آخر الأخبار
الثانية وطنيًا من حيث عدد المحكوم عليهم قضائيًا.. هل تتحول طنجة إلى مركز لجرائم الاتجار في البشر؟
ظاهرة تستغل أطماع الناس في الهجرة والعمل والمال.. والأجانب متورطون فيها بكثرة
عادةً ما تدفع مدينة طنجة ضرائب كبيرة؛ نتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي كأقرب منفذ إفريقي على أوروبا، كما تُؤدّي ثمنًا غاليًّا نظير تحوُّلها إلى قطب اقتصاديٍّ مركزيٍّ على المستويين الوطني والإقليمي، وهي كُلفة تسددها من سمعتها وأمنها وسلامة ساكنتها، وآخر وجوه ذلك هي تحوُّلها بسرعةٍ إلى بؤرةٍ لجريمة الاتِّجار في البشر، حيث يجد المهاجرون والعمَّال أنفسهم ضحايا هذه الظاهرة، التي تشدد المُشرّع المغربي في مكافحتها.
الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة، خصوصًا المؤسسة القضائية، مخيفةً وتتطلَّب الوقوف أمامها، فهي تثبت أنَّ الأمر لا يتعلق بجرائم عابرة، بل بمسار طويل تتورَّط فيها مُنظّماتٌ عابرةٌ للحدود، وعناصر إجرامية من المغرب ومن جنسيات مختلفة، في حين تُؤكّد الحكايات الموثقة لبعض تلك الجرائم، أنَّ الأمر يصبح مع مرور الوقت أكثر تعقيدًا.
- طنجة.. الثانية وطنيًّا في قضايا الاتجار بالبشر
المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كشف عن معطيات صادمة بخصوص جرائم الاتِّجار في البشر في مجال مدينة طنجة، وذلك وفق ما ورد في تقريره السنوي الخاص بسنة 2024 والصادر مؤخرًا، مبرزًا أنَّ مجموع المُقرّرات الصادرة برسم سنة 2024 في هذا النوع من القضايا بمختلف محاكم المملكة بجميع درجاتها 160 مقررًا، موزعة ما بين 84 مقررًا ابتدائيًّا، و76 مقررًا استئنافيًّا، حيث حلَّت مدينة البوغاز ثانية على الصعيد الوطني.
وحسب ما جاء في التقرير، تتصدَّر الدائرة الاستئنافية بالرباط عدد المحكوم عليهم في هذا النوع من القضايا بـ26 مقررًا قضائيًّا تليها استئنافية طنجة بـ21 مقررًا، ثم مراكش بـ20 مقررًا، ومن خلال دراسة القضايا المحكومة لغرف الجنايات الابتدائية، حسب المجلس، يتبيّن أنَّ 52% منها قضت بالإدانة من أجل جرائم الاتجار بالبشر، في مقابل 34 بالمئة منها قضت بالبراءة، أمَّا 14 بالمئة من القضايا فقد تمت إعادة تكييفها إلى جرائم أخرى، من قبيل جنحة جلب الأشخاص من أجل ممارسة البغاء، وهتك عرض قاصر وجنحة النصب.
وبلغ مجموع الأشخاص المدانين من أجل جريمة الاتجار بالبشر، 120 مدانًا برسم سنة 2024، يتوزّع بين الذكور 76 مدانًا، و44 مدانةً من الإناث، كما يحمل أغلب المدانين الجنسية المغربية، بما مجموعه 113 مدانًا أي بنسبة 94%، والباقي يحملون جنسياتٍ أخرى، مبرزًا أنَّ هذه الجريمة لها طابعٌ دوليٌّ عابر للحدود.
ووَفْق ما جاء في التقرير، يحظى ضحايا الاتِّجار بالبشر، وعددهم كان هو 269 ضحيةً سنة 2024، بحماية خاصة، انسجامًا مع القانون (14.27) المتعلّق بمكافحة الاتِّجار بالبشر، الذي تضمَّن مقتضيات مُتعلّقة بحماية الضحايا ومساعدتهم، والتكفُّل بهم للتخفيف من الآثار السلبية للاعتداءات، التي يتعرَّضون لها وإعادة إدماجهم في المجتمع.
- الهجرة السرية أبرز أوجه الجريمة
المعطيات الصادر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية تُؤكّد أنَّ مدينة طنجة أصبحت من معاقل الاتِّجار بالبشر، في حين يتواصل تسجيل عمليات أمنية متتالية لمواجهة هذه الظاهرة، خصوصًا في شقّها المتعلّق بتنظيم الهجرة غير الشرعية، ففي أكتوبر الماضي تمكَّنت المصالح الأمنية بالمدينة من توقيف أربعة أشخاص، من بينهم مواطنان من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يشتبه في ارتباطهم بشبكة إجرامية تنشط في هذا المجال.
وجاءت العملية، التي نفَّذتها عناصر الأمن بعد تحرّيات دقيقة، لتكشف عن امتداد نشاط هذه الشبكات عبر مناطق مختلفة من المدينة وضواحيها، حيث أسفرت عمليات التفتيش عن حجز زوارق مطّاطية كانت مُعدّة لنقل مرشحين للهجرة بطريقة غير قانونية عبر السواحل الشمالية.
ويُبرز هذا التوقيف الجديد تزايد خطورة شبكات الاتِّجار في البشر بطنجة، المدينة التي تُشكّل بحكم موقعها الجغرافي نقطة جذب رئيسية للراغبين في العبور نحو أوروبّا. كما يعكس حجم التحدِّيات الأمنية المرتبطة بمراقبة الحدود البحرية ومكافحة التنظيمات التي تستغل هشاشةً بعض الفئات لتحقيق مكاسبَ ماليةٍ غير مشروعة.
وتشير معطيات ميدانية، إلى أنَّ جرائم الاتِّجار في البشر في طنجة تشهد تزايدًا مقلقًا، خلال الأشهر الأخيرة، في ظل محاولات متكرّرة لتنظيم عمليات عبور جماعية، غالبًا ما يُستغل فيها المهاجرون الأفارقة والنساء والقاصرون. ويوازي هذا الوضع يقظةً أمنيّةً مُستمرةً، تُعزّزها مقاربة استباقية تعتمد على تفكيك الخلايا الإجرامية قبل تنفيذ مخططاتها.
- جرائم تستهدف القاصرين
غير أنَّ هذا النوع من الجرائم ليس مقتصرًا على الهجرة السرية، بل يتعداها إلى ما أفظع مثل الاستغلال الجنسي للأطفال، ففي شهر شتنبر الماضي قضت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، بالسجن النافذ لمدة 12 سنة في حق مواطن ألماني وشريكه المغربي، بعد متابعتهما بتهم الاتِّجار بالبشر، واستدراج قاصر يقل عمره عن 12 سنة باستعمال التدليس، وهتك عرضها بالعنف، والمشاركة في ذلك.
الملف، الذي أثار جدلًا واسعًا في مدينة طنجة، كشف عن استغلال المتهمين لأطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة في ممارسات جنسية، مقابل مبالغ مالية وهدايا. المتهم الألماني حاول خلال جلسة المحاكمة تبرير أفعاله بالقول إنه قدم إلى المغرب لتعلّم اللغة العربية والانخراط في العمل التطوّعي لمساعدة الأطفال المتشردين، مؤكدًا أنه رجل أعمال يعمل في تداول الأسهم ويخطط لإطلاق مشاريع استثمارية بالمملكة.
غير أن القاضي واجهه باعترافاته السابقة أمام الضابطة القضائية، التي تضمَّنت استقباله أطفالًا في منزل بمنطقة اكزناية، كان يشغله رفقة المتهم المغربي، المعروف بالتسوُّل رفقة قاصر في شوارع المدينة. وتسبّب تردد عدد من الأطفال على المنزل في إثارة شكوك الجيران، الذين أبلغوا السلطات، ليُوقف المتهمان متلبسين.
وخلال التحقيقات، اعترف المتهم المغربي بأنَّه كان يستدرج أطفال الشوارع ويسلمهم للشخص الألماني مقابل مبالغ مالية تراوحت بين 100 درهم وأخرى أعلى، فيما كان القاصرون يغادرون المكان بملابس جديدة وبحوزتهم نقود، كما أقر بأن شريكه سبق أن واجه اتهامات مشابهة في ألمانيا.
- متورطون من مختلف دول العالم
وتشهد مدينة طنجة -في الآونة الأخيرة- تصاعدًا مقلقا في جرائم الاتِّجار بالبشر التي يتورط فيها أجانب، بعضهم من جنسيات غير معهودة، إذ لم تعد الظاهرة تقتصر على شبكات محلية فحسب، بل بات القادمون من بلدان أخرى يشكلون جزءًا محوريًّا من أنشطتها، مستفيدين من موقع المدينة الاستراتيجي المطل على أوروبا ومن دينامية حركتها التجارية والبحرية.
واحدة من تلك القضايا تعود إلى دجنبر من سنة 2024، حين تمكَّنت عناصر الشرطة بولاية أمن طنجة، من توقيف ثلاثة مواطنين باكستانيين، أحدهم يحمل الجنسية الإسبانية، بينما يتوفر الآخران على وثائق إقامة قانونية في إسبانيا، للاشتباه في تورطهم ضمن شبكة إجرامية منظمة متخصّصة في التزوير واستعمال وثائق مزيفة لتسهيل عمليات الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر.
المعطيات التي كشفتها المصادر الأمنية بناء على البحث الذي أنجزته، كشفت أنَّ الموقوفين كانوا ينشطون في تسهيل عبور مهاجرين غير نظاميين ينحدرون من دول آسيوية نحو أوروبا، عبر تمكينهم من وثائق سفر وإقامات حقيقية تخص أشخاصًا آخرين يقيمون بشكل قانوني في إسبانيا، مقابل مبالغ مالية مهمة، وتستغل هذه الشبكات المعقدة ثغرات في مراقبة الحدود وتعمل على انتحال هويات مختلفة لتضليل أجهزة المراقبة.
كما أظهرت عملية تنقيط المشتبه فيهم في قاعدة بيانات الأمن الوطني أن أحدهم يشكل موضوع مذكرة بحث على الصعيد الوطني، صادرة عن مصالح الشرطة بميناء طنجة المدينة، على خلفية تورطه في قضية مشابهة تتعلق بتسهيل الهجرة غير المشروعة، ما يؤكد أن مدينة طنجة أصبحت إحدى محطات هذه الجريمة العابرة للحدود.
ووُضع المتورطون الثلاثة، تحت تدبير الحراسة النظرية، رهن إشارة بحث المصلحة الولائية للشرطة القضائية بطنجة، بإشراف النيابة العامة المختصة، من أجل تحديد باقي المتورطين المحتملين، وكشف ارتباطات هذه الشبكة داخل المغرب وخارجه، خصوصًا مع شبكات التهريب الدولية التي تعتمد طرقًا متطوّرة في التزوير وتنظيم الرحلات غير القانونية عبر البحر أو عبر المعابر البرية.
قضية بوتيي.. حين يتحول العمل إلى جريمة
وتُعدُّ قضية رجل الأعمال الفرنسي جاك بوتيي، إحدى أبرز القضايا التي كشفت عن تشابك جرائم الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي في بيئة العمل العابرة للحدود بين فرنسا والمغرب، حيث امتدت خيوطها من مقر شركته الأم في فرنسا إلى فرعها في طنجة، وأطاحت بعددٍ من مسؤوليها المحليين.
وتفجّرت القضية سنة 2022، عندما أوقف بوتيي في فرنسا إثر شكايات وضعتها قاصر من أصل مغربي وأخرى يونانية، تتهمانه بالاحتجاز والاستغلال الجنسي، هذا الحدث شكّل نقطة تحوُّل في المغرب، إذ شجّع ست شابات مغربيات كنّ يشتغلن في فرع شركته بطنجة ASSU 2000 على تقديم شكايات ضد مسؤولي الشركة المحليين، بدعوى تعرضهن للتحرش والاستغلال الجنسي طَوال المُدّة الممتدة بين 2016 و2021.
التحقيقات التي باشرتها السلطات المغربية أظهرت وجود ممارسات ممنهجة للتلاعب بالسلطة المهنية واستغلال الهشاشة الاجتماعية للضحايا، ما دفع النيابة العامة إلى متابعة ثمانية متهمين، بينهم سيدتان، في حالة اعتقال، بعد وفاة متهم تاسع خلال التحقيق.
في المرحلة الابتدائية، التي امتدت جلساتها إلى غاية 17 يوليوز 2024، اعتبرت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بطنجة أن الأفعال الثابتة تشكل صورًا واضحةً من الاتِّجار بالبشر، والتحريض على الفساد، والتحرش الجنسي، وعدم التبليغ عن الجناية.
وصدرت أحكام بالسجن مجموعها 34 سنة، من بينها الحكم بإدانة المتهمة الرئيسية بعشر سنوات سجنا نافذا وغرامة قدرها 100 ألف درهم، فيما أدين زوجها بستة أشهر موقوفة التنفيذ، وغُرِّم 1000 درهم، أما باقي المتهمين الستة فحُكم على كل واحد منهم بأربع سنوات سجنًا نافذًا وغرامة مالية مماثلة، كما قضت المحكمة بأداء المتهمين تعويضًا قدره 100 ألف درهم لكل واحدة من الضحايا تضامنا بينهم.
غير أنَّ المرحلة الاستئنافية، التي اختتمت نهاية أكتوبر الماضي، شكّلت منعطفًا مُهمًّا في مسار الملف، بعدما راجعت غرفة الجنايات الاستئنافية جذريًّا الأحكام السابقة، فقد أسقطت عددًا من التهم الثقيلة، مثل «الاتجار بالبشر الناتج عنه مرض نفسي» و«التحرش الجنسي»، لعدم كفاية الأدلة، وأعادت تكييف الأفعال إلى جنح أخف، منها «الفساد» وفق الفصل (490) من القانون الجنائي، وانخفضت العقوبات إلى مستويات متفاوتة بين أربع سنوات وستّة أشهر حبسًا نافذًا أو موقوف التنفيذ، مع إسقاط أغلب التعويضات المدنية.
وهكذا، تحوّل الملف من قضية يُنظر إليها بوصفها رمزًا لتطبيق صارم لقانون مكافحة الاتجار بالبشر إلى نموذج للنقاش بشأن صعوبة إثبات هذا النوع من الجرائم، وحدود الحماية القانونية للضحايا في سياق علاقات مهنية غير متكافئة، لتبقى القضية من أكثر الملفات حساسية في مسار العدالة المغربية المتعلقة بحقوق النساء ومكافحة الاستغلال.
- المغرب يحاول تطويق الظاهرة
على المستوى التشريعي، يعي المغرب جيّدًا أنه قد يتحوّل إلى أحد «ملاذات» هذه الظاهرة، لذلك صادقت اللجنة الوطنية المكلفة بتنسيق تدابير مكافحة الاتِّجار بالبشر والوقاية منه، سنة 2023، على الخطة الوطنية لمكافحة الاتِّجار بالبشر والوقاية منه برسم المُدّة ما بين 2023 و2030، وعلى آلية الإحالة الوطنية الخاصة بضحايا هذه الجريمة، في خطوة تروم تعزيز الترسانة المؤسساتية والقانونية للمغرب في مواجهة واحدة من أخطر الجرائم العابرة للحدود.
وقدَّم وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال اجتماع مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 23 مارس 2023، عرضًا بشأن مضامين هذه الخطة ومخطط العمل الاستراتيجي للتنزيل للمُدّة الممتدة ما بين 2023 و2026، إلى جانب آلية الإحالة الوطنية لضحايا الاتجار بالبشر، بعد المصادقة عليها بإجماع اللجنة الوطنية في اجتماعها بتاريخ 17 مارس 2023.
وتندرج هذه المبادرات ضِمن المهام المنوطة بها بموجب القانون رقم (27.14) المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر الصادر في 25 غشت 2016، الذي أسس للجنة لدى رئاسة الحكومة، وأسند رئاستها وكتابتها الدائمة لوزارة العدل، وأتى هذا المسار استجابةً لالتزامات المغرب الدولية في مجال محاربة الاتجار بالبشر، وانسجامًا مع المقاربة الحقوقية التي تتبناها المملكة لحماية كرامة الإنسان وصون حقوقه الأساسية.
وتروم الخطة الوطنية الجديدة بلورة رؤية مُوحّدة ومندمجة لمواجهة الظاهرة، من خلال تحديد الأولويات الاستراتيجية والتدابير العملية الكفيلة بتنزيلها، ضمن مقاربة إنسانية تراعي سيادة القانون والمعايير الكونية لحقوق الإنسان، وتُعد هذه الخطة بمنزلة خارطة طريق مرجعية لتقوية التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية وتعزيز فعالية التدخل الوطني في الوقاية والحماية والملاحقة القضائية.
أما آلية الإحالة الوطنية لضحايا الاتجار بالبشر، فتُعدُّ من أبرز الأوراش الداعمة لهذه المنظومة، إذ تهدف إلى تنظيم وضبط التنسيق بين الفاعلين في مجال حماية ومساعدة الضحايا، من خلال تحديد الإجراءات والوسائل التي تضمن الرصد المبكر والتعرف على الضحايا وتوجيههم نحو الخِدْمات المناسبة.
وتسهر اللجنة الوطنية، عبر كتابتها الدائمة بوزارة العدل، على تنسيق هذه الآلية التي تشرك مختلف المؤسسات العمومية والقطاعات الحكومية، فضلًا عن المجتمع المدني العامل في المجال الحقوقي والاجتماعي، لضمان استجابة متكاملة وفعالة لاحتياجات الضحايا.
وترى اللجنة، أنَّ هذه الخطوة تُمثّل ترجمة عملية للالتزام الثابت للمملكة في التصدّي لجريمة الاتجار بالبشر، وتأكيدًا على إرادتها في ترسيخ منظومة وقائية وإنسانية قادرة على حماية الضحايا ومعاقبة الجناة، بما يعزز صورة المغرب كشريك دولي فاعل في حماية الحقوق الإنسانية ومكافحة أشكال الاستغلال البشري.


