقتة‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬الإعلان‭ ‬عنها‭.‬

لكنَّ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬لم‭ ‬يضع‭ ‬حدًا‭ ‬للمنازعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بدائرة‭ ‬طنجة‭-‬أصيلة،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الدوائر‭ ‬التي‭ ‬استقطبت‭ ‬اهتمامًا‭ ‬إعلاميًّا‭ ‬وسياسيًّا‭ ‬بسبب‭ ‬الطعون‭ ‬المُقدّمة‭ ‬بشأن‭ ‬نتائجها‭ ‬والجدل‭ ‬المرتبط‭ ‬بواقعة‭ ‬الأوراق‭ ‬الانتخابية‭.‬

وقد‭ ‬أفادت‭ ‬تقارير‭ ‬صحفية،‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري،‭ ‬بوصول‭ ‬الطعون‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية،‭ ‬مع‭ ‬ورود‭ ‬معطيات‭ ‬عن‭ ‬منازعة‭ ‬انتخابية‭ ‬تشمل‭ ‬مقاعد‭ ‬فازت‭ ‬بها‭ ‬أحزاب‭ ‬مختلفة‭ ‬بالدائرة‭. ‬كما‭ ‬نشرت‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬محلية‭ ‬تفاصيل‭ ‬عن‭ ‬طعن‭ ‬تقدم‭ ‬به‭ ‬عمر‭ ‬بنعجيبة،‭ ‬وكيل‭ ‬لائحة‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار،‭ ‬طالب‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬بإلغاء‭ ‬نتائج‭ ‬الاقتراع‭ ‬بالدائرة‭ ‬وإبطال‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬عنه،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬خروقات‭ ‬تستوجب‭ ‬المراجعة‭ ‬القضائية‭.‬

وتبقى‭ ‬هذه‭ ‬المطالب‭ ‬والدفوع‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬معروضة‭ ‬على‭ ‬القضاء،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحكامًا‭ ‬نهائية‭ ‬تثبت‭ ‬وقوع‭ ‬المخالفات‭ ‬أو‭ ‬تحدد‭ ‬المسؤوليات‭. ‬فالتقدُّم‭ ‬بطعن‭ ‬انتخابي‭ ‬حق‭ ‬قانوني،‭ ‬أما‭ ‬تقدير‭ ‬حججه‭ ‬وآثاره‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬الانتخاب‭ ‬فيعود‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬وَفْقًا‭ ‬للقواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للمنازعات‭ ‬الانتخابية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الملفات‭ ‬في‭ ‬الواجهة‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭ ‬سياسيًّا‭ ‬بمجرد‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج،‭ ‬بل‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تتحدد‭ ‬معالمها‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ستكشف‭ ‬عنه‭ ‬الوثائق‭ ‬والمحاضر‭ ‬والدفوع‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها‭ ‬كل‭ ‬ملف‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬بشأن‭ ‬البرامج‭ ‬والسياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬لكن‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬نزاهة‭ ‬الاقتراع‭ ‬أعاد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭. ‬وأصبحت‭ ‬الأسئلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بسلامة‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬تتقدّم‭ ‬على‭ ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬الوعود‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬المرشحون،‭ ‬وعلى‭ ‬طبيعة‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التشغيل‭ ‬والنقل‭ ‬والتجهيزات‭ ‬الأساسية‭ ‬والتنمية‭ ‬الحضرية‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬إحدى‭ ‬المفارقات‭ ‬الأساسية‭: ‬فالمؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شرعية‭ ‬قانونية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬النتائج‭ ‬المعلنة،‭ ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬مناخ‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬يسمح‭ ‬للمواطنين‭ ‬بالتعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬إرادتهم‭ ‬السياسية‭. ‬وبين‭ ‬الشرعية‭ ‬القانونية‭ ‬والثقة‭ ‬المجتمعية‭ ‬مسافة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬محضر‭ ‬انتخابي‭ ‬أو‭ ‬إعلان‭ ‬رسمي،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬وضوحًا‭ ‬ومصداقية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬أجوبة‭ ‬مقنعة‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة‭ ‬المطروحة‭.‬

*الطعون‭ ‬الانتخابية‭..‬ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المشهد

مع‭ ‬اقتراب‭ ‬نهاية‭ ‬الأجل‭ ‬القانوني‭ ‬لتقديم‭ ‬الطعون‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬انتخابات‭ ‬23‭ ‬شتنبر،‭ ‬انتقل‭ ‬جزءٌ‭ ‬مُهمٌّ‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭. ‬وأصبحت‭ ‬الملفات‭ ‬المعروضة‭ ‬عليها‭ ‬محط‭ ‬اهتمام‭ ‬الفاعلين‭ ‬الحزبيين‭ ‬والمرشحين‭ ‬والناخبين،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عن‭ ‬قراراتها‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬انتخاب‭ ‬بعض‭ ‬النواب‭.‬

وقد‭ ‬تحدثت‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬عن‭ ‬طعون‭ ‬تستهدف‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانية‭ ‬فازت‭ ‬بها‭ ‬أحزاب‭ ‬الاستقلال‭ ‬والحركة‭ ‬الشعبية‭ ‬والتجمع‭ ‬الوطني‭ ‬للأحرار‭ ‬والأصالة‭ ‬والمعاصرة،‭ ‬فيما‭ ‬تناولت‭ ‬تقارير‭ ‬أخرى‭ ‬مطالب‭ ‬أوسع‭ ‬مرتبطة‭ ‬بنتائج‭ ‬الدائرة‭. ‬وتختلف‭ ‬نطاقات‭ ‬الطعون‭ ‬ومطالب‭ ‬أصحابها‭ ‬من‭ ‬ملف‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬جمعها‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬افتراض‭ ‬أنّها‭ ‬تستند‭ ‬جميعها‭ ‬إلى‭ ‬الوقائع‭ ‬نفسها‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الطعن‭ ‬الانتخابي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬اعتراض‭ ‬سياسي‭ ‬على‭ ‬النتيجة،‭ ‬بل‭ ‬مسطرة‭ ‬قانونية‭ ‬تستلزم‭ ‬تقديم‭ ‬حجج‭ ‬ووقائع‭ ‬ووثائق‭ ‬يمكن‭ ‬للمحكمة‭ ‬فحصها‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬القانون‭. ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يعلن‭ ‬حزب‭ ‬أو‭ ‬مرشح‭ ‬وجود‭ ‬خروقات‭ ‬حتَّى‭ ‬تصبح‭ ‬النتائج‭ ‬قابلة‭ ‬للإلغاء‭ ‬تلقائيًّا؛‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج‭ ‬رسميًّا‭ ‬لإغلاق‭ ‬باب‭ ‬المراجعة‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬يضمنها‭ ‬القانون‭.‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬العملية،‭ ‬تتيح‭ ‬المنازعة‭ ‬الانتخابية‭ ‬للجهة‭ ‬المختصة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬احترام‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للاقتراع،‭ ‬وتقدير‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الوقائع‭ ‬المثارة‭ ‬ثابتة،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُؤثّر‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬الانتخاب‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬القانونية‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭.‬

وبالتالي،‭ ‬فإنَّ‭ ‬القرارات‭ ‬المرتقبة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬جواب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬من‭ ‬سيحتفظ‭ ‬بمقعده‭ ‬البرلماني،‭ ‬بل‭ ‬ستُشكّل‭ ‬أيضًا‭ ‬محطة‭ ‬لتحديد‭ ‬مدى‭ ‬سلامة‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬موضع‭ ‬نزاع،‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬كل‭ ‬ملف‭ ‬وما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬حجج‭.‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يترتب‭ ‬عن‭ ‬الطعون‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬قانونية،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬تثيره‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬سياسية‭ ‬وإعلامية‭. ‬فقرار‭ ‬بتثبيت‭ ‬النتائج،‭ ‬إذا‭ ‬صدر،‭ ‬سيحسم‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬تنظر‭ ‬فيه‭ ‬المحكمة،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يعفي‭ ‬الفاعلين‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬معالجة‭ ‬أسباب‭ ‬الشكوك‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬ترسخت‭ ‬لدى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإنَّ‭ ‬إلغاء‭ ‬انتخاب‭ ‬مترشح‭ ‬أو‭ ‬اتِّخاذ‭ ‬قرار‭ ‬يغير‭ ‬الوضع‭ ‬الانتخابي‭ ‬سيطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬إضافية‭ ‬بشأن‭ ‬المسؤوليات‭ ‬السياسية‭ ‬والإدارية،‭ ‬وحدود‭ ‬أثر‭ ‬المخالفات‭ ‬التي‭ ‬يثبتها‭ ‬القضاء‭.‬

والأهم‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬منطوقه‭ ‬وأسبابه‭ ‬القانونية،‭ ‬لا‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تسارع‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬استخلاصه‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬أوسع‭. ‬فالأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬ليست‭ ‬أدوات‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الحزبية،‭ ‬وإنَّما‭ ‬وسيلة‭ ‬لتطبيق‭ ‬القانون‭ ‬وحماية‭ ‬الحقوق‭ ‬وضمان‭ ‬احترام‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬العملية‭ ‬الانتخابية‭.‬

إنَّ‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬فقط‭ ‬ملفات‭ ‬متنافسين‭ ‬حول‭ ‬مقاعد‭ ‬برلمانية،‭ ‬بل‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬منازعات‭ ‬تتصل‭ ‬بواحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ضمانات‭ ‬التمثيل‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬وهي‭ ‬خضوع‭ ‬النتائج‭ ‬الانتخابية‭ ‬للمراجعة‭ ‬القضائية‭ ‬وفق‭ ‬مساطر‭ ‬محددة‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬احترام‭ ‬استقلالية‭ ‬القضاء‭ ‬وترك‭ ‬المجال‭ ‬أمامه‭ ‬لدراسة‭ ‬الملفات‭ ‬دون‭ ‬ضغط‭ ‬أو‭ ‬أحكام‭ ‬مسبقة‭ ‬يمثلان‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬الأحزاب‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬باعتبارها‭ ‬اختبارًا‭ ‬لاحترام‭ ‬المؤسسات،‭ ‬لا‭ ‬فرصة‭ ‬لتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الاتِّهامات‭ ‬أو‭ ‬استباق‭ ‬القرارات‭. ‬فالمنافسة‭ ‬السياسية‭ ‬المشروعة‭ ‬تقتضي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬القانونية،‭ ‬لكنها‭ ‬تقتضي‭ ‬أيضًا‭ ‬قبول‭ ‬نتائج‭ ‬المساطر‭ ‬المختصة‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المؤسسات‭.‬

*هل‭ ‬استفاد‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬الانتخابي؟

وسط‭ ‬هذا‭ ‬المناخ،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬سياسي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭: ‬هل‭ ‬أسهمت‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬بالعملية‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬موقع‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية،‭ ‬مقارنة‭ ‬بباقي‭ ‬الأحزاب‭ ‬المتنافسة،‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬النتائج‭ ‬تعكس‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬باختيارات‭ ‬الناخبين‭ ‬وطبيعة‭ ‬المنافسة‭ ‬داخل‭ ‬الدائرة؟

إنَّ‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تقتضي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الاستفادة‭ ‬السياسية‭ ‬المحتملة‭ ‬من‭ ‬ظرف‭ ‬انتخابي‭ ‬معين،‭ ‬وبين‭ ‬ثبوت‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬حزب‭ ‬بعينه‭ ‬وبين‭ ‬المخالفات‭ ‬موضوع‭ ‬البحث‭. ‬فكون‭ ‬حزب‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬حقق‭ ‬نتيجة‭ ‬انتخابية‭ ‬معينة‭ ‬لا‭ ‬يعني،‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬أنه‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬تجاوزات‭ ‬أو‭ ‬شارك‭ ‬فيها،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬عدم‭ ‬ورود‭ ‬اسمه‭ ‬ضمن‭ ‬بعض‭ ‬الطعون‭ ‬المعلن‭ ‬عنها‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬حكمًا‭ ‬عامًا‭ ‬بشأن‭ ‬نزاهة‭ ‬جميع‭ ‬مراحل‭ ‬المنافسة‭.‬

وكان‭ ‬عمر‭ ‬بنعجيبة،‭ ‬وكيل‭ ‬لائحة‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار،‭ ‬قد‭ ‬أعلن،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬نقلته‭ ‬الصحافة‭ ‬خلال‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري،‭ ‬عزمه‭ ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬انتخاب‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬الفائزين،‭ ‬مع‭ ‬استثناء‭ ‬مرشح‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬من‭ ‬الطعون‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التصريح‭. ‬ويظل‭ ‬هذا‭ ‬المعطى‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بموقف‭ ‬صاحب‭ ‬الطعن‭ ‬ونطاقه،‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لتحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الحزب‭ ‬قد‭ ‬استفاد‭ ‬فعليًّا‭ ‬من‭ ‬الاختلالات‭ ‬المثارة‭ ‬أو‭ ‬لتفسير‭ ‬أسباب‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬أصوات‭ ‬الناخبين‭. ‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بمن‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬ستدفع‭ ‬الأحزاب‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أساليب‭ ‬اشتغالها،‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬مراقبة‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬بشأن‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭.‬

*ثقة‭ ‬المواطن‭..‬‭ ‬الخاسر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬محاضر‭ ‬النتائج

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحسابات‭ ‬الحزبية‭ ‬والمقاعد‭ ‬البرلمانية،‭ ‬تبقى‭ ‬الثقة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬يثيرها‭ ‬الجدل‭ ‬الانتخابي‭ ‬في‭ ‬طنجة؛‭ ‬فالمواطن‭ ‬الذي‭ ‬يتابع‭ ‬أخبار‭ ‬الطعون‭ ‬والاتِّهامات‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬تفصيل‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬قانونية‭ ‬دقيقة،‭ ‬لكنه‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬صوته‭ ‬لم‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬داخل‭ ‬منافسة‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬جميع‭ ‬ملابساتها‭.‬

وتنشأ‭ ‬الثقة‭ ‬السياسية‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجربة‭ ‬المواطن‭ ‬مع‭ ‬الانتخابات‭ ‬والمنتخبين‭ ‬والإدارة‭ ‬والمؤسسات‭. ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬يوم‭ ‬التصويت،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬بما‭ ‬يلاحظه‭ ‬الناخب‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬للقواعد،‭ ‬ومساواة‭ ‬بين‭ ‬المرشحين،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومات،‭ ‬ووضوح‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الشكاوى‭.‬

وعندما‭ ‬تصبح‭ ‬الانتخابات‭ ‬موضوعًا‭ ‬متكررًا‭ ‬للجدل،‭ ‬قد‭ ‬يتولد‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المواطنين‭ ‬شعور‭ ‬بأن‭ ‬التنافس‭ ‬السياسي‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬دائمًا‭ ‬حول‭ ‬البرامج‭ ‬والكفاءات،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تحكمه‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬ومراقبة‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الناخبين‭ ‬يتبنون‭ ‬هذا‭ ‬الانطباع،‭ ‬أو‭ ‬أنَّ‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬فقدت‭ ‬معناها،‭ ‬لكنه‭ ‬احتمال‭ ‬اجتماعي‭ ‬يستحق‭ ‬الدراسة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬منافسة‭ ‬سياسية‭ ‬قوية‭ ‬وتنتظر‭ ‬من‭ ‬ممثليها‭ ‬حلولًا‭ ‬ملموسة‭ ‬لمشكلاتها‭ ‬اليومية‭.‬

وفي‭ ‬طنجة،‭ ‬تتقاطع‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات‭ ‬مع‭ ‬رهاناتٍ‭ ‬حضرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬كبيرة؛‭ ‬فالمدينة‭ ‬التي‭ ‬تحتل‭ ‬موقعًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬واللوجستيكي‭ ‬والسياحي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تمثيلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬أولويات‭ ‬سكانها،‭ ‬وربط‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬بحاجاتهم‭ ‬الفعلية،‭ ‬ومتابعة‭ ‬ملفات‭ ‬التشغيل‭ ‬والنقل‭ ‬والسكن‭ ‬والتجهيزات‭ ‬والخِدْمات‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الجدل‭ ‬الانتخابي‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة،‭ ‬لا‭ ‬لأنَّ‭ ‬كل‭ ‬منتخب‭ ‬مسؤول‭ ‬تلقائيًّا‭ ‬عن‭ ‬الوقائع‭ ‬المتداولة،‭ ‬بل‭ ‬لأنَّ‭ ‬المواطن‭ ‬يميل‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬ككلّ،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عندما‭ ‬يصعب‭ ‬عليه‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المسؤوليات‭ ‬الفردية‭ ‬والحزبية‭ ‬والمؤسساتية‭.‬

وقد‭ ‬تتجسَّد‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالنقاشات‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬المشاركة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مطالبة‭ ‬المنتخبين‭ ‬بتقديم‭ ‬أجوبة‭ ‬واضحة‭ ‬قبل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الوعود‭ ‬الجديدة‭. ‬لكن‭ ‬إثبات‭ ‬أنَّ‭ ‬الثقة‭ ‬تراجعت‭ ‬فعلًا،‭ ‬أو‭ ‬تحديد‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬التراجع،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استطلاعات‭ ‬رأي‭ ‬أو‭ ‬معطيات‭ ‬ميدانية‭ ‬موثوقة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالانطباعات‭ ‬العامة‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإعلام‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والهيئات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬النقاش‭ ‬العام،‭ ‬وتقديم‭ ‬المعلومات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين‭ ‬بمختلف‭ ‬فئاتهم‭. ‬فالرأي‭ ‬العام‭ ‬ليس‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬سكان‭ ‬طنجة‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الانتخابات‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها،‭ ‬أو‭ ‬أنهم‭ ‬يحملون‭ ‬الموقف‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬والمنتخبين‭.‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تنظيم‭ ‬لقاءات‭ ‬استماع‭ ‬محلية،‭ ‬وإجراء‭ ‬استطلاعات‭ ‬مستقلة‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬المشاركة‭ ‬أو‭ ‬العزوف،‭ ‬ومدى‭ ‬اطلاع‭ ‬المواطنين‭ ‬على‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية،‭ ‬ومستوى‭ ‬ثقتهم‭ ‬في‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتصوراتهم‭ ‬بشأن‭ ‬نزاهة‭ ‬المنافسة‭. ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬تتيح‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬العام‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬تشخيص‭ ‬أكثر‭ ‬دقّةً‭ ‬للأسباب‭ ‬والحلول‭.‬

إن‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬تُستعاد‭ ‬بالشعارات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بتراكم‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬بأن‭ ‬صوته‭ ‬مسموع،‭ ‬وأن‭ ‬حقوقه‭ ‬محفوظة،‭ ‬وأن‭ ‬المؤسسات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تصحيح‭ ‬الاختلالات‭ ‬متى‭ ‬ثبتت،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انتقائية‭ ‬أو‭ ‬تمييز‭.‬

*طنجة‭ ‬وصورتها‭ ‬السياسية‭..‬ بين‭ ‬المدينة‭ ‬الصاعدة‭ ‬والجدل‭ ‬الانتخابي

تحمل‭ ‬طنجة‭ ‬رمزية‭ ‬اقتصادية‭ ‬وعمرانية‭ ‬مهمة،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬وما‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أدوار‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الصناعة‭ ‬والنقل‭ ‬والتجارة‭ ‬والسياحة،‭ ‬لكن‭ ‬صورة‭ ‬المدن‭ ‬لا‭ ‬تتشكل‭ ‬بالبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تتأثر‭ ‬كذلك‭ ‬بجودة‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬ومستوى‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام،‭ ‬ومدى‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭ ‬السياسية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬الجدل‭ ‬بشأن‭ ‬الانتخابات‭ ‬قد‭ ‬يشكل‭ ‬عبئًا‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬السياسية‭ ‬للمدينة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تصاحبه‭ ‬معلومات‭ ‬واضحة‭ ‬بشأن‭ ‬الوقائع‭ ‬المثارة‭ ‬والمسارات‭ ‬القانونية‭ ‬الجارية‭. ‬ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بإصدار‭ ‬حكم‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬طنجة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬بل‭ ‬بالإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬سمعة‭ ‬أي‭ ‬مدينة‭ ‬تتأثر‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬بشفافية،‭ ‬وتقديم‭ ‬أجوبة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬تحظى‭ ‬بالمصداقية‭.‬

فالمدن‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬تنافسًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬حادًا‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬مدنًا‭ ‬تعاني‭ ‬خللًا‭ ‬ديمقراطيًّا،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬وجود‭ ‬الطعون‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ “‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭” ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬الانتخابات‭. ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬الآليات‭ ‬القانونية‭ ‬المتاحة‭ ‬لتصحيح‭ ‬النتائج‭ ‬عندما‭ ‬تتوفر‭ ‬أسباب‭ ‬تستدعي‭ ‬ذلك‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬تتراجع‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الجمهور‭ ‬إذا‭ ‬تحولت‭ ‬الملفات‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬مادة‭ ‬للتراشق‭ ‬الحزبي،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬غابت‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يجري‭.‬

وما‭ ‬تحتاجه‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬نقاش‭ ‬يتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬الغلبة‭ ‬والهزيمة،‭ ‬ويعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬قواعد‭ ‬التنافس‭. ‬فالانتخابات‭ ‬ليست‭ ‬ملكًا‭ ‬للحزب‭ ‬الفائز‭ ‬وحده،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لإلغاء‭ ‬إرادة‭ ‬الناخبين‭ ‬خارج‭ ‬المساطر‭ ‬القانونية‭.‬

إنَّ‭ ‬المسؤولية‭ ‬السياسية‭ ‬تقتضي‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬الفائزة‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأسئلة‭ ‬المطروحة‭ ‬بوضوح،‭ ‬وأن‭ ‬تؤكد‭ ‬استعدادها‭ ‬لاحترام‭ ‬قرارات‭ ‬القضاء،‭ ‬فيما‭ ‬تقتضي‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأحزاب‭ ‬الطاعنة‭ ‬تقديم‭ ‬حجج‭ ‬دقيقة‭ ‬ومتماسكة،‭ ‬وتجنب‭ ‬إطلاق‭ ‬اتهامات‭ ‬تتجاوز‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬الوثائق‭ ‬إثباته‭.‬

أمَّا‭ ‬المؤسسات‭ ‬المعنية‭ ‬بتنظيم‭ ‬الانتخابات،‭ ‬فتظل‭ ‬مطالبة‭ ‬بالعمل‭ ‬وفق‭ ‬اختصاصاتها‭ ‬القانونية،‭ ‬وتوفير‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬يسمح‭ ‬القانون‭ ‬بالاطلاع‭ ‬عليها،‭ ‬وضمان‭ ‬احترام‭ ‬الإجراءات‭ ‬المنظمة‭ ‬للمنازعات‭ ‬الانتخابية‭. ‬ويظل‭ ‬القضاء،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬الجهة‭ ‬المخولة‭ ‬للحسم‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬المعروضة‭ ‬عليه،‭ ‬وفق‭ ‬استقلاليته‭ ‬والضمانات‭ ‬القانونية‭ ‬المقررة‭.‬

إنَّ‭ ‬سمعة‭ ‬طنجة‭ ‬السياسية‭ ‬لن‭ ‬تتحدد‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬ستسفر‭ ‬عنه‭ ‬الطعون،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بكيفية‭ ‬تعامل‭ ‬الفاعلين‭ ‬مع‭ ‬نتائجها‭. ‬فالاحترام‭ ‬الفعلي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬يظهر‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬القرارات‭ ‬غير‭ ‬متوافقة‭ ‬مع‭ ‬رغبات‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تُحترم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭.‬

قد‭ ‬تنتهي‭ ‬المنازعات‭ ‬الانتخابية‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬النتائج‭ ‬المعلنة،‭ ‬وقد‭ ‬تفضي،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يثبته‭ ‬كل‭ ‬ملف‭ ‬وما‭ ‬تقرره‭ ‬المحكمة،‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬انتخاب‭ ‬بعض‭ ‬المترشحين‭ ‬أو‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬أخرى‭ ‬ينص‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭. ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬الحالات،‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬قراءة‭ ‬الأحكام‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬منطوقها‭ ‬وأسبابها،‭ ‬وعدم‭ ‬تحميلها‭ ‬استنتاجات‭ ‬لا‭ ‬تتضمنها‭.‬

فإذا‭ ‬انتهت‭ ‬المحكمة‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬نتائج‭ ‬انتخابية‭ ‬مطعون‭ ‬فيها،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيشكل‭ ‬حسمًا‭ ‬قضائيًّا‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬المعروضة‭ ‬عليها،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنَّ‭ ‬جميع‭ ‬الأسئلة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬أثارها‭ ‬الجدل‭ ‬ستختفي‭ ‬تلقائيًّا‭. ‬وقد‭ ‬تظلُّ‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬الإجراءات‭ ‬التنظيمية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬المؤسساتي‭ ‬وتوضيح‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الوثائق‭ ‬الانتخابية‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬ترتب‭ ‬عن‭ ‬القرارات‭ ‬القضائية‭ ‬إلغاء‭ ‬نتائج‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬الوضع‭ ‬الانتخابي‭ ‬لبعض‭ ‬المقاعد،‭ ‬فإنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬سيضع‭ ‬الفاعلين‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬أسباب‭ ‬القرار‭ ‬واحترام‭ ‬آثاره‭ ‬القانونية‭. ‬كما‭ ‬سيطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬حول‭ ‬التدابير‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬اتخاذها‭ ‬لتفادي‭ ‬تكرار‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬ثبتت‭ ‬مخالفتها‭ ‬للقانون‭.‬

وفي‭ ‬الحالتين،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القرار‭ ‬باعتباره‭ ‬انتصارًا‭ ‬نهائيًّا‭ ‬لطرف‭ ‬سياسي‭ ‬على‭ ‬آخر؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬القضائية‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬احترام‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬التمثيل‭ ‬الديمقراطي‭. ‬فالقرار‭ ‬القضائي‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬صكًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬لأي‭ ‬حزب،‭ ‬ولا‭ ‬يسلب‭ ‬من‭ ‬باقي‭ ‬الأطراف‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬المعارضة‭ ‬والمساءلة‭ ‬في‭ ‬الحدود‭ ‬القانونية‭.‬

وتحتاج‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الطعون‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬تتجاوز‭ ‬انتظار‭ ‬الأحكام‭. ‬فالأحزاب‭ ‬مطالبة‭ ‬بإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬ممارساتها‭ ‬الانتخابية،‭ ‬والهيئات‭ ‬المعنية‭ ‬بالتنظيم‭ ‬مطالبة‭ ‬باستخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬ثبتت،‭ ‬والإعلام‭ ‬مطالب‭ ‬بتتبع‭ ‬المساطر‭ ‬ونشر‭ ‬المستجدات‭ ‬بدقة،‭ ‬فيما‭ ‬يظل‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬معنيًّا‭ ‬بتعزيز‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والمراقبة‭ ‬الديمقراطية‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬النقاش‭ ‬أيضًا‭ ‬مدى‭ ‬كفاية‭ ‬آليات‭ ‬المراقبة‭ ‬الميدانية‭ ‬للحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وسبل‭ ‬توثيق‭ ‬المخالفات‭ ‬المحتملة،‭ ‬ووضوح‭ ‬المساطر‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالشكاوى،‭ ‬وإمكانية‭ ‬تعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬بشأن‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬سرية‭ ‬التصويت‭ ‬وسلامة‭ ‬الفرز‭ ‬وحفظ‭ ‬المحاضر‭.‬

كما‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تكوين‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬مكاتب‭ ‬التصويت،‭ ‬وتوضيح‭ ‬مسؤوليات‭ ‬المتدخلين،‭ ‬والتأكُّد‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬مسارات‭ ‬نقل‭ ‬الوثائق‭ ‬الانتخابية‭ ‬وحفظها،‭ ‬وفق‭ ‬الضوابط‭ ‬القانونية‭. ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬انتظار‭ ‬وقوع‭ ‬أزمة‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬موضوع‭ ‬اهتمام‭ ‬عام،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءًا‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬ضمان‭ ‬النزاهة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬موضوعي‭ ‬للوقائع،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬ظرفية‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬إرضاء‭ ‬طرف‭ ‬سياسي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬آخر؛‭ ‬فالإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬الثقة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تطبق‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬وقابلة‭ ‬للمراقبة‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الطعون‭ ‬الانتخابية‭ ‬تتيح‭ ‬مراجعة‭ ‬النتائج‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬فإن‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬ذلك‭: ‬أحزاب‭ ‬تحترم‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬تتواصل‭ ‬بوضوح،‭ ‬وإعلام‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬الخبر‭ ‬والادعاء‭ ‬والتحليل،‭ ‬ومواطنون‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬وسيلة‭ ‬للتأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬واحدة‭. ‬فالأحزاب‭ ‬مطالبة‭ ‬بتقديم‭ ‬نماذج‭ ‬في‭ ‬النزاهة‭ ‬والشفافية،‭ ‬والمرشحون‭ ‬مطالبون‭ ‬باحترام‭ ‬القانون،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬مطالبة‭ ‬بتطبيق‭ ‬اختصاصاتها‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬والقضاء‭ ‬مطالب‭ ‬بالنظر‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬باستقلالية،‭ ‬والإعلام‭ ‬مطالب‭ ‬بألا‭ ‬يحول‭ ‬الوقائع‭ ‬غير‭ ‬المحسومة‭ ‬إلى‭ ‬أحكام‭ ‬نهائية‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬ما‭ ‬ستسفر‭ ‬عنه‭ ‬المساطر‭ ‬القضائية،‭ ‬تظل‭ ‬طنجة‭ ‬أمام‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬نقاشها‭ ‬السياسي‭ ‬المحلي‭. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬مناسبة‭ ‬لتعزيز‭ ‬قواعد‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬وتوضيح‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬الأسئلة‭ ‬دون‭ ‬أجوبة‭ ‬كافية،‭ ‬بما‭ ‬يترك‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والمنتخب‭.‬

فطنجة،‭ ‬بما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬ثقل‭ ‬اقتصادي‭ ‬وحضري،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬سياسي‭ ‬يواكب‭ ‬طموحاتها‭ ‬التنموية،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬خلافات‭ ‬تظل‭ ‬أسيرة‭ ‬الاتهامات‭ ‬المتبادلة‭. ‬والطريق‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬يبدأ‭ ‬بكشف‭ ‬الحقيقة‭ “‬في‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬الأدلة‭ ‬والقرارات‭ ‬القضائية‭” ‬ويمر‭ ‬باحترام‭ ‬القانون،‭ ‬وينتهي‭ ‬بإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬المواطن‭ ‬باعتباره‭ ‬صاحب‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬تمنح‭ ‬الانتخابات‭ ‬باسمه‭ ‬الشرعية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المنتخبة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك