تواصل معنا

آخر الأخبار

من دعم حزب الله إلى مساندة إيران.. هـل أصبـحت طـنـجـــة في قبضة تيارات تُصفي حساباتها مع الدولة عبر احتجاجات تدعم خصـومــها؟

إسلاميون‭ ‬ويساريون‭ ‬راديكاليون‭ ‬أصبحوا‭ ‬يحترفون‭ ‬الوقفات‭ ‬الاحتجاجية‭.. ‬والسلطات‭ ‬تغيّر‭ ‬لهجتها

ساعات‭ ‬فقط‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬كان‭ ‬نشطاء‭ ‬ينتمون‭ ‬لتيارات‭ ‬سياسية‭ ‬إسلامية‭ ‬ويسارية‭ ‬يتداولون‭ ‬دعوات‭ ‬للاحتجاج‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تبعدُ‭ ‬عن‭ ‬طهران‭ ‬بمسافة‭ ‬5200‭ ‬كيلومترًا‭ ‬جوًّا‭ ‬و7000‭ ‬كيلومترًا‭ ‬برًّا،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬دفع‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬للتساؤل‭ ‬عن‭ ‬سرّ‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الحماس‮»‬‭ ‬الاحتجاجي،‭ ‬الذي‭ ‬يكاد‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مدينة‭ ‬أخرى‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭.‬

لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ -‬تدريجيًّا‭- ‬تبدو‭ ‬كأنَّها‭ ‬ساحة‭ ‬جامعية‭ ‬مفتوحة‭ ‬أو‭ ‬نقابة‭ ‬راديكالية‭ ‬لا‭ ‬لغة‭ ‬تعلو‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬وضد‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬فهل‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬حقًّا‭ ‬بتحرّكات‭ ‬مبدئية‭ ‬ضد‭ ‬آلة‭ ‬الحرب؟‭ ‬أم‭ ‬بصريف‭ ‬مواقف‭ ‬سياسوية‭ ‬ظاهرها‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بباطنها؟

*إيــــران‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬غــــــزة

وبمجرد‭ ‬اندلاع‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬الحاد،‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬عقب‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭ – ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬محاولةٌ‭ ‬لنقل‭ ‬تداعيات‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬المحلي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬وقفة‭ ‬احتجاجية‭ ‬تضامنًا‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬بساحة‭ ‬إيبيريا‭ ‬وسط‭ ‬المدينة،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬تدخَّلت‭ ‬ومنعت‭ ‬تنظيم‭ ‬هذه‭ ‬الفعالية،‭ ‬مُعلّلةً‭ ‬قرارها‭ ‬بعدم‭ ‬احترام‭ ‬المنظّمين‭ ‬للمقتضيات‭ ‬القانونية‭ ‬المنظّمة‭ ‬للتجمعات‭ ‬العمومية‭.‬

ووفق‭ ‬المعطيات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬لولاية‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬فإن‭ ‬الدعوة‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تداولها‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لم‭ ‬تستوفِ‭ ‬الشروط‭ ‬المسطرية‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬التجمعات‭ ‬العمومية،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بواجب‭ ‬الإشعار‭ ‬القبلي‭ ‬لدى‭ ‬المصالح‭ ‬المختصة،‭ ‬وأكَّد‭ ‬المصدر‭ ‬ذاته،‭ ‬أنَّ‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التحرُّك‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬المساس‭ ‬بالنظام‭ ‬العام‭ ‬والأمن،‭ ‬ما‭ ‬استدعى‭ ‬إصدار‭ ‬قرار‭ ‬إداري‭ ‬يقضي‭ ‬بمنع‭ ‬تنظيم‭ ‬الوقفة‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬مسيرة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬العامة‭ ‬التابعة‭ ‬للمدينة‭.‬

الوقفة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬دعت‭ ‬إليها‭ ‬‮«‬الجبهة‭ ‬المغربية‭ ‬لدعم‭ ‬فلسطين‭ ‬ومناهضة‭ ‬التطبيع‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬إطار‭ ‬يضمُّ‭ ‬قوى‭ ‬يساريّة‭ ‬وإسلاميّة‭ ‬وحقوقيّة،‭ ‬لكن‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ -‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية‭- ‬أعضاء‭ ‬جماعة‭ ‬العدل‭ ‬والإحسان،‭ ‬وهي‭ ‬معروفة‭ ‬بمواقفها‭ ‬الرافضة‭ ‬لاتفاق‭ ‬استئناف‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬المُوقّع‭ ‬في‭ ‬دجنبر‭ ‬2020‭ ‬برعاية‭ ‬أمريكية،‭ ‬وقد‭ ‬بررت‭ ‬الجبهة‭ ‬دعوتها‭ ‬بالتنديد‭ ‬بما‭ ‬وصفته‭ ‬‮«‬بالعدوان‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إيران‮»‬،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تصعيد‭ ‬عسكري‭ ‬مباشر‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭.‬

وهذه‭ ‬المرة‭ ‬لم‭ ‬تُبدِ‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬أي‭ ‬ليونية‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬التحرُّك،‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬مع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الداعمة‭ ‬لغزة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب،‭ ‬ففي‭ ‬مساء‭ ‬السبت‭ ‬الماضي،‭ ‬طوَّقت‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬محيط‭ ‬ساحة‭ ‬إيبيريا‭ ‬قبيل‭ ‬الموعد‭ ‬المعلن‭ ‬للتجمُّع،‭ ‬ومنعت‭ ‬المتوافدين‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الوقفة،‭ ‬داعيةً‭ ‬إياهم‭ ‬إلى‭ ‬التفرُّق‭.‬

وأظهرت‭ ‬مقاطع‭ ‬متداولة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تجمُّع‭ ‬عشرات‭ ‬الأشخاص‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُفرَّقوا‭ ‬دون‭ ‬تسجيل‭ ‬صدامات‭ ‬واسعة،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬عكسته‭ ‬التسجيلات‭ ‬المصوّرة،‭ ‬كما‭ ‬أوكل‭ ‬تنفيذ‭ ‬قرار‭ ‬المنع‭ ‬إلى‭ ‬مصالح‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والقوات‭ ‬المساعدة‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬المختصّة،‭ ‬مع‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬أيَّ‭ ‬خرق‭ ‬سيعرض‭ ‬المسؤولين‭ ‬للمتابعة‭ ‬بموجب‭ ‬الفصل‭ (‬14‭) ‬من‭ ‬قانون‭ ‬التجمّعات‭ ‬العمومية‭.‬

في‭ ‬ظاهر‭ ‬الأمر،‭ ‬يندرج‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التفاعل‭ ‬الشعبي‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬عرفه‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬سابقة،‭ ‬خاصّة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬نقل‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ -‬الإسرائيلي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬أعمق‭ ‬حول‭ ‬منطق‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد،‭ ‬ومدى‭ ‬انسجامه‭ ‬مع‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬والسياسي‭ ‬للمغرب‭.‬

فالمملكة‭ ‬ليست‭ ‬طرفًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬في‭ ‬النزاع‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وطهران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬كما‭ ‬أنَّها‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬النطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬للصراع‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬تحويل‭ ‬مدن‭ ‬مغربية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬صراع‭ ‬إقليمي‭ ‬مُعقّد‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية،‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬ظرفية‭ ‬إقليمية‭ ‬دقيقة‭ ‬تتطلَّب‭ ‬قدرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الحيطة‭ ‬والاتِّزان‭ ‬في‭ ‬المواقف‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬معطًى‭ ‬سياسيًّا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلُه،‭ ‬يتمثَّلُ‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬جبهة‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬‭ ‬الانفصالية‭ ‬بطهران،‭ ‬فالمغرب‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أعلن‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬سابقة‭ ‬قطع‭ ‬علاقاته‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬دعمًا‭ ‬إيرانيًّا‭ ‬للجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬عبر‭ ‬أطراف‭ ‬إقليميّة،‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حساسية‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمملكة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أيَّ‭ ‬تعاطفٍ‭ ‬علنيٍّ‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي‭ ‬المغربي‭ ‬يثير‭ ‬إشكالًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬يتجاوز‭ ‬البعد‭ ‬الرمزي‭ ‬للاحتجاج‭.‬

وسبق‭ ‬للرباط‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬2018‭ ‬قطع‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬متهمة‭ ‬إيّاها‭ ‬بدعم‭ ‬جبهة‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬مباشرة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة،‭ ‬مما‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإيران‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬اليوم،‭ ‬وتعد‭ ‬المملكة‭ ‬أنَّ‭ ‬أي‭ ‬دعم‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬لوجستي‭ ‬للجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬يمس‭ ‬بأمنها‭ ‬الداخلي‭ ‬وسيادتها‭ ‬ووحدتها‭ ‬الترابية،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬سياسيًّا‭ ‬وأخلاقيًّا‭ ‬تبرير‭ ‬تنظيم‭ ‬وقفات‭ ‬تضامنية‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬تُتهم‭ ‬رسميًّا‭ ‬بدعم‭ ‬خصوم‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬يعدُّها‭ ‬أولوية‭ ‬وطنية‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬تحليلية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬محاولة‭ ‬إسقاط‭ ‬تداعيات‭ ‬صراع‭ ‬شرق‭ ‬أوسطي‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬مغربية‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬شمال‭ ‬البلاد،‭ ‬ذات‭ ‬ثقل‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسياحي،‭ ‬ومتاخمة‭ ‬للحدود‭ ‬مع‭ ‬الاتِّحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬الفوارق‭ ‬في‭ ‬السياقات‭ ‬والرهانات،‭ ‬فالمغرب،‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬وحدته‭ ‬الترابية‭ ‬وأمنه‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬أولوياته،‭ ‬ليس‭ ‬معنيًا‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬حاد‭ ‬بين‭ ‬محاور‭ ‬إقليمية‭ ‬متصارعة،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬يظل‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التحدّيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬القائمة‭.‬

القرار‭ ‬الإداري‭ ‬بمنع‭ ‬الوقفة،‭ ‬سواء‭ ‬اتَّفق‭ ‬معه‭ ‬البعض‭ ‬أم‭ ‬اختلفوا،‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬لتفادي‭ ‬أي‭ ‬انزلاق‭ ‬قد‭ ‬يحول‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬لصراعات‭ ‬خارجية،‭ ‬فالاحتجاج‭ ‬حقٌّ‭ ‬مكفولٌ‭ ‬قانونًا،‭ ‬لكنه‭ ‬مُؤطّر‭ ‬بمساطر‭ ‬واضحة‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬ومتطلبات‭ ‬النظام‭ ‬العام،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬توتر‭ ‬إقليمي‭ ‬قابل‭ ‬للاشتعال،‭ ‬تميل‭ ‬السلطات‭ ‬إلى‭ ‬تغليب‭ ‬مقاربة‭ ‬احترازية‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬توظيف‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬أمني‭ ‬محتمل‭.‬

وتكشف‭ ‬واقعة‭ ‬طنجة‭ ‬عن‭ ‬تداخل‭ ‬المحلي‭ ‬بالإقليمي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الأزمات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬لكنّها‭ ‬تطرح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬سؤالًا‭ ‬جوهريًّا‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬ينبغي‭ ‬للمدن‭ ‬المغربية‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬صدى‭ ‬لصراعات‭ ‬بعيدة‭ ‬جغرافيا‭ ‬ومركبة‭ ‬سياسيًّا؟‭ ‬وبين‭ ‬حق‭ ‬التضامن‭ ‬وواجب‭ ‬حماية‭ ‬الاستقرار،‭ ‬يبقى‭ ‬التحدّي‭ ‬قائمًا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬يحفظ‭ ‬للمغرب‭ ‬موقعه‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الحاد،‭ ‬ويصون‭ ‬أولوياته‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬إقليمية‭ ‬شديدة‭ ‬الاضطراب‭.‬

*مع‭ ‬خصوم‭ ‬المغرب‭.. ‬ضـــد‭ ‬أصـدقــــائــه

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬طنجة‭ ‬قد‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬عاصمة‭ ‬للاحتجاجات،‭ ‬خلال‭ ‬سنتين‭ ‬كاملتين‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬فإنّ‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬مبرراته‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تحوز‭ ‬على‭ ‬إجماع‭ ‬وطني‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المغاربة،‭ ‬وإلى‭ ‬الارتباط‭ ‬الوجداني‭ ‬بها‭ ‬الذي‭ ‬يُعزّز‭ ‬ترأس‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬للجنة‭ ‬القدس،‭ ‬رغم‭ ‬أنّها‭ ‬كانت‭ ‬تجنده‭ ‬أيضًا‭ ‬لدعم‭ ‬ميليشيات‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬تدريب‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا،‭ ‬بالنظر‭ ‬للعلاقات‭ ‬المتشابكة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬لأنَّ‭ ‬ردها‭ ‬على‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية‭-‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬استهدفتها‭ ‬كان‭ ‬موجهًا‭ ‬أساسًا‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭.‬

وبمنطق‭ ‬المصلحة،‭ ‬كانت‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تعرَّضت‭ ‬لهجمات‭ ‬إيرانية‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة،‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬البلدان‭ ‬الداعمة‭ ‬للسيادة‭ ‬المغربية‭ ‬على‭ ‬الصحراء،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يشمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الست،‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬وقطر‭ ‬والكويت‭ ‬والبحرين،‭ ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬والمنامة‭ ‬ذهبتا‭ ‬بعيدًا‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬حين‭ ‬دشنتا‭ ‬قنصلية‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬العيون‭ ‬أواخر‭ ‬سنة‭ ‬2021،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬بهما‭ ‬الأردن‭ ‬سنة‭ ‬2021،‭ ‬وهي‭ ‬بدورها‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬الإيراني‭.‬

توجّه‭ ‬‮«‬النشطاء‮»‬‭ ‬المناوئون‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬نحو‭ ‬خلق‭ ‬دينامية‭ ‬احتجاجية‭ ‬بديلة‭ ‬في‭ ‬طنجة،‭ ‬داعمة‭ ‬لإيران‭ ‬وحلفائها‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬لتعويض‭ ‬الخرجات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُحرّكها‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬تغفل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬مهم،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬الأولوية‭ ‬حاليًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للمغرب‭ ‬هي‭ ‬الطي‭ ‬النهائي‭ ‬لنزاع‭ ‬الصحراء،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬القرار‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬لمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬رقم‭ (‬2797‭) ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬الذي‭ ‬يحث‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬على‭ ‬التفاوض؛‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي‭.‬

وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تركيز‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬حاليًا‭ ‬منصب‭ ‬على‭ ‬الجولات‭ ‬التفاوضية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬برعاية‭ ‬ثنائية‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬جرت‭ ‬جولتاها‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬بمقر‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مدريد،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُستكمل‭ ‬الجولة‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬وهو‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬بأيام‭ ‬الضربة‭ ‬الأمريكية‭-‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬ويُنتظر‭ ‬أن‭ ‬يتواصل‭ ‬قريبًا‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬صياغة‭ ‬مشروع‭ ‬اتفاق‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ماي‭ ‬المقبل،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬لإنهاء‭ ‬النزاع‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬

ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يدعون‭ ‬لهذه‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الداعمة‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬طنجة،‭ ‬يلقون‭ ‬بالًا‭ ‬لهذا‭ ‬السياق‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّهم‭ ‬يتجاهلون‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬خصم‭ ‬للمصالح‭ ‬المغربية،‭ ‬وعدو‭ ‬لوحدته‭ ‬الترابية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تُعبّر‭ ‬عنه‭ ‬علنيًّا‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أمام‭ ‬اللجنة‭ ‬الرابعة‭ ‬التابعة‭ ‬للجمعية‭ ‬العامة‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬أعلنت‭ ‬الرباط‭ ‬قطع‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬بعدما‭ ‬سلمت‭ ‬لوزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬ملفًا‭ ‬متكاملًا‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬عملوا‭ ‬على‭ ‬تدريب‭ ‬وتسليح‭ ‬لجبهة‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬،‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬نسقتها‭ ‬السفارة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالجزائر،‭ ‬ووفق‭ ‬ما‭ ‬أعلنته‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬المغربية‭ ‬آنذاك،‭ ‬وقد‭ ‬شكَّل‭ ‬هذا‭ ‬التطوُّر‭ ‬منعطفًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

واتَّهم‭ ‬المغرب‭ ‬إيران‭ ‬بالذهاب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬كاشفًا‭ ‬عن‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬انخراطها‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬الجبهة‭ ‬بطائرات‭ ‬مسيرة،‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬أبلغت‭ ‬الرباط‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بهذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬حيث‭ ‬صرح‭ ‬السفير‭ ‬الممثل‭ ‬الدائم‭ ‬للمغرب‭ ‬لدى‭ ‬المنظمة،‭ ‬عمر‭ ‬هلال،‭ ‬بوجود‭ ‬دلائل‭ ‬على‭ ‬حصول‭ ‬جبهة‭ ‬‮«‬البوليساريو‮»‬‭ ‬على‭ ‬مُعدّات‭ ‬عسكرية‭ ‬إيرانية،‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬المملكة‭ ‬تصعيدًا‭ ‬نوعيًّا‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الدعم‭ ‬المقدم‭ ‬لها‭.‬

علاقة‭ ‬إيران‭ ‬بالبوليساريو‭ ‬مثبتة‭ ‬أيضًا‭ ‬لدى‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬وضع‭ ‬النائبان‭ ‬الأمريكيان‭ ‬جو‭ ‬ويلسون‭ ‬عن‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬وجيمي‭ ‬بانيتا‭ ‬عن‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي،‭ ‬مقترحًا‭ ‬تشريعيًّا‭ ‬داخل‭ ‬الكونغرس‭ ‬لتصنيف‭ ‬الجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬منظمة‭ ‬إرهابية،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬اعتبارها‭ ‬‮«‬ميليشيا‭ ‬ماركسية‭ ‬مدعومة‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬وروسيا‮»‬‭.‬

*ما‭ ‬الذي‭ ‬يريدونه‭ ‬حقًا؟

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬واقعة‭ ‬منع‭ ‬الوقفة‭ ‬التضامنية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الاحتجاجي‭ ‬الذي‭ ‬عاشته‭ ‬المدينة‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إبّان‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬2023‭ ‬و2025،‭ ‬فقد‭ ‬سجَّلت‭ ‬طنجة‭ ‬رقمًا‭ ‬قياسيًّا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدد‭ ‬الوقفات‭ ‬والمسيرات‭ ‬التضامنية،‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬إليها‭ ‬هيئات‭ ‬مدنية‭ ‬أو‭ ‬تنظيمات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬تنسيقيات‭ ‬شبابية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المدينة‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬بؤر‭ ‬التعبير‭ ‬الشعبي‭ ‬عن‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني‭.‬

في‭ ‬بدايات‭ ‬تلك‭ ‬التحرُّكات،‭ ‬ظل‭ ‬الطابع‭ ‬الغالب‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬الرمزي‭ ‬والسلمي‭ ‬عن‭ ‬التضامن،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬الشعارات‭ ‬وتنظيم‭ ‬مسيرات‭ ‬مرخصة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الساحات‭ ‬والشوارع‭ ‬الكبرى،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المبادرات‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انزلقت‭ ‬نحو‭ ‬مسارات‭ ‬أكثر‭ ‬توترًا،‭ ‬خرجت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬عن‭ ‬الإطار‭ ‬التضامني‭ ‬التقليدي،‭ ‬لتلامس‭ ‬حدود‭ ‬الاحتكاك‭ ‬المباشر‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭.‬

أبرز‭ ‬تلك‭ ‬المحطات‭ ‬كانت‭ ‬الدعوات‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬لاقتحام‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسطي،‭ ‬بدعوى‭ ‬منع‭ ‬مرور‭ ‬سفن‭ ‬يُشتبه‭ ‬في‭ ‬نقلها‭ ‬معدّات‭ ‬عسكرية‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬دعوات‭ ‬حركتها‭ ‬تيارات‭ ‬يسارية‭ ‬وإسلامية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬نشطاء‭ ‬ينتمون‭ ‬لحزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية،‭ ‬الذي‭ ‬وُقّعت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬حكومته‭ ‬الثانية‭ ‬اتفاقية‭ ‬عودة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتجارية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

آنذاك،‭ ‬عاشت‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬حالة‭ ‬استنفار‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬الميناء،‭ ‬وتمكنت‭ ‬السلطات‭ ‬من‭ ‬إيقاف‭ ‬مسيرة‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬المحتجين‭ ‬وفق‭ ‬أكثر‭ ‬التقديرات‭ ‬تفاؤلًا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الداعين‭ ‬إليها،‭ ‬وأظهرت‭ ‬الصور‭ ‬الواردة‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬المكان‭ ‬تجمعات‭ ‬كبيرة‭ ‬حاولت‭ ‬التقدُّم‭ ‬نحو‭ ‬المنشأة‭ ‬المينائية‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وحوض‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُطوّق‭ ‬وتُمنع‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أهدافها‭.‬

الأخطر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬محاولة‭ ‬الاقتحام،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬انتقال‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحراك‭ ‬نحو‭ ‬محيط‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المدينة،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بعمليات‭ ‬الاستيراد‭ ‬والتصدير‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬الشحن،‭ ‬باعتباره‭ ‬ميناءً‭ ‬موجهًا‭ ‬أساسًا‭ ‬للنقل‭ ‬السياحي‭ ‬وخط‭ ‬الملاحة‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬وطريفة،‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬غير‭ ‬المفهوم‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الاحتجاج‭ ‬طرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬دقة‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬بُنيت‭ ‬عليها‭ ‬الدعوات،‭ ‬وحول‭ ‬الأهداف‭ ‬الفعلية‭ ‬لبعض‭ ‬المحرضين‭.‬

وقد‭ ‬سبقت‭ ‬محاولة‭ ‬الاقتحام‭ ‬دعوات‭ ‬تحريضية‭ ‬ممنهجة‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬رافقتها‭ ‬لغة‭ ‬تصعيدية‭ ‬دفعت‭ ‬بالأحداث‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬المواجهة،‭ ‬وسجلت‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬صد‭ ‬المتجمهرين‭ ‬إصابات‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬بعض‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬حالات‭ ‬نزيف،‭ ‬ما‭ ‬أعطى‭ ‬الانطباع‭ ‬بأنَّ‭ ‬الاحتجاج‭ ‬خرج‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬الضغط‭ ‬الرمزي‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاشتباك‭ ‬الميداني‭.‬

وما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الصورة،‭ ‬أنَّ‭ ‬السفينة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬محور‭ ‬الجدل‭ ‬توجهت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬ليتضح‭ ‬لاحقًا‭ ‬أنَّها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحمل‭ ‬أي‭ ‬معدات‭ ‬عسكرية‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تداولها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المتعاطفين‭ ‬مع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تلك‭ ‬التحركات‭ ‬وجدواها،‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬فرضية‭ ‬‮«‬تسليح‭ ‬إسرائيل‭ ‬عبر‭ ‬الموانئ‭ ‬المغربية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬مُعطيات‭ ‬مؤكدة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أدَّت‭ ‬قناة‭ ‬‮«‬الجزيرة‮»‬‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬نحو‭ ‬فرضية‭ ‬استخدام‭ ‬الموانئ‭ ‬المغربية‭ ‬لنقل‭ ‬أسلحة‭ ‬ومعدات‭ ‬عسكرية‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬باتهامات‭ ‬أو‭ ‬شبهات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القناة‭ ‬نفسها‭ ‬عادت‭ ‬لاحقا‭ ‬لتنقل‭ ‬نفي‭ ‬الشركة‭ ‬المعنية‭ ‬بعملية‭ ‬النقل‭ ‬المفترضة،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬موجة‭ ‬الغضب‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭.‬

ويتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بشركة‭ ‬‮«‬ميرسك‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬بيانًا‭ ‬نفت‭ ‬فيه‭ ‬جميع‭ ‬الادِّعاءات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بنقل‭ ‬أسلحة‭ ‬أو‭ ‬ذخيرة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬نزاع‭ ‬نشطة‭ ‬عبر‭ ‬موانٍئ‭ ‬مغربية،‭ ‬وأكدت‭ ‬الشركة،‭ ‬التي‭ ‬يوجد‭ ‬مقرها‭ ‬في‭ ‬كوبنهاغن،‭ ‬أنَّها‭ ‬لا‭ ‬تنقل‭ ‬قطع‭ ‬غيار‭ ‬لطائرات‭ ‬F-35‭ ‬لصالح‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬مشدّدةً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬تداوله‭ ‬بشأن‭ ‬السفينتين‭ ‬Maersk Detroit وNexoe Maersk‭ ‬ادّعاء‭ ‬غير‭ ‬صحيح‭.‬

وأوضحت‭ ‬الشركة‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬شحناتها‭ ‬تخضع‭ ‬لتدقيق‭ ‬صارم‭ ‬للتأكُّد‭ ‬من‭ ‬توافقها‭ ‬مع‭ ‬القوانين‭ ‬والمعايير‭ ‬الدولية،‭ ‬وأنَّها‭ ‬تعتمد‭ ‬ضوابط‭ ‬واضحة‭ ‬لما‭ ‬يُقبل‭ ‬أو‭ ‬يُرفض‭ ‬من‭ ‬بضائع،‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭ ‬أو‭ ‬تمييز،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الشفافية‭ ‬والمسؤولية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬العمل،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التوضيح‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬روايات‭ ‬عديدة‭ ‬قد‭ ‬ترسخت‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬خطورة‭ ‬بناء‭ ‬مواقف‭ ‬ميدانية‭ ‬على‭ ‬معطيات‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مؤكدة‭.‬

انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬القريبة‭ ‬زمنيًّا،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬نقل‭ ‬انعكاسات‭ ‬صراعات‭ ‬إقليمية‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬المحلي‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التعبير‭ ‬السلمي،‭ ‬خاصّةً‭ ‬عندما‭ ‬تُبنى‭ ‬التحرُّكات‭ ‬على‭ ‬فرضيات‭ ‬أو‭ ‬تأويلات‭ ‬غير‭ ‬مثبتة،‭ ‬وبين‭ ‬حق‭ ‬الاحتجاج‭ ‬وواجب‭ ‬حماية‭ ‬المنشآت‭ ‬الحيوية،‭ ‬يظلُّ‭ ‬التحدي‭ ‬قائمًا‭ ‬لتفادي‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريوهات‭ ‬قد‭ ‬تضع‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬توترات‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بمصالحها‭ ‬ولا‭ ‬بموقع‭ ‬المغرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬والسياسي‭.‬

تابعنا على الفيسبوك