آخر الأخبار
قضايا السحر والشعوذة تغزو محاكم طنجة مجددًا.. هل أصبحت المدينة مرتعًا للخرافة في زمن التكنولوجيا؟
أعمالُ نصب واحتيال باسم الكنوز وجرائمُ اختطاف واغتصاب من أجل «الجن».. وحتى السياسة لها نصيب
تشهد مدينة طنجة في السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في قضايا السحر والشعوذة والبحث عن الكنوز، بعدما كانت هذه الممارسات تُصنَّف في خانة الخرافات التي بدأت في التراجع مع انتشار التعليم والتكنولوجيا الحديثة، إلى جانب الاحتكاك المباشر للمدينة مع الثقافة الأوروبيّة بسبب الجغرافيا والتاريخ، غير أنَّ المحاكم والأجهزة الأمنية عادت لتتعامل مع ملفاتٍ صادمةٍ تعيد إلى الواجهة طقوسًا غامضةً، يختلط فيها الطمع بالجهل، وتستغل فيها عقول ضحايا يبحثون عن الثروة السريعة أو حلول سحرية لمشكلاتهم.
طنجة التي تعيش على إيقاع مشاريع كبرى وانفتاح اقتصادي متسارع، تجد نفسها في المقابل أمام ظاهرة تُذكر بأزمنة مضت، حيث ما زالت فئاتٌ واسعةٌ من المواطنين تؤمن بإمكانية استخراج الكنوز المخبأة تحت الأرض بمساعدة «فقهاء» ووسط أجواء من الطقوس السحرية، أو بفضل «طفل زهري» الذي يُنظر إليه باعتباره مفتاحًا لعوالم خفية.
هذه الاعتقادات لم تبقَ مجرد أحاديث شعبية، بل تحوَّلت إلى جرائمَ خطيرةٍ تورّط فيها رجال أعمال وأشخاص نافذون، وحتّى أناس يُظهرون أنفسهم في العلن على أنَّهم فقهاء ومتدينون، وهو ما تكشفه مجموعة من القضايا الحديثة التي كاد بعضها أن يتحوَّل إلى جرائمَ قتل بشعة، وهي تجعل من طنجة مركزًا للنقاش الوطني حول انتشار مظاهر الجهل والتخلُّف.
أثـريـاء فـي شــرك الشـعــوذة
إحدى تلك القضايا التي هزَّت طنجة مؤخرًا، ترتبط بفصول محاكمة عصابة منظمة احترفت النصب على أثرياء ورجال أعمال، بعد أن أوهمتهم بقدرتها على تسوية ملفات حسّاسة بفضل قربها المزعوم من شخصيات نافذة في الدولة، والأخطر من ذلك أنَّ أفراد العصابة لم يترددوا في ادّعاء توفرهم على صلات مباشرة بالعائلة الملكية، ما منحهم مصداقية زائفة لدى الضحايا.
تفاصيل الملف كشفت أنَّ العصابة لم تكتفِ بادِّعاء النفوذ، بل أدخلت عنصرَ الشعوذة في عملياتها، حيث أوهمت أحد رجال الأعمال بوجود كنزٍ مدفونٍ في أرض معينة، وزعمت أن امتلاكه لن يتحقق إلا عبر طقوس خاصة لطرد الجن الذي يحرسه. أما الضحية، وهو ثري معروف في المدينة، فقد انطلت عليه الحيلة ودفع مبالغَ ماليةً ضخمةً وصلت إلى سبع مليارات سنتيم، في انتظار لحظة الثراء الأسطوري.
المحكمة الابتدائية لطنجة قضت بأحكام تراوحت بين ثلاث وسبع سنوات سجنًا في حق أفراد العصابة، كان أبرزهم العقل المدبر المدعو «أ.أ» الذي حُكم عليه بسبع سنوات نافذة، فيما نال «ع.ح»، نجل برلماني سابق، خمس سنوات سجنًا، كما أُدين موظفٌ سابق بوزارة العدل إلى جانب آخرين بعقوبات مختلفة، بينما ظل «فقيه» مزعوم من بين المتهمين يواجه حكمًا بستّ سنوات وتعويضًا مدنيًّا قدره 100 ألف درهم.
هذه القضية أبانت، أن الخرافة حين تختلط بالطمع تتحوَّل إلى أداة نصب محكمة، حيث استعان أفراد العصابة بأشخاص تنكّروا في هيئة «جن» لإرعاب الضحية ودفعه إلى ضخّ مزيد من الأموال، في مشهد يقترب من السينما أكثر منه إلى الواقع، غير أنَّ الأمور انكشفت سنة 2024، بعد شجار أبناء الضحية على زعيم العصابة، ما فتح الباب أمام سلسلة من التحقيقات أسقطت جميع المتورطين.
اخـتطــاف مـن أجـل القــرابـيـن
قضية أخرى شغلت الرأي العام بطنجة تعلَّقت باختطاف طفلين، في واقعة ارتبطت مباشرة بمعتقدات حول ما يُعرف بـ«الطفل الزهري»، وهذه الخرافة القديمة تفترض أنَّ الأطفال ذوي الصفات الجسدية المميّزة، مثل اختلاف لون العينين أو وجود خطوط خاصة في اليدين، يملكون قدرات سحرية تخوّلهم فتح أبواب الكنوز المدفونة، وسبق أن كانت خلف جرائم بشعة في حق أطفال قُدّموا «قرابين» للجنّ، وفق مزاعم المتورطين.
وفي 7 أكتوبر 2025، يُرتقب أن تعقد محكمة الاستئناف جلسةً ساخنةً للنظر في هذا الملف، بعدما أفاد طفلان أنَّهما تعرضا للاختطاف وهما في طريقهما إلى المدرسة واحتُجزا داخل مرآب مظلم، لكن لحسن الحظ تمكّنا من الهرب وإبلاغ أسرهما، ما عجّل بتوقيف المتهم الرئيسي الذي تقرَّرت إحالته على المحكمة في حالة سراح.
التحقيقات كشفت أنَّ المستهدف الحقيقي كان طفلًا بعيون ذات ألوان مميزة، ما دفع المحكمة إلى استدعائه للتحقّق من صحة الادِّعاءات، في حين أنَّ المتهم -من جهته- نفى أي علاقة له بالسحر أو استخراج الكنوز، غير أنَّ الشبهات ظلت قوية بالنظر إلى تكرار مثل هذه الممارسات في المغرب، إذ تُحذّر تقارير حقوقية من استغلال الأطفال في طقوس غامضة تُهدّد سلامتهم الجسدية والنفسية.
هذه القضية سلَّطت الضوء مجددًا على المخاطر التي يواجهها الأطفال في طنجة، خصوصا في الأحياء الهامشية، إذ يمكن أن يصبحوا هدفًا لشبكات تستغل سذاجة الأهالي وضعف مراقبتهم لأبنائهم وانتشار الخرافة، بل إنَّ تاريخ الجرائم في المغرب وثق تضحية أشخاص بأطفال من أقاربهم وجيرانهم سعيًا وراء تحقيق خرافة أثبت العلم والدين ألا أساس لها من الصحة.
θ”كــنــز “ في القرية الريـاضية
قضية أخرى لا تقل إثارة شهدتها مدينة طنجة، إذ تمكَّنت عناصر فرقة الدراجين بولاية الأمن في الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء 13 فبراير 2024، من توقيف شخصين متلبسين بحفر حفرة كبيرة خلف المسبح الأولمبي بالقرية الرياضية بمنطقة «الزياتن»، والمفاجأة كانت أن أحد الموقوفين شيخ في الثانية والثمانين من عمره، فيما يرافقه شاب في الثلاثينيات، وهو ما يبرز أن هوس الكنوز لا يميز بين الأجيال.
العملية تمت بناء على معلومات دقيقة حول وجود أشخاص يحفرون في تلة مشبوهة، وعند انتقال عناصر الأمن تمَّ ضبط المشتبه فيهما فيما لاذ آخران بالفرار مستغلين الظلام، المحجوزات كانت بدورها دالة على الطابع السحري للعملية، إذ عُثر على فؤوسٍ ومعدات حفر إلى جانب بخور وكتب وطلاسم تستعمل في طقوس استخراج الكنوز، حسب ما كشفت عنه مصادر أمنية لوسائل إعلام محلية.
القضية أحيلت على النيابة العامة التي أمرت بفتح تحقيق معمق، لمعرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة فردية أو بشبكة منظمة، في حين أنَّ مصادر قريبة من الملف أشارت إلى أن المنطقة شهدت في السابق محاولات مماثلة، ما يعكس الاعتقاد السائد بوجود «دفائن» ثمينة، رغم أن الخبراء يؤكدون أنَّ أغلب هذه المزاعم مجرد سراب يقود أصحابه إلى السجون.
اغتصاب تحت ستار الرقية
وهناك قصة أخرى جرت منذ فترة غير بعيدة، تُبرز مدى المآسي الذي قد يحدثها هوس الخرافة والسحر، حيث أحالت المصالح الأمنية بمدينة طنجة شخصًا يبلغ من العمر 29 سنة على أنظار النيابة العامة المختصّة، للاشتباه بتورطه في ممارسات تتعلق بالشعوذة وارتكاب اعتداءات جنسية، هذه القضية التي جرى الكشف عنها مطلع يناير 2023 تسلط الضوء مجددًا على الإشكاليات المرتبطة بظاهرة استغلال «الرقية الشرعية» والشعوذة في بعض الأوساط، وتحولها إلى وسيلة للإيقاع بالضحايا، خاصّةً من النساء.
القضية تفجَّرت بعد أن تقدَّمت شقيقتان بشكاية رسمية لدى مصالح الأمن، تتهمان فيها المشتبه فيه بالاعتداء عليهما جنسيًّا تحت ذريعة إخضاعهما لجلسات رقية داخل المدينة، هذه الشهادات دفعت الفرقة الحضرية للشرطة القضائية بمنطقة أمن بني مكادة إلى فتح بحثٍ قضائيٍّ، انتهى بتحديد هوية المشتبه فيه وتوقيفه.
وخلال عملية التفتيش، ضبطت عناصر الأمن بحوزة المعني بالأمر مجموعةً من الأدوات والتمائم المستعملة في ممارسات مرتبطة بالشعوذة، إضافة إلى خمسة هواتف محمولة وُجدت بداخلها تسجيلات رقمية يُشتبه في ارتباطها بالأفعال الإجراميّة المنسوبة إليه، هذه الهواتف أحيلت على الخبرات التقنية للتأكّد من طبيعة محتواها، والكشف عن أي امتدادات أخرى محتملة للقضية، وقد جرى وضع الموقوف مباشرة رهن تدبير الحراسة النظرية بإشراف النيابة العامة، في انتظار استكمال البحوث لكشف جميع ملابسات هذه القضية وخلفياتها، والتعرف على ما إذا كانت هناك ضحايا أخريات.
وتُؤكّد هذه الواقعة مرة أخرى خطورة ظاهرة الشعوذة حين تتحوَّل إلى غطاء لممارسات تمس بالسلامة الجسدية والنفسية للأفراد، خصوصًا عندما تتم تغطيتها بعباءة الممارسات الدينيّة، من أجل استغلال هشاشة بعض الفئات الاجتماعية، كما يُبرز الدور الحاسم للأجهزة الأمنية في تتبع هذه الملفات المعقدة، التي تتقاطع فيها الجوانب الدينيَّة والثقافيَّة مع أفعال جرمية واضحة، تستدعي الحزم في معالجتها لضمان حماية الضحايا وردع المتورطين.
السحر حتى في السياسة
ظاهرة السحر والشعوذة بطنجة، تخطّت حدود الفئات الشعبية والأحياء الفقيرة والأسر ذات التعليم المحدود، لتصل إلى مستويات أخرى، لدرجة أنَّها طرقت أبواب العديد من المنتخبين الذين يفترض أنهم يمثلون جزءًا من النخب السياسية في المدينة، وأنَّ همهم الرئيسي هو تدبير الشأن العام بكثير من المنطق والحنكة، غير أنَّ الوصول إلى القرن الحادي والعشرين، والتطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، وانتشار المعرفة في كل مكان، كل ذلك لم يكن كافيًّا بالنسبة للعديدين بالعودة إلى صوابهم.
وبعيدا عن الحكايات التي يتم تداولها على نطاق محدود وسط الجلسات المغلقة، حول اعتماد بعض منتخبين على «الفقهاء» و«الشوافات»، فإن مدينة طنجة كانت على موعد مع حدث تحول إلى كوميديا سوداء، حين ادَّعى أشخاص عبر فيديو تم نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، أنهم عثروا على صـــــور وطـــــــــلاسم داخــــل وعـــــاء مـن الفخار كان مدفونًا في منطقة معزولة بجمـــاعة اكزنــــاية، وتلك الصور تعود لمنتـــــخبيــــن مــــن مـــجلس مقـــاطعة بني مكــــادة، بمن فيهـــــم رئيســـــــها محمد الحمامي.
هذه الحادثة، التي لم يُتحقّق -إلى الآن- من مصداقيتها، كانت كفيلة بجلب الكثير من السخرية للعمل السياسي في مدينة طنجة من المغرب بأسره، خصوصًا بعدما تحول إلى ملف للنقاش في دورة مجلس المقاطعة شهر يناير 2025، وانقسم العديد من المنتخبين، بين من يتمتم كلمات يرجوا بها الوقاية من السحر، وبين من رأوا في الأمر مادّةً للسخرية ودليلًا على الحالة المتردية الذي وصل إليها النقاش العمومي داخل أكبر مقاطعة في المغرب.
بين الردع والحاجة للوعي
وبعيدًا عن القراءات المختلفة لأسباب هذه العودة السريعة لمظاهر الجهل والخرافة، فإنَّ الأحداث التي يتم تداولها داخل المحاكم، ورغم اختلاف تفاصيلها، تكشف وجهًا كئيبًا لظاهرة كانت راسخة في الثقافة الشعبية المغربية، إذ يُنظر إلى الأرض باعتبارها خزّانًا لكنوز دفنتها حضارات قديمة أو مخلفات عسكرية أجنبية، مع مرور الزمن تطوَّرت الحكايات لتشمل الجن والشعوذة، لتصبح هذه الممارسات سوقًا سوداءَ تتداخل فيها الأوهام مع الجرائم، ويُنظر إلى السحر بأنه وسيلة لتحقيق الطموحات والآمال.
السلطات الأمنية في طنجة تعاملت خلال السنوات الأخيرة مع عشرات القضايا المشابهة، بعضها لم يُعلن عنه إعلاميًّا، لكنها تعكس حجم انتشار الظاهرة، ورغم حملات التوعية الرسمية وعبر وسائل الإعلام التي تفضح الشعوذة، فإن طلب خدمات «الفقيه» و«الشوافة» لا يزال قائما، سواء لحلّ المشكلات العائلية أو لاستخراج الكنوز المزعومة، أو حتّى للوصول إلى منصب سياسي.
الأخطر أن هذه الممارسات تجد في الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية أرضًا خصبة، فالأشخاص الذين يطاردون الثراء السريع والجاه والمنصب، غالبًا ما يكونون ضحايا الإحباط أو العجز عن تحسين أوضاعهم، فينجرون وراء وعود سحرية، وهو ما يُفسّر أن من بين المتورطين رجالَ أعمال يبحثون عن مضاعفة ثرواتهم بطرق غير مشروعة، أو الوصول إلى مناصب المسؤولية، حتّى لو كان ثمن ذلك حياة إنسان.
لذلك فإنَّ الكثير من المراقبين للشأن العام المحلي يرون أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على العقوبات القضائية فقط، بل تتطلَّب عملًا متكاملًا يشمل التوعية والتعليم وتطوير الوعي النقدي لدى الناشئة. فطالما بقيت الثقافة الشعبية تُمجّد قصص الكنوز المدفونة وتمنح للدجالين مكانة خاصّة، فإن السوق سيظل قائمًا.
ففي طنجة، المدينة التي تتعايش فيها الأبراج حديثة تنمُّ عن ترف العيش، مع أحياء شعبية تحتفظ بذاكرة الأساطير، يبدو التناقض صارخا، فمن جهة نراها واجهة لمغرب مُنفتح يطمح إلى التحول الرقمي، لدرجة احتضانها مدينة للتكنولوجيا، ومن جهة أخرى تُسجَّل فيها قضايا حفر ليلي وشعوذة وطقوس غامضة، وهذه المفارقة تضع المسؤولين أمام تحدّي تعزيز الثقافة العلمية ومحاربة الخرافة باعتبارها مدخلًا لجرائم تمسّ النظام العام وتهدد سلامة الأفراد.
الأكيد أن القصص المتداولة التي شهدتها طنجة ليست سوى أمثلة على واقع أكبر يمتد إلى مدن وقرى مغربية أخرى، غير أنَّ صداها الإعلامي والقضائي جعلها دليلًا على أن الشعوذة والسحر والخرافات لم تختفِ، بل عادت بقوة في ثوبٍ جديدٍ، مستفيدةً من وسائل حديثة للتواصل والترويج، وبينما تستعد محاكم المدينة لمواصلة النظر في هذه الملفات، يظل السؤال مطروحًا: هل تكفي الأحكام القضائية وحدها لوقف زحف الجهل، أم أنَّ الأمر يتطلَّب ثورةً فكريّةً وثقافيَّةً تعيد الاعتبار للعقل والعلم؟


