مجتمع
النظافة بطنجة.. لماذا عجزت الشركات عن إرضاء المنتخبين والسلطات والمواطنين؟ هل الخلل في دفاتر التحملات أم في سوء التدبير؟
حين تتحول الأزبــــال إلــــــــــى عنوان للنقاش العمومي.. مسؤولية الشركات والمنتخبين والرقابة على المحك
أزمة نظافة خانقة بطنجة.. هل المواطن شريك في المسؤولية؟
لم تعد قضية النظافة بمدينة طنجة مجرد موضوع يرتبط بجمع النفايات المنزلية وتنظيف الشوارع والأزقة، بل أصبحت من الملفات التي تثير نقاشًا واسعًا عن جودة التدبير المحلي، ومدى التزام الشركات المفوض إليها هذا القطاع بتعهداتها، وقدرة المجالس المنتخبة والجهات المعنية على مراقبة الخِدْمات المُقدّمة للمواطنين وضمان احترام المعايير المطلوبة.
ففي الوقت الذي تراهن فيه عاصمة البوغاز على تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياحية، وتطوير بنياتها التحتية وتحسين جاذبيتها لدى الزوّار والمستثمرين، تظلُّ النظافة من بين الاختبارات اليومية التي تقيس مدى نجاح التدبير الحضري، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بصحّة المواطنين وجودة الحياة وصورة المدينة في أعين سكانها وضيوفها.
وتتجدَّد التساؤلات كلما ظهرت مظاهر تراكم النفايات في بعض الفضاءات أو الأحياء، أو سُجلت اختلالات في عمليات الجمع والتنظيف، لتعود إلى الواجهة أسئلة جوهرية عن المسؤوليات وحدود الاختصاصات، ومدى نجاعة دفاتر التحمُّلات، وفعالية آليات المراقبة والتتبع، فضلًا عن دور المنتخبين في الدفاع عن مصالح السكان ومساءلة الجهات المُكلّفة بتقديم الخِدْمات.
وفي خضم هذا النقاش، تتباين التفسيرات بين من يحمل الشركات مسؤولية عدم الوفاء بالتزاماتها، ومن يرى أن الخلل يتجاوز الجانب التقني والتعاقدي ليشمل طريقة تدبير الملف من طرف المنتخبين، ومدى قدرتهم على فرض احترام الالتزامات واتِّخاذ الإجراءات اللازمة عند تسجيل التقصير.
وبين هذا الرأي وذاك، تبقى النتيجة التي ينتظرها المواطن واضحة: مدينة نظيفة، وخدمات منتظمة، وتدبير شفاف يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
*يوسف القبيلة: المنتخبون فشلوا في تدبير ملف النظافة
في تصريح خص به جريدة «لاديبيش»، عبّر يوسف القبيلة، ابن منطقة بوحوت والفاعل الجمعوي، عن انتقاده لطريقة تدبير ملف النظافة بمدينة طنجة، معتبرًا أنَّ المنتخبين فشلوا في تدبير هذا القطاع، وهو ما أسهم، بحسب تقييمه، في تفاقم مظاهر انتشار الأزبال بعدد من الفضاءات.
ويرى القبيلة أن قضية النظافة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ملفًا تقنيًّا محدودًا، بل باعتبارها مسؤولية عمومية ترتبط بتدبير الشأن المحلي، وبمدى قدرة المسؤولين المنتخبين على ضمان جودة الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها المواطنون يوميًّا.
وأكَّد المتحدّث ضرورة تدخل السلطات المعنية بسرعة من أجل التعامل مع الاختلالات المطروحة، داعيًا إلى فتح نقاش جدي ومفصل حول واقع النظافة بالمدينة، وإجراء تحقيق مُعمّق يحدد مكامن الخلل والمسؤوليات المرتبطة به.
وتكتسي هذه الدعوة أهمية في سياق النقاش حول الخدمات العمومية، إذ إنَّ تقييم أداء الشركات المفوض إليها تدبير النظافة لا يمكن أن ينفصل عن تقييم منظومة المراقبة والتتبع، ومدى تفاعل الجهات المسؤولة مع الشكايات والملاحظات التي يطرحها المواطنون والفعاليات الجمعوية.
كما أن مطالب الفاعلين الجمعويين تعكس الحاجة إلى إيجاد قنوات واضحة للتواصل بين السكان والجهات المكلفة بالتدبير، بما يسمح بتحديد المناطق التي تعرف اختلالات، ورصد طبيعتها وتكرارها، والتدخل لمعالجتها في الوقت المناسب.
غير أنَّ الوصول إلى تشخيص نهائي لحجم الإخفاقات وأسبابها يقتضي الاستناد إلى معطيات ميدانية دقيقة، تشمل طبيعة الخِدْمات المتعاقد بشأنها، ومدى تنفيذها، والتقارير المتعلّقة بالمراقبة، والإجراءات التي اتَّخذت عند تسجيل أي تقصير.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ الدعوة إلى التحقيق لا ينبغي أن تظل مجرد مطلب احتجاجي، بل يمكن أن تشكل مدخلًا لتقييم موضوعي لمنظومة تدبير النظافة، وتحديد مكامن القوة والضعف، واقتراح حلول عملية تضمن عدم تكرار الاختلالات.
*عبد اللطيف الطنجاوي: الشركات لم تلتزم بدفتر التحملات والمنتخبون يتحملون جانبًا من المسؤولية
من جهته، اعتبر الناشط على شبكات التواصل الاجتماعي عبد اللطيف الطنجاوي أنَّ الشركات المخول لها تدبير قطاع النظافة بطنجة لم تلتزم، وفق تقييمه، بدفتر التحملات، لكنَّه شدَّد في الوقت نفسه على أن المنتخبين يتحملون بدورهم جانبًا من المسؤولية عن الوضع الحالي.
ويطرح هذا الموقف إشكالية جوهرية تتعلّق بالعلاقة بين الشركة المفوض إليها تدبير الخدمة والجهة التي تتولى الإشراف على العقد ومراقبة تنفيذه. فوجود دفتر تحملات، مهما بلغت دقّة بنوده، لا يكفي وحده لضمان جودة النظافة ما لم تقترن الالتزامات بآليات فعالة للتتبع والتقييم والمحاسبة.
فدفتر التحمُّلات يفترض أن يُحدّد طبيعة الخِدْمات المطلوبة، والمناطق التي يشملها التدبير، وتواتر عمليات الجمع والتنظيف، والمعدات والموارد البشرية اللازمة، فضلًا عن مؤشرات قياس الأداء وشروط التدخُّل عند حدوث اختلالات.
وعندما تظهر شكايات بشأن تراكم النفايات أو عدم انتظام عمليات الجمع، يصبح من الضروري التحقُّق مما إذا كانت هذه الحالات ناتجة عن عدم تنفيذ الخِدْمات المتفق عليها، أو عن صعوبات في تدبير الموارد والمعدات، أو عن خلل في توزيع الحاويات ومسارات الجمع، أو عن عوامل أخرى تتطلّب معالجة مختلفة.
ومن هنا، فإنَّ موقف الطنجاوي يسلط الضوء على مسؤوليتين متكاملتين: مسؤولية الشركة عن تنفيذ التزاماتها التعاقدية، ومسؤولية الجهة المفوضة عن مراقبة مدى احترام تلك الالتزامات والتدخُّل وفق المساطر المعمول بها عند ثبوت الإخلال بها.
فإذا كان دفتر التحمُّلات يتضمَّن شروطًا واضحةً، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يجري التحقُّق من احترامها بشكل منتظم؟ وهل توجد تقارير دقيقة عن مستوى تنفيذ الخِدْمات؟ وهل تُفعّل الإجراءات التعاقدية عند ثبوت التقصير؟
أما إذا كشفت المراجعة عن وجود ثغرات في تحديد الالتزامات أو مؤشرات الأداء، فإنَّ الأمر يستدعي بدوره التفكير في تحسين شروط التعاقد، حتَّى تصبح الالتزامات قابلة للقياس والتقييم، ويكون من الممكن تحديد المسؤولية عند حدوث أي اختلال.
*دفتر التحملات..هل يكفي وحده لضمان مدينة نظيفة؟
يُشكّل دفتر التحمُّلات إحدى الركائز الأساسية في تدبير قطاع النظافة؛ لأنَّه يحدد الإطار الذي ينبغي أن تشتغل داخله الشركة المفوض إليها تقديم الخدمة، ويرسم حدود التزاماتها في مقابل المقابل المالي والشروط المتفق عليها.
لكن الإشكال لا يكمن بالضرورة في وجود دفتر التحملات أو غيابه، بل في مدى وضوح بنوده، وقابليتها للتطبيق، ووجود آليات تسمح بقياس مستوى الإنجاز والتحقُّق من احترام الالتزامات على أرض الواقع.
فمن غير الكافي، على سبيل المثال، أن ينصَّ العقد على جمع النفايات وتنظيف الشوارع بصورة عامة، دون تحديد دقيق لمعايير الخدمة المطلوبة، وتواتر عمليات الجمع، والمناطق المشمولة، وكيفية التعامل مع النفايات المتراكمة، وشروط التدخُّل في الحالات الاستثنائية.
كما أنَّ فعالية دفتر التحمُّلات ترتبط بمدى ملاءمته للتحوُّلات التي تعرفها المدينة، من حيث التوسع العمراني والنمو السكاني وتغيُّر أنماط الاستهلاك وارتفاع كميات النفايات في بعض الفترات، فالمدينة التي تعرف توسعًا عمرانيًّا متواصلًا تحتاج إلى مراجعة مستمرة لاحتياجاتها من الحاويات والمعدات والموارد البشرية، وإلى التأكُّد من أنَّ التزامات الشركة تتناسب مع حجم الخدمة المطلوبة.
وإذا لم تواكب شروط التدبير هذه التحولات، فقد تظهر اختلالات حتّى في ظل وجود عقد ينظم الخدمة. وفي المقابل، لا يمكن اتِّخاذ وجود صعوبات تشغيلية ذريعة لتبرير أي إخلال بالتزامات تعاقدية واضحة. لذلك، فإنَّ الحسم في مسؤولية دفتر التحمُّلات يتطلّب الاطّلاع على بنوده الفعلية، ومقارنتها بالخِدْمات المنجزة، ودراسة التقارير المرتبطة بتنفيذ العقد. ومن دون هذه المعطيات، يبقى تحميل الدفتر وحده مسؤولية الاختلال أو تبرئته بشكل مطلق استنتاجًا سابقًا لأوانه.
*سوء التدبير والمراقبة.. الحلقة التي قد تصنع الفارق
إلى جانب الجانب التعاقدي، يبرز التدبير اليومي للنظافة باعتباره عاملًا حاسمًا في ضمان انتظام الخدمة. فجمع النفايات عملية متكاملة تتطلب تخطيطًا دقيقًا للمسارات، وتوزيعًا مناسبًا للموارد البشرية والمعدات، وتنسيقًا بين مختلف المتدخلين، فضلًا عن نظام للتبليغ عن الأعطاب والتدخُّل السريع عند حدوث اختلالات.
وفي هذا السياق، تُصبح المراقبة الميدانية ضرورية للتحقُّق من مدى تنفيذ البرامج المقررة، ورصد المناطق التي تتكرر فيها الشكايات، وتحديد أسبابها الحقيقية، سواء تعلق الأمر بنقص المعدّات أو سوء توزيعها أو عدم احترام مواعيد الجمع أو ضعف التنسيق بين الأطراف المعنية.
كما أنَّ غياب معطيات دقيقة ومحيّنة عن أداء القطاع يجعل من الصعب تقييم الوضع بصورة موضوعية، ويفتح المجال أمام تبادل الاتهامات دون الوصول إلى حلول عملية.
ومن شأن اعتماد مؤشرات واضحة للأداء، مثل نسبة تنفيذ الجولات المبرمجة، وعدد الشكايات المعالجة داخل الآجال المُحدّدة، ومدة التدخُّل عند تسجيل تراكم للنفايات، أن يساعد على الانتقال من النقاش العام إلى التقييم المبني على الأدلة.
ويفترض أن تكون هذه المؤشرات متاحة للجهات المعنية، مع نشر خلاصات دورية للرأي العام تسمح للمواطنين بمعرفة مستوى الخدمة والإجراءات المتّخذة لتحسينها. كما أنَّ المراقبة لا ينبغي أن تنحصر في تحرير الملاحظات أو تسجيل المخالفات، بل يتعين أن ترتبط بمتابعة تنفيذ الإجراءات التصحيحية، والتأكُّد من أنَّ الاختلال الذي جرى رصده لم يعد يتكرر.
*المنتخبون أمام مسؤولية التدبير والمساءلة
تطرح قضية النظافة أيضًا سؤال عن دور المنتخبين في تدبير المرافق المحلية ومتابعة جودة الخِدْمات المقدمة للسكان. فالمنتخبون “بحكم مسؤولياتهم في تدبير الشأن المحلي” مطالبون بالعمل على حماية المصلحة العامة، ومتابعة تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالخِدْمات الأساسية، والتفاعل مع شكايات المواطنين، وتقديم التوضيحات اللازمة بشأن القرارات المتّخذة والإجراءات المبرمجة.
ولا يعني ذلك تحميل المجالس المنتخبة المسؤولية المباشرة عن كلّ حالة لتراكم النفايات، إذ إنَّ التدبير اليومي للعمليات قد يدخل ضمن اختصاصات الشركة المفوض إليها. لكن مسؤولية الإشراف والتتبع والتأكُّد من احترام شروط التعاقد تظل عنصرًا أساسيًّا في تقييم منظومة التدبير.
ومن هنا، فإنَّ المساءلة المطلوبة لا ينبغي أن تقوم على التعميم أو إطلاق الأحكام، بل على التمييز بين المسؤولية التعاقدية للشركة، ومسؤولية الجهة المفوضة في المراقبة، وأدوار السلطات المختصة في نطاق صلاحياتها القانونية.
كما أنَّ التواصل مع المواطنين يظل جزءًا من التدبير الجيد، لأنَّ غياب التوضيح بشأن الشكايات أو التأخر في معالجة الاختلالات قد يزيد من فقدان الثقة في المؤسسات المكلفة بتقديم الخدمة.
وتبرز الحاجة، تبعًا لذلك، إلى وضع آليات تواصل واضحة، تتيح للسكان الإبلاغ عن المشكلات، وتسمح للجهات المعنية بتتبع الشكايات ومعرفة مآلها، مع تقديم معلومات منتظمة بشأن الإجراءات المتخذة.
*السلطات والمجتمع المدني.. ضــــرورة التنــــسيق لا تبــــــادل الاتهـــامــــــــات
في خضم النقاش الدائر حول النظافة بطنجة، تبرز أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يشمل الجماعات المعنية، والجهات المكلفة بتدبير القطاع، والسلطات المختصة، والمجتمع المدني، والمواطنين؛ فالتعامل مع اختلالات النظافة يتطلب مقاربة تجمع بين التدخل السريع لمعالجة المشكلات القائمة، والتقييم الموضوعي للأسباب التي أدت إليها، ووضع تدابير تمنع تكرارها.
ومن شأن إشراك الفاعلين الجمعويين في رصد بعض الاختلالات وتقديم الملاحظات الميدانية أن يُسهم في تحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل، شريطة أن يتمَّ ذلك ضمن آليات واضحة تضمن توثيق المعطيات والتحقق منها.
كما أن المواطن بدوره معني بالمحافظة على النظافة العامة، واحترام المواعيد والأماكن المخصصة لإخراج النفايات، وعدم رمي المخلفات في الفضاءات العمومية. فإن هذا الدور لا يعفي الجهات المسؤولة عن توفير خدمة منتظمة وفعالة، ولا ينبغي استخدام سلوك بعض الأفراد لتبرير أي تقصير في تنفيذ الالتزامات التعاقدية.
وفي المقابل، فإنَّ تحسين النظافة لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الحملات الظرفية، بل يحتاج إلى برنامج مستمر يجمع بين انتظام عمليات الجمع، وتوفير المعدات اللازمة، وتحسين تدبير الحاويات، والتوعية البيئية، والمراقبة والمحاسبة.
*طنجة وصورتها السياحية.. النظافة جزء من جاذبية المدينة
تكتسي النظافة أهمية إضافية في مدينة طنجة بالنظر إلى مكانتها السياحية والاقتصادية، وإلى ارتباط صورتها العامة بجودة الفضاءات التي يرتادها السكان والزوار؛ فالمدينة التي تستقطب السياح تحتاج إلى الحفاظ على نظافة شوارعها وساحاتها ومحيط مرافقها التجارية والسياحية، لأنَّ جودة البيئة الحضرية تُؤثّر في تجربة الزائر وفي انطباعه عن المكان.
كما أن تراكم النفايات، متى ثبت وجوده واستمراره في بعض المناطق، لا يطرح فقط مشكلة جمالية، بل قد يثير مخاوف تتعلق بالصحة العامة والروائح وانتشار الحشرات، خصوصًا عندما تتأخر عمليات الجمع أو لا تتم معالجة المخلفات بالشكل المناسب.
ولهذا، فإن تحسين تدبير النظافة ينبغي أن ينظر إليه باعتباره استثمارًا في جودة الحياة، وعنصرًا من عناصر التنمية الحضرية، وليس مجرد خدمة تقنية تقتصر على رفع الأزبال من الشوارع. وتتطلب هذه المقاربة وضع تصور متكامل يربط بين خِدْمات النظافة والتوسع العمراني والتدبير البيئي، مع تقييم مستمرّ لمدى استجابة الخِدْمات لحاجيات السكان والزوار.
*تحقيق مفصل لتحديد مكامن الخلل
إنَّ المطالب التي عبَّر عنها الفاعل الجمعوي يوسف القبيلة، إلى جانب ملاحظات الناشط عبد اللطيف الطنجاوي، تعيد إلى الواجهة ضرورة فتح نقاش مسؤول عن تدبير قطاع النظافة بطنجة، يقوم على المعطيات الموثقة بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
ويقتضي ذلك الاطّلاع على دفتر التحملات المعمول به، وتقارير مراقبة تنفيذ العقد، والمعطيات المتعلقة بالمعدات والموارد البشرية والجولات المبرمجة، فضلًا عن الشكايات المسجلة والإجراءات التي اتّخذت لمعالجتها.
كما يستدعي الأمر الاستماع إلى توضيحات الجهات المنتخبة المعنية، والشركة المكلفة بالتدبير، والسلطات المختصة، حتى يتسنّى الوقوف على وجهات النظر المختلفة وتحديد طبيعة الاختلالات، إن ثبت وجودها، والمسؤوليات المرتبطة بها.
ومن شأن هذا التقييم أن يُساعد على التمييز بين الخلل في شروط التعاقد، وعدم احترام الالتزامات، وضعف المراقبة، والصعوبات التشغيلية، والعوامل المرتبطة بسلوك المواطنين أو بالتوسُّع الحضري.
وبناء على نتائج التقييم، يمكن تحديد الإجراءات التصحيحية المناسبة “سواء تعلق الأمر بتحسين آليات المراقبة” أو مراجعة بعض شروط التدبير وفق المساطر القانونية، أو تعزيز الموارد والمعدّات، أو تفعيل الجزاءات المنصوص عليها عند ثبوت الإخلال بالالتزامات.
*خاتمة: المواطن لا يريد تبريرات.. بل مدينة نظيفة
بين اتِّهامات الفاعلين الجمعويين، وانتقادات النشطاء، والأسئلة المطروحة عن أداء الشركات والمنتخبين، يظل ملف النظافة بطنجة اختبارًا حقيقيًّا لنجاعة التدبير المحلي ومدى القدرة على ضمان خدمة يومية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
فالسؤال لم يعد يقتصر على معرفة الطرف الذي يتحمّل المسؤولية، بل أصبح مرتبطًا بكيفية تحديد مكامن الخلل ومعالجتها، وضمان ألَّا تتحوَّل الاختلالات المحتملة إلى مشكلات متكررة يدفع المواطن ثمنها من صحته وراحته وجودة محيطه.
هل المشكلة في دفتر التحمُّلات؟ أم في عدم احترام بنوده؟ أم في ضعف المراقبة والتتبع؟ أم في سوء التدبير وتداخل المسؤوليات؟ تظلُّ الإجابة الدقيقة رهينةً بفحص الوثائق والمعطيات الميدانية والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.
لكن المؤكد أن تحسين النظافة يحتاج إلى وضوح في المسؤوليات، وصرامة في المراقبة، وشفافية في تدبير العقود، وتواصل مستمر مع السكان، إلى جانب مشاركة المواطنين في الحفاظ على الفضاءات العامة. فطنجة “بما تمثله من ثقل حضري وسياحي واقتصادي” تستحق منظومة نظافة تستجيب لتطلعات سكانها وتحافظ على جاذبيتها. أما الرهان الحقيقي، فلا يكمن في تبادل الاتِّهامات حول من أخفق، بل في الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى محاسبة المسؤول عن التقصير، وتصحيح المسار، وضمان حق المواطن في مدينة نظيفة تحفظ كرامته وصحته وجودة حياته.


