تواصل معنا

سياسة

النفوذ الصامت للعائلات السياسية بجهة الشمال.. تراجع في الواجهة وبقاء في الكواليس

لم‭ ‬تعد‭ ‬العائلات‭ ‬السياسية‭ ‬بجهة‭ ‬الشمال‭ ‬تظهر‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأولى‭ ‬للمشهد‭ ‬الانتخابي‭ ‬‮«‬كما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‮»‬‭ ‬لكنَّ‭ ‬تراجع‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬بعض‭ ‬اللوائح‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أفول‭ ‬نفوذها‭. ‬فخلف‭ ‬الأسماء‭ ‬الجديدة‭ ‬والوجوه‭ ‬الصاعدة،‭ ‬تستمر‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬والامتدادات‭ ‬العائلية‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬أدوار‭ ‬مؤثرة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء‭ ‬‮«‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حضورٍ‭ ‬مباشرٍ‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المشهد‭.‬

هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الجهة‭: ‬هل‭ ‬يتعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬فعلًا‭ ‬بتراجع‭ ‬نفوذ‭ ‬العائلات‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العائلات‭ ‬اختارت‭ ‬إعادة‭ ‬تموضعها‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬الواجهة‭ ‬إلى‭ ‬الكواليس؟

في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬الشمال،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أسماء‭ ‬عائلية‭ ‬مرتبطة‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬سنوات‮»‬‭ ‬بالمشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والانتخابي‭ ‬تحتفظ‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العلاقات‭ ‬المحلية،‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمهني،‭ ‬أو‭ ‬الحضور‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬والمجالس‭ ‬المحلية‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬اسم‭ ‬العائلة‭ ‬حاضرًا‭ ‬مباشرةً‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬اللائحة،‭ ‬لكن‭ ‬أثرها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬تركيبة‭ ‬التحالفات،‭ ‬وفي‭ ‬دعم‭ ‬مرشحين‭ ‬بعينهم،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الانتخابية‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءًا‭ ‬وأقل‭ ‬قابليةً‭ ‬للرصد‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬التقليدي‭. ‬فالعائلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬المباشر‭ ‬والصدارة‭ ‬الانتخابية،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬اليوم‭ ‬أنَّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬لا‭ ‬يستوجب‭ ‬بالضرورة‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬الواجهة‭. ‬يكفي‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬العلاقات،‭ ‬وأن‭ ‬تحتفظ‭ ‬بقنوات‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬وأن‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التوازنات‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬صعود‭ ‬أسماء‭ ‬ووجوه‭ ‬جديدة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬قطيعة‭ ‬مع‭ ‬النخب‭ ‬القديمة‭. ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الوجوه‭ ‬الجديدة‭ ‬امتدادًا‭ ‬لشبكات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬قائمة،‭ ‬أو‭ ‬تحظى‭ ‬بدعم‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬من‭ ‬شخصيات‭ ‬ذات‭ ‬نفوذ‭ ‬راكمته‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬أسماء‭ ‬تصدرت‭ ‬اللوائح‭ ‬وأخرى‭ ‬غابت‭ ‬عنها‭.‬

إن‭ ‬انتقال‭ ‬العائلات‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬الواجهة‭ ‬إلى‭ ‬الخلفية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‮»‬‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬بالجهة‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬خوض‭ ‬كل‭ ‬المعارك‭ ‬مباشرةً،‭ ‬قد‭ ‬تفضل‭ ‬بعض‭ ‬العائلات‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حضورها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الاختيارات‭ ‬والتحالفات‭ ‬والرهانات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬مع‭ ‬ترك‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬لوجوه‭ ‬جديدة‭ ‬لتصدر‭ ‬المشهد‭.‬

وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬الخريطة‭ ‬السياسية‭ ‬بجهة‭ ‬الشمال‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكتفي‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ترتيب‭ ‬الأسماء‭ ‬داخل‭ ‬اللوائح‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بالحضور‭ ‬الإعلامي‭. ‬فجزء‭ ‬من‭ ‬موازين‭ ‬القوّة‭ ‬قد‭ ‬يوجد‭ ‬خارج‭ ‬الواجهة،‭ ‬داخل‭ ‬شبكات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وعائلية‭ ‬وسياسية‭ ‬يصعب‭ ‬قياسها‭ ‬بالأرقام‭ ‬وحدها‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬ليس‭: ‬مَن‭ ‬تصدر‭ ‬الواجهة؟‭ ‬وإنَّما‭: ‬من‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬بعيد‭ ‬عنها؟‭ ‬فالتراجع‭ ‬في‭ ‬الحضور‭ ‬العلني‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬دائمًا‭ ‬نهاية‭ ‬النفوذ،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬العائلات‭ ‬السياسية‭ ‬قد‭ ‬اختارت‭ ‬ببساطة‭ ‬شكلًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للحضور‭: ‬أقل‭ ‬ظهورًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬اشتغالًا‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬الستار‭.‬

تابعنا على الفيسبوك