إقتصاد
من اقتصاد باب سبتة إلى اقتصاد ما بعد المعبر.. تطوان والمضيق والفنيدق.. حين يصبح الجوار الإسباني سؤالًا انتخابيًا لا يجد له مكانًا في البرامج الجاهزة
في تطوان والمضيق والفنيدق، لا يحتاج الناخب إلى كثيرٍ من الشرح حتى يدرك أن الاقتصاد المحلي لا يتحرك داخل الحدود الإدارية للمدن وحدها؛ هنا، وعلى امتداد المجال المتوسطي المحاذي لسبتة، تتداخل التجارة والسياحة والهجرة والعمل والخِدْمات والأسعار وحركة العابرين؛ لتصنع اقتصادًا محليًّا شديدَ الحساسية تجاه ما يحدث على الجانب الآخر من الحدود.
لهذا السبب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في الاستحقاقات الانتخابية بالمنطقة ليس فقط: من يمثلني؟ ولا: أي حزب سيحصل على صوتي؟ بل سؤال أكثر مباشرة وإلحاحًا: ماذا سيحدث للاقتصاد المحلي إذا تغيرت قواعد العلاقة مع الجوار الإسباني؟
ذلك أنَّ إغلاق معبر باب سبتة، والحد من الأنشطة المرتبطة “بما كان يعرف بتجارة التهريب المعيشي” لم يكن مجرد قرار يتعلّق بالحدود أو الجمارك. لقد كان تحوّلًا عميقًا في بنية اقتصاد اجتماعي كامل، خصوصًا في عمالة المضيق-الفنيدق. وتقر وثائق الصياغة التشاركية لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة بأن إغلاق المعبر والحد من الأنشطة المرتبطة بالتهريب خلّفا صعوبات في إعادة إدماج المتضررين، وخلق فرصَ شغل جديدة، مع تسجيل ضعف في العروض الاقتصادية الموجهة للشباب وارتفاع البطالة بالعمالة.
*ومن هنا تبدأ الحكاية الانتخابية الحقيقية
ففي الوقت الذي تتقدّم فيه الحملات السياسية عادةً بخطاب وطني واسع، يتحدّث عن التنمية والديمقراطية والتشغيل ومحاربة البطالة وتحسين الخِدْمات، يبحث الناخب في الفنيدق أو المضيق أو تطوان عن إجابة أكثر محلية: ما البديل الاقتصادي الذي سيمنح أبناء المنطقة دخلًا مستقرًّا لا يرتبط بفتح معبر أو إغلاقه، ولا بموسم سياحي أو حركة تجارية عابرة؟
*سبتة ليست مجرد جار.. إنها عامل اقتصادي حاضر في تفاصيل الحياة اليومية
قد تبدو سبتة، من منظور سياسي وإداري، ملفًا مرتبطًا بالحدود والسيادة والعلاقات المغربية الإسبانية؛ لكن من منظور اقتصادي واجتماعي محلي، الأمر أكثر تعقيدًا. فوجود سبتة على مسافة قريبة جعل المنطقة المحيطة بها تعيش لعقود على اقتصاد حدودي متنوع، استفادت منه فئات واسعة بطرق مختلفة، مباشرة وغير مباشرة. وحين تغيّرت قواعد هذا الاقتصاد، لم يتغيّر نشاط فئة مهنية محددة فقط، بل اهتزّت شبكة من المصالح والخِدْمات والأنشطة التجارية والنقل والاستهلاك.
وهذا ما يفسر لماذا لا يمكن التعامل مع سؤال البدائل الاقتصادية في المضيق والفنيدق باعتباره مجردَ ملف تقني. إنه سؤال يتعلق بإعادة بناء نموذج اقتصادي محلي جديد.
لقد جرى بالفعل إطلاق مشاريع وبرامج لمحاولة تعويض الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتحولات المرتبطة بمعبر باب سبتة. ومن أبرزها منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق، التي قُدمت باعتبارها أحد البدائل الاقتصادية لتجارة التهريب، وتضمُّ فضاءات للأنشطة التجارية والتوزيع والاستيراد، مع ربطها بمنظومة ميناء طنجة المتوسط. كما أطلقت منطقة الأنشطة الاقتصادية الجديدة بالفنيدق، المخصصة لأنشطة التوزيع والتجارة، وبدأت باستقبال عدد من التجار والمقاولين.
لكن وجود المشاريع لا يعني بالضرورة انتهاء السؤال. فالناخب لا يسأل فقط: هل توجد منطقة اقتصادية؟
بل يسأل: كم فرصة عمل خلقت؟ ولمن؟ وهل يستطيع الشاب الذي لا يملك رأسمالًا كبيرًا أن يدخل إليها؟ وهل يستفيد منها حامل الشهادة الجامعية؟ وهل يجد فيها الحرفي أو صاحب المشروع الصغير مكانًا؟ وهل تحوَّلت فعلًا إلى اقتصاد محلي قادر على امتصاص آثار اقتصاد الحدود القديم؟
وهنا تحديدًا تظهر الفجوة بين لغة المشاريع ولغة الحياة اليومية. البرنامج الغائب: ماذا بعد إغلاق الاقتصاد القديم؟
المفارقة أن النقاش بشأن البدائل الاقتصادية ليس غائبًا تمامًا عن المؤسسات العمومية. بالعكس، هناك برامج وخطط ومشاريع واضحة.
ففي إطار التصور التشاركي لبرنامج العمل الجهوي، طُرحت، بالنسبة إلى المضيق-الفنيدق، فكرة إنشاء منطقة للأنشطة الاقتصادية المتنوعة، إلى جانب منطقة للصناعات الرقمية، بهدف توفير فرص للشباب وحاملي الشهادات، والحدّ من البطالة والهجرة الداخلية والخارجية.
كما جرى في سنوات سابقة إطلاق برامج لدعم ريادة الأعمال والإدماج الاقتصادي بينها برنامج استهدف خلق آلاف فرص العمل عبر إحداث مقاولات، إلى جانب آليات للتكوين والمواكبة والتمويل.
لكن السؤال الذي ينبغي أن ينتقل من الوثائق المؤسساتية إلى الحملات الانتخابية هو: أين أصبحت هذه المشاريع في وعي الناخب؟ لماذا لا يتحول المرشح المحلي إلى طرف في نقاش عمومي عن مستقبل الاقتصاد الحدودي؟
ولماذا لا يقدم كل مرشح، بشكل واضح ومقارن، تصوّره لما يجب أن تكون عليه تطوان والمضيق والفنيدق اقتصاديًّا خلال السنوات المقبلة؟
*هذه هي “البرامج الغائبة“ التي ينبغي البحث عنها
وسط هذا الواقع، تظهر مسألة الثقة السياسية كإشكالية جوهرية؛ فالأزمة ليست بالضرورة غياب المشاريع من الوثائق الرسمية، وإنما غياب الرؤية السياسية المحلية المتماسكة الكفيلة بتحويل تلك المشاريع المتفرقة إلى عقد اقتصادي جديد للمنطقة.
الشباب لا يريد «التشغيل» بوصفه شعارًا.. بل يريد طريقًا واضحًا إليه، من أكثر الكلمات استعمالًا في الخطاب الانتخابي المغربي كلمة «التشغيل».
لكن شابًا في الفنيدق أو المضيق لا يحتاج إلى سماع وعد عام بمحاربة البطالة. هو يريد أن يعرف أين سيعمل.
هل سيكون المستقبل في التجارة؟ أم في السياحة؟ أم في الخدمات المرتبطة بميناء طنجة المتوسط؟ أم في الصناعات الغذائية؟ أم في الاقتصاد الرقمي؟ أم في اللوجستيك؟ أم في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟ أم في الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية؟ أم في الصناعات التقليدية؟ أم في الخدمات العابرة للحدود؟ أم في المقاولات الصغيرة المرتبطة بالسياحة؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تتحول إلى قلب البرنامج الانتخابي؛ فبرنامج التنمية الجهوية نفسه يتضمَّن توجهات نحو تنمية المناطق الصناعية الصغيرة الموجهة للمقاولين والتعاونيات الشابة، وتحديث الصناعات التقليدية، وتطوير الأنشطة السياحية وتحسين التجهيزات المرتبطة بها.
لكنَّ المشكلة أن هذه العناوين تظل واسعة ما لم تتحوّل إلى سلسلة واضحة من الإجراءات: التكوين، التمويل، العقار، التسويق، المواكبة، الولوج إلى الأسواق، الرقمنة، التصدير، وربط المقاولات المحلية بالمنظومات الاقتصادية الكبرى.
الشاب لا يريد أن يسمع فقط «سنشجع المقاولة»؛ إنَّما يريد أن يعرف: من سيمولني؟ أين سأعمل؟ كم سأدفع؟ من سيرافقني؟ كيف سأصل إلى السوق؟ وما الضمانة بأن المشروع لن ينتهي بعد سنة؟
وهذه الأسئلة أكثر أهمية انتخابيًّا من أي شعار حزبي. من «التهريب المعيشي» إلى اقتصاد منتج: المهمة الأصعب، كان الاقتصاد الحدودي القديم، بكل تناقضاته، يوفر دخلًا لفئات لم تكن تجد دائمًا مكانًا في الاقتصاد الرسمي.
ولهذا فإن بناء البديل لا يمكن أن يعني فقط استبدال النشاط القديم بمحل تجاري أو فضاء اقتصادي. البديل الحقيقي ينبغي أن يكون اقتصادًا منتجًا ومستدامًا، قادرًا على خلق قيمة مضافة محلية، وهنا يمكن أن تظهر قطاعات عدة.
أولها اللوجستيك والتوزيع، بالنظر إلى القرب من طنجة المتوسط والتحولات التي يعرفها الاقتصاد الجهوي. وثانيها السياحة، ليس باعتبارها سياحة شاطئية موسمية فقط، وإنَّما من خلال تطوير سياحة ثقافية وتاريخية وبيئية، وربط تطوان والمضيق والفنيدق في منتج سياحي واحد. وثالثها الاقتصاد الرقمي، وهو قطاع سبق أن اقترح ضمن التصورات التشاركية للمنطقة عبر فكرة منطقة للصناعات الرقمية تستهدف الشباب حاملي الشهادات والتكوينات المتخصصة. ورابعها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خاصّةً بالنسبة إلى النساء والشباب والحرفيين. وخامسها الصناعات الغذائية وتثمين المنتجات المحلية.
لكن كل هذه القطاعات تحتاج إلى سياسة محلية واضحة، وليس مجرد إدراجها في قائمة طويلة داخل برنامج انتخابي. الناخب الحدودي لا يصوت بالطريقة نفسها التي يصوت بها الناخب البعيد عن الحدود، هناك عامل آخر شديد الأهمية في فهم السلوك الانتخابي بالمنطقة. فالناخب في المدن الحدودية يعيش التحوُّلات الاقتصادية بشكل أسرع.
ارتفاع الأسعار في إسبانيا أو المغرب، تغير شروط العبور، تشدد المراقبة، تغير حركة السياح، أزمة قطاع معين، أو انتعاش نشاط آخر، يمكن أن تكون له انعكاسات ملموسة على حياته.
لذلك فإن انتظارات هذا الناخب تصبح أكثر براغماتية، وقد لا يكون السؤال عنده: أي حزب لديه الخطاب الأكثر جاذبية؟ بل: من يستطيع أن يجعل مدينتي أقل اعتمادًا على اقتصاد الحدود؟
ومن يستطيع أن يمنح ابني فرصة عمل؟ ومن يستطيع أن يضمن استمرار المشروع الذي بدأته؟ ومن يستطيع أن يجعل مدينتي تستفيد من موقعها بدل أن تكون مجرد منطقة عبور؟
هنا تصبح الجغرافيا الاقتصادية أقوى من الشعارات المركزية.
*تطوان أيضًا معنية.. لأن اقتصاد الحدود لا يتوقف عند الفنيدق
من الخطأ اختزال القضية في الفنيدق والمضيق وحدهما؛ فتطوان، بحكم قربها الجغرافي والاقتصادي، جزء من المجال نفسه.
وإذا كانت الفنيدق هي النقطة الأكثر التصاقًا بالحدود؛ فإنَّ تطوان تمثل مركزًا حضريًّا وتعليميًّا وخدماتيًّا يمكن أن يلعب دورًا أساسيًّا في الاقتصاد الجديد للمنطقة.
الجامعة، التكوين المهني، المؤسسات الصحية، التجارة، السياحة، الخدمات، الثقافة، والصناعات الإبداعية كلها يمكن أن تشكل حلقات في منظومة اقتصادية مشتركة. المشكلة أن المدن الثلاث غالبًا ما تُناقش كل واحدة على حدة؛ في حين أن السؤال الاقتصادي يتطلب النظر إليها كـ«منظومة حضرية متكاملة»؛ فالشاب قد يسكن في الفنيدق، يدرس في تطوان، ويتلقى تكوينًا في مؤسسة تقع خارج المدينتين، بينما يبحث عن العمل في قطاع يرتبط بطنجة أو بسبتة أو بالسياحة. إذن لماذا لا يكون هناك تصور اقتصادي موحد للمنطقة؟
*المشكلة ليست في غياب المشاريع فقط.. بل في غياب قياس النتائج
أحد الأسئلة التي يجب أن يطرحها الصحفي والناخب معًا هو: ماذا حدث للبرامج التي أطلقت منذ سنوات؟ فالجهة تحدثت عن برامج للإدماج الاقتصادي وريادة الأعمال، كما أطلقت مؤسسات عمومية مشاريع لمواكبة الإقلاع الاقتصادي بعمالة المضيق-الفنيدق. لكن الديمقراطية المحلية لا تكتفي بإعلان المشروع، إنها تسأل عن النتيجة. كم مشروعًا استمر؟ كم وظيفة دائمة خلق؟ كم شابًا استفاد؟ كم امرأة دخلت سوق العمل؟ ما حجم الاستثمار الخاص الذي جذبته المنطقة؟ ما القطاعات التي نجحت؟ ما القطاعات التي فشلت؟ ولماذا؟ هذه الأرقام يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش انتخابي جدّي؛ فالناخب لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر حاجته إلى كشف حساب اقتصادي.
*البرنامج الذي ينتظره شباب الثغور
لو أردنا اختزال انتظارات الناخبين في برنامج محلي عملي، فقد يبدأ من ستة محاور؛ أولها: وظائف مرتبطة بالاقتصاد الجديد، عبر تكوين الشباب في اللوجستيك، التجارة الدولية، الرقمنة، السياحة، اللغات والخدمات؛ ثانيًّا: تسهيل ولوج الشباب إلى العقار الاقتصادي؛ لأنّ المقاول الصغير لا يستطيع منافسة المستثمر الكبير في كلفة العقار؛ ثالثًا: تمويل المشاريع الصغيرة، مع مواكبة حقيقية وليس مجرد منح أولية؛ رابعًا: اقتصاد سياحي طوال السنة، حتى لا تبقى المدينة رهينة أشهر الصيف؛ خامسًا: ربط تطوان والمضيق والفنيدق بشبكة اقتصادية واحدة، بدل التعامل معها كجزر منفصلة؛ سادسًا: إنشاء آلية محلية لتتبع هذه التحولات المرتبطة بالحدود، تجمع المنتخبين والإدارة والقطاع الخاص والجامعة والمجتمع المدني، بهدف دراسة انعكاسات أي تغيير في حركة العبور أو التجارة أو السياحة. هذه ليست أحلامًا انتخابية؛ إنّها أسئلة عملية يمكن قياس نتائجها.
بين شعار «التنمية» وحقيقة المدينة، ربَّما تكمن المشكلة الأساسية في أنَّ الأحزاب تأتي أحيانًا إلى المدن الحدودية بالخطاب نفسه الذي تقدمه في مدن أخرى، لكن المدينة الحدودية ليست مدينة عادية.
لها اقتصادها، وحساسياتها، وتاريخها، وعلاقاتها التجارية والاجتماعية، وتحدياتها الخاصة، ولهذا فإن نسخ برنامج مركزي وإعادة تقديمه للناخب المحلي قد لا يكون كافيًّا.
الناخب في تطوان والمضيق والفنيدق يريد أن يشعر بأن المرشح يعرف مدينته فعلًا، يعرف لماذا أغلقت بعض الأنشطة؟ يعرف ماذا حدث للتجار.
يعرف لماذا يبحث الشباب عن فرص خارج المنطقة. يعرف أن السياحة الموسمية لا تكفي. يعرف أن منطقة اقتصادية جديدة لا تصبح ناجحة بمجرد افتتاحها، ويعرف، قبل كل شيء، أن الموقع الحدودي يمكن أن يكون فرصة كما يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف.
*الانتخابات المقبلة.. امتحان للخيال الاقتصادي المحلي
إذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من التحوُّلات التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، فهو أن الاقتصاد المحلي لا يمكن أن يستمرّ إلى الأبد بالاعتماد على نموذج واحد.
إغلاق معبر باب سبتة كشف هشاشة جزء من الاقتصاد الذي نشأ حول الحدود، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام سؤال أكبر: ماذا نريد من هذه المدن بعد نهاية النموذج القديم؟ هل نريدها مجرد فضاء سكني قريب من سبتة؟ أم مركزًا تجاريًّا؟ أم قطبًا سياحيًّا؟ أم منصة لوجستيكية؟ أم مدينة رقمية؟ أم مزيجًا من كل ذلك؟
الجواب يجب ألّا يأتي من الرباط وحدها، ولا من طنجة وحدها، ولا من البرامج المركزية للأحزاب. يجب أن يأتي من نقاش محلي حقيقي.
وهنا يمكن للانتخابات أن تكون أكثر من منافسة على المقاعد؛ يمكن أن تكون مناسبة لإجبار المرشحين على تقديم أجوبة دقيقة حول مستقبل الاقتصاد.
السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا.. في نهاية المطاف، لا يبدو أن سكان تطوان والمضيق والفنيدق يرفضون فكرة التنمية، ولا المشاريع التي أطلقتها الدولة والمؤسسات الجهوية. لكنَّهم يريدون معرفة ما إذا كانت هذه المشاريع ستتحول إلى اقتصاد قادر على الاستمرار بعد تراجع النموذج الحدودي القديم. وهنا تحديدًا تكمن أهمية السؤال الانتخابي، ماذا سيقترح المرشح للشاب الذي لم يعد يجد في اقتصاد الحدود مصدر رزقه، ولم يجد بعد مكانه في الاقتصاد الجديد؟ هذا الشاب لا يحتاج إلى شعار عن «تشجيع الاستثمار»، بل إلى مسار واضح من التكوين إلى التمويل إلى المشروع إلى السوق.
ولا يحتاج التاجر إلى حديث عام عن «التنمية المحلية»، بل إلى معرفة كيف ستُفتح أمامه الأسواق وكيف ستُخفض كلفة ممارسة النشاط وكيف سيستفيد من موقع المنطقة.
ولا تحتاج المرأة التي كانت مرتبطة بأنشطة اقتصادية مرتبطة بالحدود إلى وعود فضفاضة حول «تمكين المرأة»، بل إلى مشروع قابل للحياة، وتمويل، وتسويق، ومواكبة.
ولا تحتاج المدن الثلاث إلى مزيد من الحديث عن موقعها الاستراتيجي، بل إلى خطة تجعل هذا الموقع قيمة اقتصادية محلية.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا قد يكون الجوار الإسباني حاضرًا بقوة في خيارات الناخب، حتى عندما لا يرد اسمه في البرامج الانتخابية. فالناخب لا يصوت على الكلمات فقط؛ إنّه يصوت على تجربته اليومية. والحدود، بالنسبة إلى سكان تطوان والمضيق والفنيدق، ليست خطًا مرسومًا على الخريطة. إنها اقتصاد، وذاكرة، وفرص، ومخاطر، وأحلام، ومهن اختفت، ومهن جديدة لم تولد بعد.
ومن هنا، فإنَّ المعركة الانتخابية الحقيقية قد لا تكون بين هذا الحزب أو ذاك، بقدر ما بين نموذج اقتصادي انتهى تدريجيًّا، ونموذج جديد لم يكتمل بعد.
والمرشح الذي يستطيع أن يشرح للناخب كيف سينتقل بهذه المدن من اقتصاد يعتمد على ما يحدث وراء الحدود إلى اقتصاد يستفيد من موقعه دون أن يصبح أسيرًا له، سيكون قد اقترب أكثر من جوهر السؤال الذي يشغل سكان المنطقة؛ أما الاكتفاء بالشعارات المركزية الجاهزة، فسيترك السؤال معلّقًا:
بعد سبتة… ماذا أعددتم لشباب تطوان والمضيق والفنيدق؟ ذلك، في النهاية، هو السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب أي برنامج انتخابي محلي جاد.


