إقتصاد
كأس إفريقيا يفتح شهية التجارة بطنجة.. المولات والأسواق الشعبية تراهن على «الفرجة» لإنعاش المبيعات
مع اقتراب موعد كأس إفريقيا للأمم، تتحوّل طنجة، كما باقي المدن المغربية، إلى ورش تجاري مفتوح، حيث تستعد المولات الكبرى والأسواق الشعبية -على حد سواء- لاقتناص الفرصة التي تتيحها هذه التظاهرة القارية، ليس فقط من باب التشجيع الكروي، بل باعتبارها موسمًا استهلاكيًا بامتياز.
في جولة داخل عدد من الفضاءات التجارية بالمدينة، يلاحظ الزائر مبكرًا ملامح الاستعداد: شاشات عملاقة تُعرض في الواجهات، تخفيضات موسمية غير معلنة، وعروض ترويجية مرتبطة بالمنتخب الوطني، في محاولة لاستدراج الزبائن ورفع منسوب الإقبال، الذي غالبًا ما يرتفع خلال فترات المباريات الكبرى.
*المولات تراهن على “التجربة الجماعية”
في المراكز التجارية الكبرى بطنجة، لم يعد الرهان منصبًا فقط على بيع السلع، بل على خلق تجربة متكاملة للزبون.
إدارات بعض المولات شرعت في تجهيز فضاءات مخصصة لبثّ المباريات، مع عروض تهمُّ المطاعم والمقاهي ودور السينما، في استثمار واضح في فكرة «المشاهدة الجماعية» التي تحولت إلى منتج تجاري بحدّ ذاته.
مسؤول بأحد المراكز التجارية أوضح أنَّ فترات كأس إفريقيا تشهد عادةً ارتفاعًا في عدد الزوار بنسبة قد تصل إلى 30%، خصوصًا في أيام مباريات المنتخب المغربي، مشيرًا إلى أن العائلات تفضل قضاء الوقت داخل فضاءات آمنة ومكيفة، تجمع بين الترفيه والاستهلاك.
وتراهن هذه المراكز أيضًا على تسويق المنتوجات المرتبطة بالحدث، من أقمصة المنتخبات إلى الإكسسوارات والمنتجات الإلكترونية، خاصّةً الشاشات وأجهزة الاستقبال، التي تعرف ذروةً في الطلب قبيل انطلاق المنافسات.
*الأسواق الشعبية.. انـتعاش موسمي بطــعـــم الحــــذر
على الطرف الآخر، تعيش الأسواق الشعبية بطنجة، من بني مكادة إلى مرشان والسوق البراني، حركية خاصة مع اقتراب كأس إفريقيا.
الباعة يعرضون الأعلام، والقمصان، والصفّارات، والقبعات بألوان المنتخبات، مع تركيز واضح على «الأسود»، باعتبارهم المحرك الأساسي للمبيعات.
غير أن هذا الانتعاش يظل، بحسب عدد من التجار، «موسميا وهشًّا». أحد الباعة بسوق بني مكادة أكَّد أن الطلب يرتفع بشكل ملحوظ في الأيام التي تسبق المباريات الحاسمة، لكنه يبقى مرتبطًا بنتائج المنتخب، «فالفوز ينعش السوق، والهزيمة تجمده فجأة».
ويشتكي تجار آخرون من ارتفاع كلفة التزوّد بالبضائع، خاصّةً المستوردة منها، ما يحد من هامش الربح، في ظل قدرة شرائية ضعيفة لشرائح واسعة من الزبائن، الذين يبحثون عن الأرخص دون اعتبار كبير للجودة.
*المقاهي.. المستفيد الأكبر
إذا كانت المولات والأسواق تتقاسم الكعكة، فإنَّ المقاهي تظلّ -وفق متتبعين- المستفيد الأكبر من كأس إفريقيا. في أحياء متعدّدة من طنجة، شرع أرباب المقاهي في تجديد الشاشات، تحسين الصوتيات، وحتى إعادة ترتيب الفضاءات، استعدادًا لتدفق الزبائن خلال المباريات.
مصدر مهني أوضح أن رقم معاملات بعض المقاهي يتضاعف -خلال هذه المُدّة- خصوصًا في المباريات المسائية، حيث تتحوّل المقاهي إلى فضاءات تجمع بين الرياضة والنقاش السياسي والاجتماعي، في مشهد بات مألوفًا مع كل تظاهرة كروية كبرى.
*فرصة اقتصادية.. أم مسكن ظرفي؟
رغم هذا الحراك، يطرح فاعلون اقتصاديون تساؤلات حول مدى قدرة مثل هذه التظاهرات على خلق انتعاش حقيقي ومستدام.
فبالنسبة لهم، يظل الأثر الاقتصادي لكأس إفريقيا ظرفيًا، ولا يعالج الإشكالات البنيوية التي تُعانيها التجارة المحلّيَّة، من ضعف الاستهلاك إلى غلاء الإيجارات والضرائب.
خبير اقتصادي اعتبر أنَّ الرهان الحقيقي يجب أن ينصبّ على تحويل هذه المناسبات إلى محطات لتشجيع المنتوج المحلي، وتنظيم أنشطة موازية، بدل الاكتفاء بمنطق «البيع السريع» المرتبط بالحدث.
*طنجة بين الحلم الكروي والواقع الاقتصادي
في المحصلة، تعكس كأس إفريقيا بطنجة صورةَ مدينة تعرف كيف تتفاعل مع الحدث، وتبحث عن متنفس اقتصادي في زمن صعب.
بين مولات تستثمر في «الفرجة المنظمة»، وأسواق شعبية تراهن على العاطفة الكروية، تبقى الكرة، مرة أخرى، أكثر من مجرد لعبة، بل محركًا مؤقتًا لاقتصاد مدينة تبحث عن استدامة الانتعاش، لا مجرد نشوة عابرة.


