إقتصاد
طنجة والأمن الطاقي العابر للقارات.. هكذا ستصبح المدينة ومحيطُها فـضاءً لنقـل الغــاز الطبـيـعي الإفـريقـي صـوب أوروبـــا
عاصمة البوغاز تحظى بدور مركزي في المخزون الاستراتيجي الوطني بعد نجاحها في إنقاذ إسبانيا من الظلام
وبرزت مدينة طنجة في مُقدّمة الرؤية الطاقيَّة الجديدة للمغرب، باعتبارها أحد أهمّ المراكز التي ستستفيد من مشروع البنية التحتيَّة الغازيَّة السياديَّة، الذي تستعد المملكة لإطلاقه فعليًّا خلال المُدّة المقبلة، مما ينسجم مع ما سبق أن دعا إليه الملك محمد السادس، قبل أربع سنوات، كما ينضاف إلى دورها المركزي الحالي في تأمين الربط الكهربائي المتبادل مع أوروبا من جهة، وضمان مشروع الأمن الطاقي الاستراتيجي في منطقة غرب إفريقيا، من جهة أخرى.
هذا المشروع الضخم، الذي يربط شمال البلاد بوسطها وجنوبها، يجعل من طنجة أيضًا بوابةً استراتيجيَّةً في منظومة الربط الطاقي بين إفريقيا وأوروبا، وفق ما أكَّدته وزيرة الانتقال الطاقي والتنميَّة المستدامة، ليلى بنعلي، خلال مشاركتها، يوم 14 نونبر 2025 بالداخلة، في الدورة الخامسة لمنتدى «المغرب الدبلوماسي-الصحراء»، حيث أكَّدت تصريحاتها، أنَّ مدينة طنجة أصبحت تتمتّع بدور مزدوج، عبر تأمين الربط الطاقي بين أطراف المملكة، وبين إفريقيا وأوروبا.
طنجة وخط الغاز الطبيعي
وأوضحت الوزيرة ليلى بنعلي، أنَّ الصحراء ذات الواجهة الأطلسيَّة مرشحة لتتحوَّل إلى «ممر استراتيجي للربط وفك العزلة بين قارتين»، بفضل المشاريع الطاقيَّة الكبرى التي أطلقت تحت قيادة الملك محمد السادس، في إشارة إلى الربط الطاقي الإفريقي الأوروبي المار عبر طنجة، وأبرزت أنَّ المغرب يوجد «على وشك الإطلاق الفعلي لبنيته التحتيَّة الغازيَّة السياديَّة»، وهي خطوةٌ مفصليَّةٌ ستُعزّز قدرات المملكة في مجال الربط الإقليمي والدولي.
وتشمل هذه البنية محطّة استقبال الغاز في ميناء الناظور غرب المتوسط الجديد، إضافة إلى شبكة من الأنابيب الغازيَّة التي ستمرُّ عبر طنجة والقنيطرة والمحمديَّة، لربط شمال المملكة ووسطها بأهم الأقطاب الصناعيَّة والكهربائيَّة، وهو ما يذكر بالدور المركزي الذي يضطلع به ميناء طنجة المتوسطي أيضًا في تأمين تزويد المواطنين المغاربة بالمحروقات والغاز الطبيعي المسال.
وأكدت الوزيرة بنعلي، أنَّ هذا المشروع يرتبط مباشرةً بالمرحلة الأولى من أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، المعروف سابقا باسم خط الغاز نيجيريا-المغرب، الذي أعيدت تسميتُه في دجنبر الماضي بقرار مشترك لوزراء الدول الإفريقيَّة المعنيَّة، واعتبرت أن هذا الأنبوب يتجاوز دوره التقليدي كقناة لنقل الغاز، ليصبح «أداة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي بين شمال وغرب إفريقيا، ورافعة لفك العزلة الإقليميَّة».
وفي السياق ذاته، سلطت الوزيرة الضوء على مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وموريتانيا، الذي سيُعزّز تبادل الكهرباء ويُؤسّس لسوق طاقيَّة إقليميَّة تمتدّ على طول المحور الأطلسي، وأضافت أنَّ هذه الديناميَّة تدخل ضِمن توسيع الربط الكهربائي بين المغرب وكلّ من إسبانيا والبرتغال وفرنسا، إلى جانب مشاريع مستقبليَّة للربط بخطوط عاليَّة الجهد المستمرHVDC، بما يدعم مكانة المغرب بوصفه ممرًا طاقيًّا بين القارتين، وهو ما يحيل أيضًا على دور مدينة طنجة في عمليَّة النقل المتبادل للطاقة الكهربائيَّة، خصوصًا عبر المحطة الحراريَّة لتاهدارت، ومحطة فرديوة للربط الكهربائي بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيريَّة.
وتطرَّقت بنعلي إلى ممر OTC (الإنتاج، العبور، التصديق)، الذي سيُعلن رسميًّا في 24 نونبر 2025، خلال المؤتمر الدولي للمناجم بالمغرب، مشيرةً إلى أهميته الاستراتيجيَّة في تعزيز البنية الطاقيَّة الوطنيَّة، وذلك خلال الدورة الخامسة لمنتدى «المغرب الدبلوماسي-الصحراء» المنظم تحت شعار «50 سنة على المسيرة الخضراء.. الوحدة الوطنيَّة والطموح القاري».
وفيما يتعلّق بالأقاليم الجنوبيَّة، كشفت الوزيرة، عن أنَّ هذه الأقاليم تتوفّر حاليًا على قدرة تفوق 1,5 جيغاواط من الطاقات المتجددة، باستثمارات تجاوزت 20 مليار درهم، مع مخطط لإضافة 1,5 جيغاواط إضافيَّة بحلول 2030، وهو ما يتطلَّب تركيب قدرات تعادل ما تحقق خلال العشرين سنة الماضيَّة، ولكن في ظرف أقل من خمس سنوات.
وإذا كانت الوزيرة بنعلي، قد أكَّدت -خلال مداخلتها- أنَّ الصحراء المغربيَّة ستستعيد دورها التاريخي كـ«ملتقى طرق للربط والتبادل بين الشمال والجنوب»، فإنها أحالت أيضًا على الدور المركزي لمنطقة شمال المملكة، وتحديدًا عاصمة البوغاز، من خلال التطرُّق إلى أن هذا الربط يتم «من طنجة إلى بورت هاركورت»، ليكون في خدمة تنميَّة مشتركة ومستدامة.
تنفيذ رؤية الأمن الطاقي الملكيَّة
ويرتبط دور مدينة طنجة في ورش الأمن الطاقي، بتوجيهات ملكيَّة تعود إلى خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعيَّة الأولى من الولاية الحاديَّة عشرة، أمام البرلمان بمجلسيه، بتاريخ 8 أكتوبر 2021، الذي تزامن آنذاك مع جائحة كورونا، حيث جاء في نصف أنَّ الأزمة الوبائيَّة أبانت «عن عودة قضايا السيادة للواجهة والتسابق من أجل تحصينها في مختلف أبعادها، الصحيَّة والطاقيَّة والصناعيَّة والغذائيَّة وغيرها، مع ما يواكب ذلك من تعصب من طرف البعض».
وقال العاهل المغربي أنه «إذا كان المغرب قد تمكَّن من تدبير حاجياته، وتزويد الأسواق بالمواد الأساسيَّة، بكميات كافيَّة وبطريقة عاديَّة، فإنَّ العديد من الدول سجلت اختلالاتٍ كبيرةً في توفير هذه المواد وتوزيعها»، مضيفًا «لذا، نُشدّد على ضرورة إحداث منظومة وطنيَّة متكاملة، تتعلق بالمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسيَّة، لا سيَّما الغذائيَّة والصحيَّة والطاقيَّة، والعمل على التحيين المُستمرّ للحاجيات الوطنيَّة، بما يعزز الأمن الاستراتيجي للبلاد».
وقد شهدت واردات المغرب من الغاز الطبيعي خلال السنة الماضيَّة ارتفاعًا ملحوظا بنسبة تقارب 3%، بعدما بلغ إجمالي الكميات المتدفقة نحو المملكة نحو 886 مليون متر مكعب، وهذا التطوُّر، الذي أكَّدته منصة «الطاقة» المتخصصة في فبراير المنصرم، يعكس الديناميَّة المتزايدة التي بات يعرفها قطاع الغاز في المغرب، سواء في مجال الاستهلاك أو البنية التحتيَّة أو مخططات التحوُّل الطاقي.
وقد لعب خط الأنابيب المغاربي – الأوروبي المار عبر مدينة طنجة الذي تتحكَّم فيه شركة «ميتراغاز»، دورًا محوريًّا في تأمين هذا التدفق، خصوصًا في المنطقة الشماليَّة، على اعتبار أنَّه مرتبط بالمحطة الحراريَّة «تهدارت» ما بين طنجة وأصيلة، ومحطة «عين بني مطهر» بنواحي وجدة، اللتين تنتجان الكهرباء، وهذا الخط يستعيد دورًا استراتيجيًّا جديدًا بعد مُدّة من توقف وظيفته الأصليَّة، حين رفضت الجزائر الاستمرار في عمليات تصدير الغاز نحو إسبانيا عبره سنة 2021.
فرغم أنَّ الخط كان يُستعمل سابقًا في نقل الغاز الجزائري نحو أوروبا عبر الأراضي المغربيَّة، فإنَّه تحوّل منذ 2022 إلى قناة عكسيَّة تُستخدم لإرسال الغاز المسال الذي يُعاد تغويزه في المحطات الإسبانيَّة قبل ضخّه من جديد في الاتِّجاه المعاكس نحو المغرب، وتشير المعطيات إلى أنَّ الكميات التي دخلت عبر هذا الخط، الذي يمر بمنطقة «الجبيلات» بطنجة قبل أن يتَّجه نحو القنيطرة ثم إلى وسط المملكة، قد ارتفعت بما يناهز 25 مليون متر مكعب خلال سنة واحدة، ليصل مجموعها إلى نحو 861 مليون متر مكعب.
وتُعد طنجة، بحكم موقعها الجغرافي القريب من عُقدة الربط الطاقي بين المغرب وإسبانيا، عنصرًا مُهمًّا في المنظومة اللوجيستيَّة لهذا التدفق الغازي، إذ يُشكّل مرور الخط عبر الشمال عاملًا أساسيًّا في تأمين التوازن بين مستقبلات الغاز ومحطاته الاستهلاكيَّة، خاصّةً أن البنية التحتيَّة في المنطقة تضمُّ منشآت كهربائيَّة وصناعيَّة تتطلب استقرارًا في التزويد.
وعلى مستوى الإيقاع الشهري للواردات، شهد شهرا غشت ويوليوز 2024، أعلى كميَّة مسجلة خلال السنة الماضيَّة، حيث بلغ حجم الواردات في كل شهر حوالي 85 مليون متر مكعب، ما يعكس ذروة الطلب خلال مُدّة الصيف نتيجة شدة الاستهلاك، وفي المقابل، كان شهر فبراير الأدنى من حيث الاستيراد، بواقع 43 مليون متر مكعب فقط.
وتكشف معطيات منصة «الطاقة» ومقرها واشنطن، أنَّ الغاز المستورد يُلبّي ما يقارب 95% من حاجيات المغرب السنوية، وهو ما يبرز حجم اعتماد البلاد على الواردات، في انتظار تعزيز قدرات الإنتاج المحلي عبر مشاريع التنقيب الجاريَّة في عدد من الأحواض البريَّة والبحريَّة، وللغاز المورد عبر الخط المغاربي – الأوروبي دورٌ أساسيٌّ في تشغيل المحطّتين الحراريتين المذكورتين لتوليد الكهرباء، اللتين تؤمنان نحو 10% من إجمالي الطلب الوطني على الطاقة الكهربائيَّة، وتُعد محطة تهدارت، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترًا من طنجة، أحد أهم المستفيدين من استقرار تدفق الغاز في المنطقة الشماليَّة، ما يمنح لطنجة وزنًا إضافيًّا في هذه المنظومة الطاقيَّة، كما يُمثّل خطّ تأمين للربط الكهربائي الخاص بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة عمومًا.
وفي إطار التحوُّل الطاقي الذي تتبناه المملكة، تُؤكّد وزارة الانتقال الطاقي والتنميَّة المستدامة أنَّ الغاز الطبيعي يُمثّل الركيزة المكملة للطاقة المتجدّدة، باعتباره الوقود الأحفوري الأقل تلويثًا للبيئة، والأكثر ملاءمةً للاندماج في منظومة طاقيَّة تعتمد على الشمس والرياح، وقد شددت الوزيرة ليلى بنعلي في مناسبات عديدة على أنّ «الغاز الطبيعي ليس مجرد مصدر للطاقة، بل عنصر أساسي لضمان مرونة النظام الكهربائي الوطني، ولمواكبة النمو الصناعي والاقتصادي المتسارع، خصوصًا في الأقاليم الشماليَّة».
وأضافت الوزيرة، أنَّ الحكومة نجحت خلال العامين الماضيين في «خلق بيئة استثماريَّة واضحة وجاذبة» بقطاع الغاز، بعد مُدّة تراجع اهتمام الفاعلين الخواص به، وأوضحت أنَّ هذا التوجّه الجديد أسفر عن استقطاب مستثمرين وشركات دوليَّة مهتمة بالتنقيب والتطوير، معتبرة أنَّ «الفرص اليوم واعدة، ليس فقط في الإنتاج، بل أيضًا في اللوجستيك والبنيات التحتيَّة»، حيث سبق لها أن توقّعت بروز نتائج إيجابيَّة في عمليات التنقيب القائمة بنواحي طنجة والعرائش.
وتعمل الوزارة حاليًا على تنزيل خارطة طريق وطنيَّة للغاز، تُقدّر كلفة تنفيذ بنيتها التحتيَّة بنحو 43 مليار درهم، وتشمل هذه الخارطة إنشاء الشبكة الوطنيَّة للغاز، ومحطّات الاستقبال والتخزين، وربط المناطق الصناعيَّة بالمصادر الجديدة للطاقة، وهو ما سيُسهم، حسب بنعلي، في «خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة»، مع تعزيز تنافسيَّة الصناعات المغربيَّة، خصوصًا في محاور التطوير الصناعي الكبرى مثل طنجة والقنيطرة والدار البيضاء.
وفي إطار تقليص التبعيَّة لإسبانيا في إعادة التغويز، أعلن المغرب في أبريل من السنة الماضيَّة، عن مشروع إنشاء ثلاث محطات لاستقبال وتحويل الغاز الطبيعي المسال على المدى القصير والمتوسط والطويل، في كلّ من ميناء الناظور غرب المتوسط، إضافة إلى محطّتين على الواجهة الأطلسيَّة، ورغم ذلك، لا يزال المغرب يعتمد، إلى حدود الساعة، على البنية التحتيَّة الإسبانيَّة في استقبال الغاز المسال وتحويله إلى حالته الغازيَّة قبل ضخه عبر الخط الذي يمر من الشمال المغربي، وهو ما يجعل طنجة مرة أخرى جزءًا محوريًّا في هذه العمليَّة العابرة للحدود.
وهكذا يتَّضح أنَّ التحوُّل الطاقي المغربي لا يقتصر فقط على دمج الطاقات المتجدّدة وتوسيع القدرات الإنتاجيَّة، بل يُعزّز أيضًا بنية الغاز الطبيعي، الذي أصبح اليوم عنصرًا رئيسيًّا في ضمان الأمن الطاقي للمملكة، مع دور متزايد لمدينة طنجة بحكم موقعها الاستراتيجي ضمن منظومة الأنابيب العابرة نحو العمق المغربي، في انتظار أدوار أكبر عند إنجاز المشروع الاستراتيجي لخط الغاز الإفريقي الأطلسي مستقبلًا.
نجاحٌ في إنقاذ الجيران
دور طنجة ونواحيها في تأمين الربط الطاقي مع أوروبا، برز بوضوح شهر أبريل الماضي، حين أدَّى الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي شهدته إسبانيا مطلع الأسبوع مناسبة جديدة إلى تسليط الضوء على الدور الاستراتيجي الذي باتت تضطلع به محطة «فرديوة» الكهربائيَّة الواقعة بالقصر الصغير، باعتبارها إحدى أهم مفاصل الربط الطاقي بين ضفتي المتوسط، وركيزة محوريَّة في منظومة الأمن الطاقي الأوروبي. وقد برزت قيمة هذا المرفق الحيوي خلال الأزمة الأخيرة، حيث أسهم في إعادة الإمدادات بسرعة نحو الجنوب الإسباني، خصوصًا منطقة الأندلس، مما جنّب مدريد اضطرابات اقتصاديَّة جسيمة.
محطة «فرديوة» ليست مجرد منشأة تقنيَّة على الشريط الساحلي المغربي، بل هي اليوم شريان أساسي ضمن البنية التحتيَّة العابرة للحدود التي تربط المغرب بإسبانيا والبرتغال، وتُعدّ أحد المراكز الأكثر تقدمًا في القارة من حيث قدرات التحكم والاستشعار. فهي تعمل بقدرة تصل إلى 1400 ميغاواط، مُوزّعة على خطّي ربط بحريين نُفِّذ في مرحلتين، الأولى سنة 1997 والثانيَّة سنة 2006، ما مكّن من مضاعفة قدرة التبادل وتطوير آليات الاستجابة خلال تقلبات السوق أو الأزمات الطارئة.
ويُربط بين محطة فرديوة ومحطة طريفة بجنوب إسبانيا عبر شبكة REMO، من خلال ثلاثة كابلات بحريَّة تمتد على مسافة 29 كيلومترًا تحت مياه مضيق جبل طارق، وتصل إلى أعماق تناهز 620 مترا، هذا العمق والتعقيد التقني يستوجبان أنظمة حماية متطورة جدا، وهو ما يتوفر في المنشأة المغربيَّة التي تستعمل تجهيزات مراقبة دقيقة وتقنيات استشعار تسمح بالتدخل الفوري وتدبير أي خلل يمكن أن يُؤثّر في استقرار الشبكتين المغربيَّة والإيبيريَّة.
وقد أثبتت الأزمة الأخيرة، أنَّ هذا الربط ليس مجرد وسيلة تقنيَّة لتبادل الكهرباء، بل آليَّة حقيقيَّة لضمان الأمن الطاقي الإقليمي، فالمغرب استطاع، بفضل قدراته الإنتاجيَّة المتزايدة واستثماراته الكبيرة في الطاقات المتجددة والغاز الطبيعي، أن يمُدَّ إسبانيا والبرتغال بالكهرباء في لحظة حرجة، الأمر الذي أشاد به رئيس الحكومة الإسبانيَّة بيدرو سانشيز بشكل رسمي وعلني، معبِّرًا عن تقديره للدور المغربي في الحفاظ على استقرار الشبكة الإيبيريَّة خلال الانقطاع الأخير.
وتبرز هذه التطوُّرات التحوُّل العميق الذي يشهده المغرب في مجال تموقعه الطاقي، فبعد أن كان بلدًا مستوردًا خالصًا للطاقة، أصبح اليوم فاعلًا محوريًا في التوازن الإقليمي، ومصدرًا موثوقًا للكهرباء نحو أوروبا. كما أن موقعه الجغرافي عند نقطة التقاء القارتين، مرفوقا باستثماراته المتواصلة في الطاقات الخضراء والربط العابر للحدود، يعزز دوره بوصفه جسرًا طاقيًّا لا غنى عنه.
إنَّ محطة «فرديوة» ليست مجرد عنصر تقني في شبكة كهربائيَّة، بل عنوان لشراكة استراتيجيَّة متينة بين ضفتي المتوسط، ورمز لدور المغرب المتنامي في حماية أمن الطاقة الأوروبي، ومع توسيع خطوط الربط المستقبليَّة والتوجه نحو مشاريع الهيدروجين الأخضر، يبدو واضحًا أنَّ هذا الدور مرشح للتعاظم، وأن محطة القصر الصغير ستظل إحدى الدعائم الكبرى لضمان استقرار الطاقة في جنوب أوروبا لسنوات طويلة قادمة.


