إقتصاد
الأمطار الغزيرة والعواصف العاتية تقطع الصلة بين موانئ المغرب وإسبانيا.. فهل يكون الربط القاري بين طنجة والأندلس الحل السحري؟
الرحلات البحرية توقفت والعمليات التجارية تضرّرت.. والمستقبل لربط سككي تحت سطح البحر
شهد مضيق جبل طارق خلال شتاء 2026، واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في مجال الملاحة البحرية بين الضفتين المغربية والإسبانية، في سياق مناخي استثنائي اتَّسم بتوالي المنخفضات الجوية القوية، واستمرار سوء الأحوال الجوية لأسابيع متتالية، مما فرض حالة من القطيعة بين المتوسط في مجال موانئ المغرب وإسبانيا.
هذه الاضطرابات لم تكن أحداثًا معزولةً أو ظرفيةً، بل شكلت امتدادًا لحالة عدم استقرار مناخي شملت شمال المغرب، خاصة مدينة طنجة، وإقليم الأندلس جنوب إسبانيا، خصوصًا مع حلول إعصار «ليوناردو» الهائج، وهي وضعية ألقت بظلالها الثقيلة على حركة الأشخاص والبضائع وعلى سلاسل الإمداد بين أوروبا وإفريقيا، وفرضت التفكير في مستقبل الربط القاري بين أوروبا وإفريقيا، خارج النطاق التقليدي.
حركة السفن في شبه شلل
في الثاني من فبراير 2026، أعلنت سلطات ميناء خليج الجزيرة الخضراء مجددًا تعليق الرحلات البحرية بين مينائي طريفة وطنجة، بسبب تدهور الأحوال الجوية في مضيق جبل طارق، القرار جاء في وقت كانت فيه المنطقة تعيش على وقع اضطرابات مناخية متواصلة، تميّزت برياح قوية وعلو في الأمواج، ما جعل الملاحة البحرية محفوفة بالمخاطر. ورغم أن الرحلات بين الجزيرة الخضراء وشمال المغرب استمرّت جزئيًّا، فإن ظروف الإبحار الصعبة فرضت قيودًا صارمة على وتيرة الحركة، خصوصًا بالنسبة لنقل الشاحنات.
وفي الجزيرة الخضراء، واصلت هيئة ميناء خليج الجزيرة الخضراء فرض قيود على دخول الشاحنات المتجهة إلى ميناء طنجة المتوسط، مع السماح في الوقت ذاته بالمرور نحو محطات الحاويات، هذا التدبير يعكس حجم الضغط الذي عرفته البنية التحتية المينائية، في ظل تراكم آلاف الشاحنات وانتظارها الطويل داخل فضاءات الميناء أو على الطرق الداخلية. وقد وصف رئيس هيئة الميناء، خيراردو لاندالوثي، الوضع آنذاك بأنه ظروف استثنائية للغاية، مشيرًا إلى الطابع غير المألوف لاستمرار الاضطرابات الجوية وتأثيرها المباشر في النشاط المينائي بالمضيق.
وخلال الفترة الممتدة من الاستئناف الجزئي لحركة الملاحة البحرية يوم الخميس السابق، وحتّى يوم الأحد، صعدت قرابة 3000 شاحنةٍ على متن السفن المتوجهة إلى طنجة، إضافة إلى عددٍ مماثلٍ في الاتِّجاه المعاكس، بينما ولجت نحو 2000 وحدة إلى محطات الحاويات، وفق معطيات رسمية، هذه الأرقام، رغم أهميتها، تظلّ دون المعدلات العادية، ما يعكس حجم الاختناق اللوجستي الذي عرفته المنطقة في تلك الأيام.
وقبل ذلك بأيام، تحديدًا في 28 يناير 2026، كانت سلطات ميناء خليج الجزيرة الخضراء قد أعلنت تعليق حركة الملاحة البحرية بين الموانئ الإسبانية في الجزيرة الخضراء وطريفة وميناء طنجة – المدينة، بسبب سوء الأحوال الجوية الناجمة عن المنخفض الجوي كريستين، الذي ضرب منطقة المضيق، وقد أُلغيت جميع الرحلات المبرمجة في ذلك اليوم نحو طنجة، في وضع استمرّ بالنسبة لميناء طريفة لمدة ثمانية أيام متتالية، نتيجة استمرار سوء الأحوال الجوية.
في السياق ذاته، شهد ميناء الجزيرة الخضراء اضطرابًا كبيرًا في حركة نقل البضائع، حيث ظلّ ولوج الشاحنات مغلقًا بسبب الاكتظاظ في مناطق الوقوف، ووجد نحو 2800 شاحنة نفسها متوقفة داخل الميناء، تشغل مواقف السيارات المخصصة والمسار الأيمن للطرق الداخلية، في مشهد غير مسبوق يعكس هشاشة التدفقات اللوجستية أمام العوامل المناخية، كما أدَّت الرياح القوية وارتفاع الأمواج إلى شلل نشاط محطات الحاويات، ما ضاعف من حجم الخسائر الاقتصادية.
هذه التطورات لا يمكن فصلها عن السياق المناخي العام الذي ميَّز شمال المغرب وجنوب إسبانيا خلال تلك الفترة، فقد عرفت مدينة طنجة وإقليم الأندلس تساقطات مطرية كثيفة وغير معتادة امتدّت على مدى شهرين متتاليين، مصحوبة برياح عاتية واضطرابات بحرية.
وفي طنجة، وصلت التساقطات المطرية المتوقّعة خلال الفترة ما بين 2 و4 فبراير إلى حوالي 150 ميليمترًا، حسب مديرية الأرصاد الجوية، وهو رقم يعكس مدى سوء الحالة الجوية ويؤكد الطابع الاستثنائي للموسم الشتوي الحالي، وهذه الأمطار الغزيرة، رغم أهميتها، من حيث تعزيز الموارد المائية وإنجاح الموسم الفلاحي، فقد أسهمت في تعقيد الوضع اللوجستي، سواء داخل الموانئ أو في مجال الشبكات الطرقية المرتبطة بها.
وتشير تقارير مناخية دولية إلى أنَّ حوض البحر الأبيض المتوسط يُعدُّ من أكثر المناطق تأثرًا بالتغيرات المناخية، حيث يتوقع تزايد وتيرة الظواهر الجوية القصوى، من عواصف ورياح قوية وأمطار غزيرة. وفي هذا الإطار، يبدو أن ما شهده مضيق جبل طارق خلال شتاء 2026، لم يكن مجرد استثناء عابر، بل مؤشرًا على تحوّلات أعمق قد تتكرّر بوتيرة أكبر في المستقبل، ما يطرح تحديات استراتيجية حقيقية أمام أنماط النقل التقليدية المعتمدة على العبور البحري.
أمام هذا الواقع، يصبح التفكير في بدائل مستقبلية أكثر صلابةً وأقل تأثرًا بالتقلبات المناخية ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار نظري، ورغم أهمية تطوير البنية التحتية المينائية وتحسين آليات التنسيق والتدبير، كما أشار إلى ذلك المسؤولون المينائيون، فإنَّ الحلول الظرفية تظلّ غير كافية لمواجهة اختناقات بهذا الحجم والتكرار.
من هنا يبرز مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، سواء عبر نفق تحت مضيق جبل طارق أو صيغة تقنية مماثلة، كأحد أكثر البدائل الاستراتيجية قابلية للنقاش على المدى البعيد، هذا المشروع، الذي يعود الحديث عنه إلى عقود خلت، يكتسي اليوم بُعدًا جديدًا في ظلّ التحوُّلات المناخية والرهانات اللوجستية المتزايدة بين أوروبا وإفريقيا.
فالربط القاري من شأنه أن يُوفّر ممرًا آمنًا ومستقرًّا لنقل الأشخاص والبضائع، غير خاضع لاضطرابات الأمواج والرياح، وقادرا على ضمان استمرارية التدفقات حتّى في أحلك الظروف الجوية. كما يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية كبرى، تُعزّز التكامل بين الضفتين، وتدعم مكانة المغرب كمحور لوجستي إفريقي – أوروبي، وتخفف الضغط عن الموانئ التي أظهرت الأحداث الأخيرة محدودية قدرتها على الصمود أمام الأزمات المناخية المتكرّرة.
إن ما شهده مضيق جبل طارق خلال شتاء 2026، بما حمله من تعطيل للملاحة وتكدس للشاحنات وخسائر اقتصادية، يمثل إنذارًا واضحًا بضرورة إعادة التفكير في نماذج الربط الحالية، ومع استمرار التغيّرات المناخية وتزايد حدتها، يصبح الاستثمار في حلول بنيوية طويلة الأمد، وفي مقدمتها مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، خيارًا استراتيجيًّا لا يحتمل مزيدًا من التأجيل إذا ما أريد ضمان أمن المبادلات بين القارتين واستدامتها.
مشـروع الربـط القـاري يـعـود إلـى الـــواجـهــة
ولم يعد الحديث عن مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا مجرد استعادة لأحد أقدم الأحلام الجيوسياسية في غرب المتوسط، بل بات، للمرة الأولى منذ عقود، مرتبطًا بتصور تقني ملموس وجدولة زمنية تُخرج المشروع من دائرة النيّات السياسية والدراسات النظرية إلى أفق التخطيط العملي.
فالمعطيات الجديدة التي أفرزتها دراسة تقنية أنجزتها شركة ألمانية متخصصة سنة 2025، بطلب من الحكومة الإسبانية، أعادت هذا الورش الاستراتيجي إلى واجهة النقاش العمومي، في سياق دولي وإقليمي يتَّسم بتزايد الضغوط اللوجستية، وتصاعد المخاطر المناخية، وتعاظم الحاجة إلى بنى تحتية قادرة على الصمود على المدى الطويل.
الدراسة، التي أعدتها شركة «هيرنكنيخت» الألمانية، المعروفة عالميًّا بريادتها في تصنيع آلات حفر الأنفاق الكبرى، خلصت إلى نتيجة أساسية مفادها بأنَّ إنشاء نفق سككي يربط الضفتين تحت مياه مضيق جبل طارق ممكن من الناحية التقنية باستخدام التكنولوجيات المتاحة حاليا.
ورغم إقرارها بحجم التحديات، سواء الجيولوجية أو المالية، فإنها اعتبرت أنَّ المشروع بلغ مستوى من النضج يسمح بالانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا، تبدأ بحفر مقطع تجريبي محدود في أكثر مناطق المضيق حساسية، بغرض اختبار طبيعة التربة وسلوكها تحت الضغط، قبل الشروع في الأشغال الكبرى. وتكتسي هذه الخلاصة أهمية خاصة؛ لكونها المرة الأولى التي تصدر فيها نتائج رسمية، مسلمة للحكومة الإسبانية، تؤكد جدوى المشروع من منظور هندسي خالص، بعيدًا عن الطابع السياسي أو الرمزي الذي وسم النقاش حوله لعقود.
وقد سُلمت هذه النتائج للحكومة الإسبانية في أكتوبر الماضي، ما دفع مدريد إلى تكليف شركتها الاستشارية العمومية «إينيكو» بتحيين التصميم التقني للنفق، وإنجاز دراسات جيولوجية إضافية أكثر دقةً، على أن تُقدّم نسخة أولية محدثة من المشروع في أفق سنة 2026.
وبحسب خارطة الطريق المعتمدة، من المرتقب أن يشكل عام 2027، محطةً حاسمةً، إذ يُنتظر أن يُتخذ خلاله القرار السياسي النهائي بشأن إطلاق المشروع، في حال استكمال الدراسات التقنية وتوفر توافق واضح بين الرباط ومدريد.
غير أن ما يمنح هذه المرحلة طابعًا غير مسبوق، هو اقترانها للمرة الأولى بسيناريو زمني متكامل، يمتد من لحظة اتخاذ القرار إلى غاية دخول النفق حيز الخدمة، وهو ما لم يحدث في أي من المراحل السابقة التي ظلّ فيها المشروع حبيسَ الآفاق المفتوحة.
ووفق هذا السيناريو التقديري، فإنَّ المصادقة الثنائية قد تفتح الباب أمام انطلاق الأشغال الميدانية الأولى سنة 2030، وهي السنة التي سيحتضن فيها المغرب وإسبانيا، إلى جانب البرتغال، نهائيات كأس العالم لكرة القدم. ورغم الطابع الرمزي لهذا التزامن، فإن الأهم يكمن في أن فترة الإنجاز الرئيسية يُتوقع أن تمتد بين عامي 2035 و2040، بما يعني أن المشروع يحتاج، في مجموعه، إلى ما يقارب عشر سنوات من الأشغال المتواصلة قبل بلوغ مرحلته النهائية.
السكك الحديدية عوض الرحلات البحرية
على المستوى الهندسي، يستند التصميم المقترح إلى نموذج نفق المانش الرابط بين فرنسا وبريطانيا، مع تكييفه مع خصوصيات مضيق جبل طارق، ويتكون المشروع من نفقين متوازيين مخصصين للسكك الحديدية، أحدهما لكل اتِّجاه، يربط بينهما نفق ثالث مركزي يُستخدم لأغراض الصيانة والإخلاء الاضطراري وضمان السلامة. ويرجح أن يمتد المسار بين منطقة «بونتا بالوما» بإقليم قادس في أقصى جنوب الأندلس، ومنطقة «كاب مالاباطا» بمدينة طنجة، ما يضع النفق في صلب الشبكات اللوجستية الحيوية للبلدين، كما أنَّ ذلك من شأنه تغيير وجه شمال المغرب وجنوب إسبانيا جذريًّا، من خلال توفير فرص اقتصادية جديدة ومستدامة.
ويُقدّر الطول الإجمالي للنفق بنحو 42 كيلومترًا، منها نحو 28 كيلومترًا تحت سطح البحر، في حين قد يتجاوز العمق الأقصى 470 مترًا، وهو ما يجعله أعمق من نفق المانش، ولا تضاهيه من حيث العمق سوى بعض الأنفاق السككية الحديثة في جبال الألب.
ومن المرتقب ألَّا يتجاوز زمن العبور 30 دقيقة بالقطار، مع قدرة على نقل المسافرين والبضائع في آن واحد، بفضل ارتباطه المباشر بشبكتي السكك الحديدية في المغرب وإسبانيا، ما سيخلق ممرًا قاريًّا فعّالًا بين إفريقيا وأوروبا.
ويُمثّل هذا الخيار السككي خلاصة مسار طويل من البدائل التي جرى التخلي عنها تباعا. ففي مراحل سابقة، طُرح مشروع إنشاء جسر معلق فوق المضيق، غير أنَّ عمق المياه، وشدة التيارات البحرية، والنشاط الزلزالي، وقوة الرياح، عوامل جعلت الفكرة غير واقعية من الناحية التقنية والاقتصادية. وقد تم التخلّي لاحقًا عن مقترح نفق مختلط مخصص للقطارات والسيارات معًا؛ بسبب التعقيدات المرتبطة بالتهوية والسلامة وتدبير حالات الطوارئ، ليتم الاستقرار في النهاية على حل سككي خالص يُعد أكثر أمانًا ونجاعةً.
ورغم هذا التقدم، تظل التحدّيات الجيولوجية من أكبر الإكراهات التي تواجه المشروع، فمضيق جبل طارق يُعد منطقة نشطة تكتونيا، على عكس قناة المانش التي تتميّز باستقرار جيولوجي نسبي، وتُعدُّ منطقة «عتبة كامارينال» من أكثر النقاط تعقيدًا؛ نظرا لقوة تبادل المياه بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى التغير السريع في طبيعة التربة على مسافات قصيرة، ما يفرض حلولَ حفر دقيقة ومكلفة.
وتنعكس هذه الصعوبات مباشرة على الكلفة المالية للمشروع، إذ تشير التقديرات الحالية إلى أنَّ الجزء الإسباني وحده قد يتطلب استثمارًا يتراوح بين 8,5 و9 مليارات يورو، في حين يُتوقع ألَّا تقل التكلفة الإجمالية، بعد احتساب الشطر المغربي ونفقات الربط السككي والتكاليف غير المباشرة، عن 15 مليار يورو، وهو مبلغ يفوق الكلفة النهائية لنفق المانش، وبذلك، يُطرح التمويل كأحد أعقد التحدّيات.
ويُذكر في هذا السياق، أنَّ الشركة الإسبانية المكلفة تاريخيًّا بالملف، SECEGSA، التي تأسست سنة 1980 خصيصا لتتبع المشروع، أنفقت أكثر من 53 مليون يورو على الدراسات التقنية خلال أربعة عقود، دون أن يتحوّل المشروع إلى ورش فعلي.
غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو تلاقي المعطيات التقنية مع سياق سياسي مواتٍ، يتَّسم بتقارب غير مسبوق بين الرباط ومدريد، خاصّةً منذ إعلان إسبانيا دعمها مقترحَ الحكم الذاتي المغربي في الصحراء سنة 2022، وما تلاه من تعزيز هذا التوجه في المحافل الدولية، إلى جانب مصالحهما المشتركة وفي واجهتها التنظيم المشترك مع البرتغال لكأس العالم 2030. وقد تعزز هذا المناخ الإيجابي بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر الماضي، الذي رحبت به مدريد رسميا، وهو ما تُرجم سياسيًّا في الإعلان الختامي للاجتماع رفيع المستوى الثالث عشر بين حكومتي البلدين.
وفي ظل هذا التقاطع بين الإرادة السياسية والتقدّم التقني والحاجة اللوجستية الملحة، يبدو مشروع الربط القاري، لأول مرة، أقرب إلى أن يتحول من فكرة مؤجلة إلى خيار استراتيجي قابل للتحقّق، ضمن رؤية بعيدة المدى لإعادة تشكيل علاقات العبور والتكامل بين إفريقيا وأوروبا.


