سياحة
طنجة تتألق استثماريًا وتخلو من ترفيه الصغار.. لماذا يهاب المستثمرون مغامرة ألعاب الأطفال بعروس الشمال؟
في وقت تحوَّلت فيه مدينة طنجة، خلال السنوات الأخيرة، إلى قاطرة حقيقية للاستثمار والاقتصاد بالمملكة، مستقطبة كبرى المشاريع العقارية والسياحية والصناعية، يثير الوضع الحالي لمراكز الترفيه وألعاب الأطفال استفهاما عريضا بشأن مفارقة صارخة: كيف لمدينة مترامية الأطراف، تعرف نموًا ديموغرافيًّا هائلًا وإقبالًا واسعًا للعائلات، أن تعاني خصاصًا مهولًا وصارخًا في الفضاءات الترفيهية المخصصة للناشئة؟
وبينما تتسابق رؤوس الأموال نحو المشاريع المربحة ذات المردودية السريعة، يبدو أن قطاع الترفيه الطفولي يسبح عكس التيار؛ حيث يفضل المستثمرون «التهرب» وتفادي خوض هذه المغامرة، مما يضع آلاف الأسر الطنجاوية أمام واقع مرير ومحدودية خيارات تكاد تقتصر على بعض الملاعب البسيطة أو الفضاءات الموسمية.
ويجمع مهتمون بالشأن الاقتصادي والعقاري بطنجة أن السبب الرئيسي وراء عزوف المستثمرين عن إحداث مراكز ترفيهية كبرى يعود بالأساس إلى الارتفاع الجنوني لأسعار العقار وسومه الإيجارية.
وفي هذا السياق، يُوضّح فاعل اقتصادي بالمدينة، فضَّل عدم ذكر اسمه، أنّ مشاريع ترفيه الأطفال تتطلب مساحات شاسعة ومفتوحة “سواء داخل المراكز التجاريّة الكبرى أو في بقع أرضية مستقلة” وغالبًا ما تكون المردودية المالية لهذه الفضاءات بطيئة وموسمية مقارنة بحجم الاستثمار الأولي الضخم المخصص للتجهيز ومعايير السلامة الدولية.
ويضيف المتحدّث ذاته لـ«لاديبيش» أنّ أثمان العقار في المحاور الحضرية لطنجة جعلت المستثمرين يتخوفون من عدم تغطية التكاليف التشغيلية الباهظة، لا سيَّما مع ارتفاع فواتير الطاقة والصيانة الدورية للتجهيزات الترفيهية. من جهة أخرى، يشتكي عدد من حاملي المشاريع من تعقيدات المساطر الإدارية وبطء مساطر الترخيص لمثل هذه الأنشطة الحساسة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسلامة الأطفال.
ويرى مهنيون أن غياب تحفيزات جبائية خاصة أو تسهيلات استثمارية موجهة خصِّيصَى للقطاعات الاجتماعية والترفيهية يزيد من تعميق الأزمة، إذ يجد المستثمر نفسه أمام دفاتر تحملات صارمة وتكاليف جبائية لا تفرق بين مشروع تجاري بحت ومرفق ترفيهي ذي طابع خدماتي واجتماعي يُسهم في التنشئة السليمة للطفل. هذا العزوف الاستثماري انعكس مباشرةً على الواقع اليومي للأسر الطنجاوية التي باتت تفتقر إلى فضاءات عصرية ومندمجة تجمع بين الترفيه والتربية والسلامة.
وفي غياب هذه البدائل، تجد العائلات نفسها مضطرة لارتياد المقاهي التي تفتقر بدورها لأبسط شروط لعب الأطفال، أو الاكتفاء بالمنتزهات العمومية التي تعاني “في كثير من الأحيان” الإهمال وغياب التجهيز الملائم.
وأمام هذا الوضع، تتقاطر النداءات على المجالس المنتخبة والسلطات المحلية والجهوية بطنجة، قصد وضع استراتيجية واضحة لتحفيز الاستثمار في قطاع الطفولة والشباب، وتخصيص أوعية عقارية بأثمنة تفاضلية لتشجيع الخواص على الاستثمار في متنفسات حقيقية تعيد البسمة لأطفال عروس الشمال وتنقذهم من وطأة الفراغ الترفيهي.


