تواصل معنا

القانون والناس

القانون و الناس… حرية الرأي في تقييم السياسات العمومية بين الدستور والواقع

في‭ ‬خضم‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬التطوّر‭ ‬المستمرّ‭ ‬والتغيّرات‭ ‬العديدة‭ ‬لمختلف‭ ‬القوانين‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬دستور‭ ‬2011‭ ‬ثابتًا‭ ‬بثوابته‭ ‬الأساسيّة،‭ ‬حيث‭ ‬شكَّل‭ ‬خطاب‭ ‬9‭ ‬مارس‭ ‬مرحلةً‭ ‬حاسمةً‭ ‬لاهتمام‭ ‬الحوار‭ ‬العمومي،‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬مراجعة‭ ‬الدستور،‭ ‬التي‭ ‬التقت‭ ‬غالبية‭ ‬مكونات‭ ‬الحركة‭ ‬الحقوقيّة‭ ‬في‭ ‬نقطة‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬باب‭ ‬خاصّ‭ ‬بالحقوق‭ ‬والحرِّيات‭ ‬داخل‭ ‬الوثيقة‭ ‬الدستوريَّة،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صريحًا،‭ ‬تفصيليًّا،‭ ‬غير‭ ‬ملتبسٍ،‭ ‬لغته‭ ‬واضحة،‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬الضمني‭ ‬والتأويلات‭ ‬المقيّدة‭ ‬للحقوق‭ ‬والحرِّيات،‭ ‬وفصل‭ ‬السلط‭ ‬وللمسؤولية‭ ‬وليس‭ ‬انفصالِها‭ ‬وانفرادها‭ ‬واستقلالها‭ ‬عن‭ ‬الأهداف‭ ‬المنوطة‭ ‬بها‭!‬

إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬دستور‭ ‬2011،‭ ‬يضمن‭ ‬حقوق‭ ‬وحريات‭ ‬في‭ ‬بابه‭ ‬الثاني‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الضمانات‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله،‭ ‬وحرية‭ ‬تأسيس‭ ‬الجمعيات‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬النقابات‭ ‬والأحزاب‭ ‬وحقّ‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬لدى‭ ‬الإدارات‭ ‬والمؤسَّسات‭ ‬العموميَّة‭.‬

وكذا‭ ‬المشاركة‭ ‬المواطنة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬التشاركية‭ ‬عبر‭ ‬إشراك‭ ‬الجمعيات‭ ‬والمواطنين‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬وتقييمها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬تنزيل‭ ‬الدستور‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬إجباريًّا‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أبرز‭ ‬التعديلات‭ ‬الدستوريَّة‭ ‬تُوضّح‭ ‬أهمية‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬والمساواة‭ ‬والمشاركة،‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬تخضع‭ ‬للقانون‭ ‬وثوابت‭ ‬المملكة‭.‬

فإن‭ ‬هذه‭ ‬التعديلات‭ ‬حثَّت‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قوانين‭ ‬تنظيميَّة،‭ ‬تعمل‭ ‬السلطات‭ ‬العمومية‭ ‬على‭ ‬تسهيل‭ ‬إنزالها‭ ‬القانوني‭ ‬والقضائي،‭ ‬وتجسيد‭ ‬فصول‭ ‬الدستور‭ ‬وأحكامه،‭ ‬ليسهل‭ ‬وظيفة‭ ‬المؤسَّسات‭ ‬الأخرى‭ ‬الحامية‭ ‬له،‭ ‬كالقضاء‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬احترام‭ ‬الحريات‭ ‬والحقوق،‭ ‬وَفْقًا‭ ‬للدستور‭ ‬والقانون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرقابة‭ ‬القضائيَّة،‭ ‬والقضاء‭ ‬الدستوري‭ ‬عبر‭ ‬رقابة‭ ‬دستورية‭ ‬القوانين‭ ‬ومدى‭ ‬مطابقتها‭ ‬لأحكام‭ ‬الدستور‭ ‬ومقتضياته،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬القدرة‭ ‬التشريعيّة‭ ‬والمؤسساتيّة‭ ‬لمجال‭ ‬الحقوق‭ ‬والحرّيات،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬المجهود‭ ‬الدولي‭ ‬أو‭ ‬الوطني‭ ‬تطوَّرت‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬بالمغرب‭ ‬الذي‭ ‬تُراهن‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬القانوني‭ ‬والقضائي‭ ‬والبناء‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الذي‭ ‬يصبح‭ ‬فيه‭ ‬الفرد‭ ‬مواطنًا‭ ‬يؤمن‭ ‬بواجباته‭ ‬تجاه‭ ‬السلطة‭ ‬ومنتجًا‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭. ‬

لذلك،‭ ‬أمكن‭ ‬القول،‭ ‬إنَّ‭ ‬المُشرّع‭ ‬الدستوري‭ ‬حرص‭ -‬منذ‭ ‬أول‭ ‬وثيقة‭ ‬دستورية‭- ‬على‭ ‬تقرير‭ ‬حقوق‭ ‬المواطن‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأضفى‭ ‬عليها‭ ‬طابع‭ ‬السمو،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عدم‭ ‬ترك‭ ‬النقاش‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للمجادلة‭ ‬حول‭ ‬قيمتها‭ ‬القانونية‭ ‬وإبعادها‭ ‬عن‭ ‬صفة‭ ‬الإلزام‭ ‬أو‭ ‬كونها‭ ‬قواعدَ‭ ‬أخلاقيّةً‭ ‬مُجرّدة‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬الواقع،‭ ‬يبقى‭ ‬التساؤل‭ ‬مطروحًا‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬الإنزال‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمواطنة‭ ‬الحرة‭ ‬والسياسة‭ ‬التشاركية‭ ‬للأفراد‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2026،‭ ‬عبر‭ ‬تقييم‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬أم‭ ‬أنَّ‭ ‬القانون‭ ‬والواقع‭ ‬يتمُّ‭ ‬تطبيقُه‭ ‬وَفْقًا‭ ‬لمناهج‭ ‬ومفاهيم‭ ‬وقواعد‭ ‬أخرى؟‭!‬

رغم‭ ‬كون‭ ‬دستور‭ ‬2011‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بتعديل‭ ‬المكتسبات‭ ‬الحقوقية‭ ‬فيه‭  ‬أو‭ ‬يغير‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬طبقًا‭ ‬للقانون،‭ ‬إذا‭ ‬اعتبرنا‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الدساتير‭ ‬الجامدة‭ ‬التي‭ ‬يتطلَّب‭ ‬تعديل‭ ‬نصوصها‭ ‬اتِّباع‭ ‬مساطر‭ ‬وإجراءات‭ ‬مُعقّدة‭ ‬وأكثر‭ ‬صعوبةً،‭ ‬تفوق‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬القوانين‭ ‬العادية،‭ ‬لأنَّ‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬تقرير‭ ‬هذا‭ ‬الجمود‭ ‬هو‭ ‬إعطاؤه‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الثبات‭ ‬والاستقرار،‭ ‬ولهذا‭ ‬تُحاط‭ ‬قواعدُه‭ ‬وأحكامُه‭ ‬بسياجٍ‭ ‬قويٍّ‭ ‬يضمن‭ ‬لها‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬السمو‭ ‬ويدرأ‭ ‬عنها‭ ‬التغييرات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتمُّ‭ ‬وَفْقًا‭ ‬للأفكار‭ ‬والآراء‭ ‬الآنية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهذا‭ ‬التنصيص‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬حماية‭ ‬استقرار‭ ‬القاعدة‭ ‬القانونيّة،‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭.‬

يـــــــتــــبــــع

تابعنا على الفيسبوك