إقتصاد
مهرجانات طنجة الصيفية.. قيمة مضافة للاقتصاد أم ترف على حساب الأولويات الاجتماعية؟
في مدينة طنجة، التي تحوَّلت خلال السنوات الأخيرة إلى قبلة للسياحة الداخليَّة والخارجيَّة، لا يمر فصل الصيف دون أن تثير مهرجاناته الموسيقيَّة والثقافيَّة الكثير من النقاش.
هذه التظاهرات، التي تزين ليالي المدينة وتمنحها حيويَّة خاصة، تتراوح حولها الآراء بين من يرى فيها قيمة مضافة للاقتصاد المحلي وصورة المدينة السياحيَّة، وبين مَن يعتبرها مجرد واجهة براقة تغطي على أولويات اجتماعيَّة لم تُعالج بعد.
الفاعلون الاقتصاديون، يقرون بأن مهرجانات صيف طنجة تضخّ مبالغ مهمّة في شرايين التجارة المحليَّة، إذ تنتعش الفنادق والمطاعم وأسواق المدينة القديمة، ويرتفع الإقبال على خِدْمات النقل والحرف التقليديَّة. الأرقام غير الرسميَّة تشير إلى أن الإشغال الفندقي يصل في بعض الفترات إلى مستويات قياسيَّة، بينما يجد الزوّار في تنوع العروض الفنيَّة سببًا إضافيًّا لإطالة إقامتهم.
بالنسبة للعديد من أصحاب المشروعات الصغيرة، يُشكّل هذا الموسم فرصةً نادرةً لإنعاش مداخيلهم السنويَّة.
لكن على الضفة الأخرى، ترتفع أصوات تنتقد غياب رؤية واضحة لبرمجة هذه المهرجانات، معتبرةً أن اختيار بعض الفنانين والفرق أحيانًا يفتقر إلى المعايير الثقافيَّة والفنيَّة التي تليق بمدينة بحجم طنجة.
بعض الفاعلين الجمعويين يشددون على أن الأموال العموميَّة التي تُصرف على هذه السهرات ينبغي أن ترافقها مشروعات اجتماعيَّة وثقافيَّة موجهة للأحياء الشعبيَّة والشباب العاطلين، بدل الاقتصار على الفضاءات الفخمة والجماهير المحدودة القدرة على الوصول إليها. كما يشير آخرون إلى أن الجوانب التنظيميَّة تحتاج إلى تطوير حتى لا تتحول بعض السهرات إلى مصدر للفوضى أو الإزعاج للسكان.
الجانب الأمني بدوره حاضر بقوة في كل نقاش حول صيف طنجة. فمع توافد آلاف الزوار وامتلاء الكورنيش والشوارع الرئيسيَّة بالمرتادين، تتضاعف الجهود الأمنيَّة لضمان انسيابيَّة الحركة وحماية الفضاءات العامة.
مصادر محليَّة أكدت، أن التنسيق بين مختلف الأجهزة، خاصّةً الشرطة والدرك والقوات المساعدة، جعل المدينة هذا العام أكثر استعدادًا لاستقبال التدفق البشري، مع تعزيز نقاط المراقبة في محيط أماكن الحفلات وتوفير فرق للتدخل السريع.
ومع ذلك، لا يخفي بعض المواطنين قلقهم من حالات السرقة الصغيرة أو المضايقات التي ترافق عادة التجمعات الكبرى، مطالبين بحضور أمني أكثر قربًا من الجمهور.
اجتماعيًّا، تترك هذه المهرجانات أثرين متباينين: من جهة، هي مناسبة لتلاقي الثقافات وتعزيز صورة طنجة كمدينة كوزموبوليتيَّة تحتضن الفنون العالميَّة، ومن جهة أخرى، تثير جدلًا بشأن الفوارق الطبقيَّة عندما تبدو بعض العروض بعيدة عن هموم المواطن البسيط. كثيرون يرون أن إشراك الفرق المحليَّة والمواهب الشابة بشكل أكبر قد يمنح هذه التظاهرات طابعًا أقرب للناس ويحولها إلى فضاء لاستهلاك الفن ودعمه في آن واحد.
وبين المؤيدين والمنتقدين، تظلّ مهرجانات صيف طنجة مرآة تعكس التحولات العميقة التي تعرفها المدينة، بين طموحها لتثبيت مكانتها على خريطة السياحة الدوليَّة، وحاجتها لمعالجة اختلالات اجتماعيَّة واقتصاديَّة مزمنة.
وفي ظل هذا الجدل المستمر، يبقى السؤال مطروحا: هل تستطيع هذه التظاهرات أن تجمع بين المتعة الفنيَّة والإنصاف الاجتماعي، أم أنها ستظلّ عنوانا لصيف يلمع في واجهته وتبقى خلفه قضايا تنتظر حلولًا أعمق؟


