تواصل معنا

إقتصاد

دحـمـان المـزريـاحــي: الجيل الجديد من التنمية الترابية بين وفرة الاستثمار ورهان الأثر والعدالة المجالية

في‭ ‬سياق‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬المغرب،‭ ‬تتأكد‭ ‬اليوم‭ ‬ملامح‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬العمومي،‭ ‬عنوانها‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التدبير‭ ‬القطاعي‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬ترابية‭ ‬مندمجة،‭ ‬ومن‭ ‬ثقافة‭ ‬الوسائل‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الأثر‭ ‬والنتائج‭. ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬تجد‭ ‬مرجعيتها‭ ‬في‭ ‬التوجيهات‭ ‬السامية‭ ‬لصاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬كما‭ ‬تجلت‭ ‬في‭ ‬الخطابين‭ ‬الساميين‭ ‬لـ‭ ‬29‭ ‬يوليوز‭ ‬2025‭ ‬وخطاب‭ ‬10‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إرساء‭ ‬تنمية‭ ‬أكثر‭ ‬عدلا‭ ‬وإنصافا،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية‭ ‬وتحقيق‭ ‬الكرامة‭ ‬للمواطن‭.‬

لقد‭ ‬راكم‭ ‬المغرب‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭ ‬رصيدا‭ ‬استثماريا‭ ‬عموميا‭ ‬مهما،‭ ‬تجسد‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬حديثة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬سيارة‭ ‬وموانئ‭ ‬استراتيجية‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬ولوجستية‭. ‬هذا‭ ‬التراكم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬إنجاز‭ ‬تقني،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬دولة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬جاذبيتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وترسيخ‭ ‬موقعها‭ ‬كقطب‭ ‬إقليمي‭ ‬صاعد،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬انتمائها‭ ‬القاري‭ ‬وعمقها‭ ‬الإفريقي،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬المملكة‭ ‬فاعلا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬ديناميات‭ ‬التعاون‭ ‬جنوب‭-‬جنوب،‭ ‬وجنوب‭ ‬شمال‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬بنيوية‭ ‬لافتة،‭ ‬بين‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬والاستثمارات،‭ ‬مقابل‭ ‬محدودية‭ ‬في‭ ‬الأثر‭ ‬الملموس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬العيش‭. ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬الفجوة‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬المجالات‭ ‬الحضرية‭ ‬والقروية،‭ ‬وبين‭ ‬الجهات‭ ‬الساحلية‭ ‬والداخلية،‭ ‬كما‭ ‬يستمر‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬وتعليم‭ ‬ونقل‭. ‬وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬القروية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬خصاص‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخدمات،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يزداد‭ ‬فيه‭ ‬الطلب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬العدالة‭ ‬المجالية‭ ‬والإنصاف‭ ‬الترابي‭.‬

هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬الجديد‭ ‬كمرجعية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأهداف،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأدوات‭ ‬وآليات‭ ‬التنفيذ‭. ‬فالنموذج‭ ‬الجديد‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجال،‭ ‬عبر‭ ‬تمكين‭ ‬الفاعلين‭ ‬الترابيين،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحكامة،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭ ‬وشاملة‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يندرج‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬الترابية‭ ‬المندمجة،‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أوراش‭ ‬التحول‭ ‬الجاري‭. ‬فهذا‭ ‬الجيل‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬المشاريع،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬منطق‭ ‬الفعل‭ ‬العمومي‭ ‬ذاته،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مرتكزات‭ ‬أساسية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬التشخيص‭ ‬الترابي‭ ‬الدقيق‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المعطيات،‭ ‬واعتماد‭ ‬المقاربة‭ ‬التشاركية‭ ‬التي‭ ‬تدمج‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إرساء‭ ‬حكامة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬المحلي‭ ‬والجهوي‭ ‬والوطني،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬والأثر‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بتعبئة‭ ‬الوسائل‭.‬

كما‭ ‬يراهن‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬رؤية‭ ‬تنموية‭ ‬مستدامة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬لتحديات‭ ‬الحاضر‭ ‬واستشراف‭ ‬رهانات‭ ‬المستقبل‭. ‬وقد‭ ‬تعزز‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بالإعلان،‭ ‬خلال‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬لـ‭ ‬9‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬عن‭ ‬غلاف‭ ‬مالي‭ ‬ضخم‭ ‬يناهز‭ ‬210‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬مخصص‭ ‬لتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬التصور‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التفعيل‭.‬

لكن،‭ ‬ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬الطموح،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬يطرح‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الإشكاليات‭ ‬المركزية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬دون‭ ‬نقاش‭ ‬عمومي‭ ‬عميق‭ ‬ومسؤول‭. ‬أولها‭ ‬يتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬التشخيص‭ ‬الترابي‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬العمومي‭: ‬هل‭ ‬يتحول‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات،‭ ‬أم‭ ‬يظل‭ ‬حبيس‭ ‬التقارير‭ ‬والدراسات؟‭ ‬ثم‭ ‬مسألة‭ ‬التشاركية،‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬بدورها‭ ‬سؤالا‭ ‬جوهريا‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬إشراك‭ ‬حقيقي‭ ‬للمواطن‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار،‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬آلية‭ ‬تواصلية‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الأثر؟

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الحكامة‭ ‬متعددة‭ ‬المستويات،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين،‭ ‬دون‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬تداخل‭ ‬الاختصاصات‭ ‬وضبابية‭ ‬المسؤوليات‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بدور‭ ‬الفاعل‭ ‬الترابي،‭ ‬ومدى‭ ‬تمتعه‭ ‬بالاستقلالية‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬منظومة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬المركزية‭ ‬واللامركزية‭.‬

ولا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬إشكالية‭ ‬أدوات‭ ‬التنفيذ‭ ‬الجديدة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬شركات‭ ‬التنمية‭ ‬المحلية‭ ‬والشركات‭ ‬المساهمة‭ ‬كآليات‭ ‬لتسريع‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭. ‬فالسؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬منطق‭ ‬النجاعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الخدمة‭ ‬العمومية؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الأدوات‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بمبدأ‭ ‬العدالة‭ ‬المجالية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بمبدأ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.‬

إن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬تكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لضمان‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬البرامج،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬لترسيخ‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭. ‬فالتحدي‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬حسن‭ ‬توظيفها،‭ ‬وفي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬ملموس‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية،‭ ‬يبرز‭ ‬البعد‭ ‬القيمي‭ ‬كعنصر‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬التوجيه‭ ‬الملكي‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭: “‬اتقوا‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬وطنكم‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬دعوة‭ ‬صريحة‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬التنمية‭ ‬مسؤولية‭ ‬دينية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬خيارا‭ ‬سياسيا،‭ ‬وإلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الالتزام‭ ‬والنزاهة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭.‬

إن‭ ‬المغرب،‭ ‬وهو‭ ‬يخوض‭ ‬هذا‭ ‬الورش‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الكبير،‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬مؤشراته‭ ‬التنموية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬نموذجه‭ ‬المجتمعي‭ ‬برمته،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬منصفة،‭ ‬مستدامة،‭ ‬وذات‭ ‬أثر‭ ‬حقيقي‭. ‬وهي‭ ‬معركة‭ ‬تتطلب‭ ‬تعبئة‭ ‬جماعية،‭ ‬وانخراطا‭ ‬واعيا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين،‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬الرؤية‭ ‬إلى‭ ‬واقع،‭ ‬والطموح‭ ‬إلى‭ ‬إنجاز‭ ‬فعلي‭.‬

تابعنا على الفيسبوك