تواصل معنا

الجهة

بعيدًا عن أضواء المشاريع الكبرى.. السواني ترسم مسارًا فريدًا لتدبير القرب

في‭ ‬قلب‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنام،‭ ‬وبمنأى‭ ‬عن‭ ‬صخب‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تخطف‭ ‬الأضواء‭ ‬في‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬،‭ ‬تبرز‭ ‬مقاطعة‭ ‬السواني‭ ‬بوصفها‭ ‬حالةً‭ ‬استثنائيةً‭ ‬تستحق‭ ‬التأمُّل‭ ‬والقراءة‭ ‬العميقة‭.‬

ليست‭ ‬هي‭ ‬الأكبر‭ ‬مساحة،‭ ‬ولا‭ ‬الأكثر‭ ‬استقطابًا‭ ‬للاستثمارات‭ ‬المليارية،‭ ‬لكنَّها‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تخط‭ ‬لنفسها‭ ‬مسارًا‭ ‬مغايرًا،‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬‮«‬النموذج‭ ‬الهادئ‮»‬‭ ‬للتنمية‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تلمس‭ ‬جوهر‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬الجافة‭ ‬والوعود‭ ‬الفضفاضة‭.‬

المتجوّل‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬السواني‭ ‬وساحاتها‭ ‬يلحظ‭ ‬لمسة‭ ‬تنظيمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬تلك‭ ‬العشوائية‭ ‬التي‭ ‬تطبع‭ ‬بعض‭ ‬المقاطعات‭ ‬المجاورة؛‭ ‬فثمة‭ ‬إرادة‭ ‬واعية‭ ‬هنا‭ ‬لجعل‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬ملكًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬ومُنظّمًا‭.‬

‭ ‬فمنذ‭ ‬فترة،‭ ‬شهدت‭ ‬المقاطعة‭ ‬طفرةً‭ ‬نوعيةً‭ ‬في‭ ‬تأهيل‭ ‬الطرقات‭ ‬والإنارة‭ ‬العمومية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬‮«‬البهرجة‮»‬‭ ‬الموسمية،‭ ‬بل‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬فك‭ ‬العزلة‭ ‬عن‭ ‬أحياء‭ ‬شعبية‭ ‬عريقة‭ ‬كانت‭ ‬لسنوات‭ ‬توصف‭ ‬بالمنسية،‭ ‬ليتحوَّل‭ ‬الرصيف‭ ‬الآمن‭ ‬والحديقة‭ ‬المهيأة‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭ ‬يُغيّر‭ ‬ملامح‭ ‬اليومي‭ ‬لدى‭ ‬الساكنة‭. ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬المصادفة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ثمرةٌ‭ ‬تكريس‭ ‬حقيقي‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬القرب‮»‬‭. ‬

فالمصالح‭ ‬الإدارية‭ ‬بمقاطعة‭ ‬السواني‭ ‬تشهد‭ ‬حركيةً‭ ‬دؤوبةً‭ ‬يطبعها‭ ‬الانضباط‭ ‬والسعي‭ ‬نحو‭ ‬رقمنة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬لتسهيل‭ ‬مأمورية‭ ‬المرتفقين،‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬التصالح‭ ‬والثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والإدارة‭.‬

فالسكان‭ ‬اليوم‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬مطالبهم‭ ‬البسيطة‭ ‬تجد‭ ‬آذانًا‭ ‬مُصغية‭ ‬وطريقًا‭ ‬سالكًا‭ ‬نحو‭ ‬التنفيذ‭ ‬بمرونة‭ ‬لافتة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكسه‭ ‬الحضور‭ ‬الميداني‭ ‬الدائم‭ ‬للمنتخبين‭ ‬والتقنيين‭ ‬في‭ ‬الأوراش‭ ‬الصغرى،‭ ‬التي‭ ‬رغم‭ ‬صغر‭ ‬حجمها‭ ‬المادي،‭ ‬فإنّها‭ ‬تصنع‭ ‬فارقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭.‬

لقد‭ ‬استطاعت‭ ‬المقاطعة‭ ‬تحويل‭ ‬بقع‭ ‬كانت‭ ‬مرشحة‭ ‬لتكون‭ ‬بؤرا‭ ‬سوداء‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬خضراء‭ ‬ومتنفسات‭ ‬للعائلات،‭ ‬كما‭ ‬وفرت‭ ‬ملاعب‭ ‬سوسيو‭-‬رياضية‭ ‬مكنت‭ ‬شباب‭ ‬الأحياء‭ ‬من‭ ‬فضاءات‭ ‬لائقة‭ ‬لممارسة‭ ‬مواهبهم،‭ ‬مما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬حدة‭ ‬الظواهر‭ ‬السلبية‭.‬

ورغم‭ ‬التحديات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالكثافة‭ ‬السكانية‭ ‬والحاجة‭ ‬المستمرة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬الثقافية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬تجربة‭ ‬السواني‭ ‬تظل‭ ‬درسًا‭ ‬بليغًا‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي‭ ‬بطنجة؛‭ ‬مفاده‭ ‬بأنَّ‭ ‬التنمية‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬العناوين،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬ومن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المقاطعة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬بناية‭ ‬إدارية‭ ‬صماء‭ ‬إلى‭ ‬خلية‭ ‬نحل‭ ‬تعمل‭ ‬بصمت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كرامة‭ ‬المواطن‭ ‬وراحته‭.‬

تابعنا على الفيسبوك