تواصل معنا

سياسة

موائد كانت تُطبخ فيها التحالفات… أيـن تبـخّــرت إفطارات السياسة بــطـنــجـــة؟

على‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬اعتاده‭ ‬متتبعو‭ ‬الشأن‭ ‬السياسي‭ ‬المحلي،‭ ‬يمرُّ‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسجل‭ ‬تلك‭ ‬اللقاءات‭ ‬الرمضانية‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬التي‭ ‬ظلت،‭ ‬لسنوات،‭ ‬تشكل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬‮«‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الظل‮»‬،‭ ‬ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بموائد‭ ‬الإفطار‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينظمها‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭ ‬داخل‭ ‬منازلهم،‭ ‬بعناية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المدعوين،‭ ‬وبأهداف‭ ‬تتجاوز‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬رسائل‭ ‬سياسية‭ ‬مشفرة‭ ‬وتفاهمات‭ ‬تُطبخ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المنصات‭ ‬الحزبية‭ ‬الرسمية‭.‬

ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬بموائد‭ ‬الإفطار‭ ‬الحزبية‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬تنظمها‭ ‬الأحزاب‭ ‬لفائدة‭ ‬منخرطيها‭ ‬والمتعاطفين‭ ‬معها،‭ ‬بل‭ ‬بتلك‭ ‬اللقاءات‭ ‬الانتقائية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُدار‭ ‬بمنطق‭ ‬دقيق،‭ ‬حيث‭ ‬يُدعى‭ ‬البعض‭ ‬كمؤشر‭ ‬رضا‭ ‬وتقارب،‭ ‬ويُقصى‭ ‬آخرون‭ ‬كرسالة‭ ‬سياسية‭ ‬صامتة‭ ‬أو‭ ‬عقاب‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭. ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الحضور‭ ‬يضمُّ‭ ‬وجوهًا‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬تنظيمات‭ ‬سياسية‭ ‬أخرى،‭ ‬تجمعها‭ ‬بمنظم‭ ‬المائدة‭ ‬تقاطعات‭ ‬ظرفية‭ ‬أو‭ ‬مصالح‭ ‬انتخابية‭ ‬مؤجلة‭.‬

وعلى‭ ‬امتداد‭ ‬سنوات،‭ ‬ارتبطت‭ ‬هذه‭ ‬العادة‭ ‬الرمضانية‭ ‬بأسماء‭ ‬سياسية‭ ‬وازنة‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬الذين‭ ‬حرصوا،‭ ‬كل‭ ‬حسب‭ ‬موقعه‭ ‬وسياقه،‭ ‬على‭ ‬جعل‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار‭ ‬فضاءً‭ ‬غير‭ ‬رسمي‭ ‬للنقاش‭ ‬السياسي‭ ‬وتبادل‭ ‬الإشارات‭ ‬وبناء‭ ‬التفاهمات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬خلال‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬أو‭ ‬تواكب‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬محليًّا‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الموائد‭ ‬مجرد‭ ‬لحظات‭ ‬اجتماعية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ -‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭- ‬مناسبة‭ ‬لتمرير‭ ‬تلميحات‭ ‬حول‭ ‬تحالفات‭ ‬محتملة،‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬غير‭ ‬معلن،‭ ‬أو‭ ‬مبادرات‭ ‬سياسية‭ ‬قد‭ ‬ترى‭ ‬النور‭ ‬لاحقًا‭. ‬لذلك،‭ ‬كان‭ ‬اختفاؤها‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬محط‭ ‬تساؤل‭ ‬لدى‭ ‬المهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬العام،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أنَّها‭ ‬لطالما‭ ‬شكَّلت‭ ‬مؤشرًا‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬حرارة‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬وحركيته‭.‬

وحسب‭ ‬معطيات‭ ‬استقتها‭ ‬‮«‬لاديبيش‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬غالبية‭ ‬الرموز‭ ‬السياسية‭ ‬بطنجة،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬قيادات‭ ‬محسوبة‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬التجمع‭ ‬الوطني‭ ‬للأحرار،‭ ‬تتجه‭ ‬فعليًا‭ ‬نحو‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التقليد،‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬تراجع‭ ‬منسوب‭ ‬الانسجام‭ ‬السياسي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬نفسها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬توتر‭ ‬العلاقات‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفاعلين،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬جمعهم‭ ‬حول‭ ‬مائدة‭ ‬واحدة‭ ‬أمرًا‭ ‬بالغ‭ ‬التعقيد‭.‬

ويُعزّز‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أيضًا‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬يلفّ‭ ‬الأفق‭ ‬السياسي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬المقبلة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تحسم‭ ‬أغلب‭ ‬الأحزاب‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬هوية‭ ‬وكلاء‭ ‬لوائحها‭ ‬محليًّا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صراعات‭ ‬داخلية‭ ‬وضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬التزكيات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي،‭ ‬مما‭ ‬أفقد‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬الرمضانية‭ ‬جدواها‭ ‬التقليدية‭ ‬بوصفها‭ ‬فضاءً‭ ‬لجس‭ ‬النبض‭ ‬وبناء‭ ‬التوافقات‭.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬موائد‭ ‬الإفطار‭ ‬السياسية‭ ‬بطنجة‭ ‬لم‭ ‬تختفِ‭ ‬فقط‭ ‬بفعل‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬تغير‭ ‬أنماط‭ ‬التواصل،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬سياق‭ ‬سياسي‭ ‬مرتبك،‭ ‬تغلب‭ ‬عليه‭ ‬الحسابات‭ ‬الضيقة‭ ‬وانعدام‭ ‬الثقة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬السياسة‭ ‬تنسحب‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬فضاءاتها‭ ‬غير‭ ‬الرسمية،‭ ‬تاركة‭ ‬موائد‭ ‬الإفطار‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بلا‭ ‬سياسة،‭ ‬وبلا‭ ‬رسائل،‭ ‬وبلا‭ ‬كواليس‭.‬

بقـلم‭: ‬المختار‭ ‬لعروسي

تابعنا على الفيسبوك