القانون والناس
القانون و الناس….الاحكام القضائية هل أصبحت حبرا على ورق فــي غــيـــاب الــتـــــنــفـــيـــــذ! !؟
بقلم الدكتورة سناء الزباخ
يلجأ المواطن للمحاكم لإحقاق الحق والعدالة وتنزيل القانون المسطر من طرف المشرع، إلا أنَّه يجد نفسه تائهًا بين ردهات المحاكم والفاعلين في قطاع العدالة؛ لنصرة ذلك الحكم أو ذاك القرار، خصوصا إذا كان في مواجهة مؤسسة من مؤسسات الدولة.
حيث إنَّه يبقى المتقاضي يتساءل حول الماهية الحقيقية أو الواقعية للأحكام القضائية؛ إذا لم يكن التنفيذ هو التنزيل الواقعي للقانون وهو المرحلة الواقعية لزمن التقاضي. ونجد التجسيد المادي لفعالية الجهاز القضائي ونجاعته يتجسّد في التنفيذ بصفة عامة، حيث يمرُّ التنفيذ بمجموعة من الإجراءات مع تعدّد طرقه، إذ لا يُعد صحيحًا إلا إذا ارتكز على أركان صحيحة.
إن عملية التنفيذ هي التي تضبط علاقة الأفراد فيما بينهم، وكذا بينهم وبين مؤسسة القضاء وفق أسس قانونية ليستطيع المحكوم له استيفاء حقه من المحكوم عليه. ونظرًا لما للتنفيذ من أهمية باعتباره مركز الثقل في العملية القضائية؛ كونه النتيجة المرجوّة من صدور الحكم ومن عملية التقاضي عامّة.
وبالتالي فتنفيذ الأحكام يُعدُّ الحلقة الأهم والعمود الفقري الذي يعطي للعدالة مفهومها الحقيقي، ذلك أنَّ الحكم القضائي إذا لم يُنفّذ يُعدُّ عديم الجدوى، أو بالأحرى حبر على ورق، ومن ثَمَّ فإن وظيفة نظام التنفيذ تتمثل في إضفاء الحماية على المراكز القانونية الناتجة عن هذه الأحكام، وبذلك يجسد التنفيذ فعالية الجهاز القضائي، لما له من أهمية كبيرة، سواء من الناحية القانونيَّة أو الاقتصاديَّة أو الاجتماعيَّة.
لكن وقبل تنفيذ الحكم يجب الأخذ في الاعتبار مجموعة من المقدمات لهذا التنفيذ، تُعدُّ مقدمات التنفيذ واقعة إجرائية قائمة بذاتها، لاحقة على وجود السند التنفيذي، وسابقة على تنفيذه جبرًا، ومستقلة تمامًا عنه ولو أنها لازمة له، ويهدف المشرع من خلالها إلا أن يكون التنفيذ مفاجئًا للمحكوم عليه، وعليه فإن مقدمات التنفيذ تشمل مجموعة من الإجراءات التي يمكن إجمالها فيما يلي:
*تسجيل الحكم؛
*تقديم الطلب؛
*تبليغ الحكم: حيث يتم تبليغ نسخة تبليغية للحكم مرفقة بإعذار، ويُعدُّ هذا الإجراء الجوهري ضروريًّا وبه تبدأ مسطرة التنفيذ وإلا كان التنفيذ باطلًا،
*شهادة بعدم التعرض والاستئناف: وذلك بعد مرور أجل الطعن دون اللجوء إليه؛
*التأكد ما إذا كان التنفيذ معلقًا على يمين أو ضمان.
وبعد هذه المقدمات يتم النفيذ، حيث يمكن أن يكون موصوفًا بكونه معجلا أو تنفيذا جبريا عاديا. فإلى أي حد توفق المشرع المغربي في وضع طرق للتنفيذ ذات نجاعة في حماية مصالح المتقاضين؟
إنَّ الحديث عن التنفيذ يستوجب بالضرورة ترسيخ حماية تنفيذية مؤقتة، ولا يتحقّق ذلك إلا عن طريق تمكين المحكوم له من حماية تنفيذية مؤقتة إلى حين الكشف عن مصير الحكم البات في الموضوع، حيث يخوّله نظام التنفيذ المعجل التنفيذ المؤقت للحكم وقبل صيرورته حائزًا قوّة الشيء المقضى به، فهو حقّ يمنحه القانون للمحكوم له وتحت مسؤوليته، يتيح له إمكانية تنفيذ الحكم الصادر لفائدته قبل الأوان العادي تنفيذًا مؤقتًا، الشيء الذي يجعل التنفيذ المعجل باعتباره استثناء يتميز بخاصيتين:
أوّلًا: هو تنفيذ مؤقت؛ لأنَّه تدبير احتياطي يهدف لتفادي الضرر الذي قد يحصل من الإبطاء في التنفيذ باعتباره غير نهائي.
ثانيًا: هو تنفيذ معجل يتم مباشرته قبل الأوان العادي لإجرائه، أي قبل أن يصير حائزًا قوة الشيء المقضي به.
ويكون التنفيذ المعجل صادرًا عن القانون والقضاء
*التنفيذ المعجل بقوة القانون، حيث إنَّه يُعدُّ قوة القانون الحتمية والتلقائية في ترتيب حكم القاعدة القانونية على مجرد تحقّق غرضها دون اتِّخاذ أي إجراء من قبل أي شخص، إذ إنَّ الأحكام في هذه الحالة فبمجرد صدورها تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بصورة حتمية وتلقائية.
إذًا فالتنفيذ المعجل بقوة القانون هو تنفيذ الحكم تنفيذًا مُعجّلًا بنصّ القانون، حيث تصرح به المحكمة، ولو لم يطلبه المحكوم له، مما تكون معه المحكمة ملزمةً بشمول الأمر بالنفاذ معجل من تلقاء نفسها ولو لم يطلبه الأطراف، كما لا يجوز للمحكمة أن تُعلّقه على كفالة أو ضمان؛ ولا يجوز للمحكمة إيقافه، إلا أنَّه يرد على هذه القاعدة استثناء، وهو ما نصّ عليه الفصل (153) من قانون المسطرة المدنية الذي يقضي بأن الأوامر الاستعجالية تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون، ويمكن للقاضي مع ذلك أن يقيد التنفيذ بتقديم كفالة فهل يمكن أن تكون ملزمة واقعًا اتِّجاه المؤسسات العمومية أم أنَّها فوق القانون، ويمكن أن تحتقر الأحكام والمقررات القضائية دون أن يوجد لها رادع؟!
فإن كان يرتكز التنفيذ المُعجّل بقوة القانون على العديد من المبررات منها:
*البطء والتأخير في إجراءات التنفيذ، مما يقتضي تخويل المحكوم له في بعض الحالات حماية معجلة؛
*تجنب الممارسات الكيدية التي قد يستعملها المحكوم عليه بغية عرقلة إجراءات التنفيذ؛
*مواجهة إشكالية التأخير والمحافظة على قيمة الوقت في التقاضي.
يقصد بالنفاذ المعجل القضائي أن يصدر الحكم مشمولًا بالنفاذ معجل بأمر من المحكمة التي أصدرته، ويكون ذلك في حالات مُعيّنة وبناء على طلب المحكوم له، حيث يختلف التنفيذ المعجل القضائي عن التنفيذ بقوة القانون كونه متوقفًا على السلطة التقديرية للمحكمة بناء على طلب المحكوم له، فإذا تحقَّقت الشروط التي حددها المشرع في الفقرة الأولى من الفصل 147 من قانون المسطرة المدنية نكون أمام التنفيذ المعجل القضائي الوجوبي. غير أنه إذا لم تتحقق هذه الشروط نكون أمام التنفيذ المعجل القضائي الجوازي.
من هنا يبقى التساؤل مطروحًا بشأن الأهمية القصوى لتضافر الجهود بين مكونات العدالة لحماية الأحكام القضائية ولتجسيد نجاعتها وفق الأمن القضائي؟


