تواصل معنا

إقتصاد

طنجة والأمن الطاقي العابر للقارات.. هكذا ستصبح المدينة ومحيطُها فـضاءً لنقـل الغــاز الطبـيـعي الإفـريقـي صـوب أوروبـــا

عاصمة‭ ‬البوغاز‭ ‬تحظى‭ ‬بدور‭ ‬مركزي‭ ‬في‭ ‬المخزون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الوطني‭ ‬بعد‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬إسبانيا‭ ‬من‭ ‬الظلام

وبرزت‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬مُقدّمة‭ ‬الرؤية‭ ‬الطاقيَّة‭ ‬الجديدة‭ ‬للمغرب،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أهمّ‭ ‬المراكز‭ ‬التي‭ ‬ستستفيد‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬البنية‭ ‬التحتيَّة‭ ‬الغازيَّة‭ ‬السياديَّة،‭ ‬الذي‭ ‬تستعد‭ ‬المملكة‭ ‬لإطلاقه‭ ‬فعليًّا‭ ‬خلال‭ ‬المُدّة‭ ‬المقبلة،‭ ‬مما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬قبل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬كما‭ ‬ينضاف‭ ‬إلى‭ ‬دورها‭ ‬المركزي‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬المتبادل‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وضمان‭ ‬مشروع‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬غرب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الضخم،‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬شمال‭ ‬البلاد‭ ‬بوسطها‭ ‬وجنوبها،‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬طنجة‭ ‬أيضًا‭ ‬بوابةً‭ ‬استراتيجيَّةً‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الربط‭ ‬الطاقي‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أكَّدته‭ ‬وزيرة‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬والتنميَّة‭ ‬المستدامة،‭ ‬ليلى‭ ‬بنعلي،‭ ‬خلال‭ ‬مشاركتها،‭ ‬يوم‭ ‬14‭ ‬نونبر‭ ‬2025‭ ‬بالداخلة،‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬لمنتدى‭ ‬‮«‬المغرب‭ ‬الدبلوماسي‭-‬الصحراء‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬أكَّدت‭ ‬تصريحاتها،‭ ‬أنَّ‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬أصبحت‭ ‬تتمتّع‭ ‬بدور‭ ‬مزدوج،‭ ‬عبر‭ ‬تأمين‭ ‬الربط‭ ‬الطاقي‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬المملكة،‭ ‬وبين‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأوروبا‭.‬

طنجة‭ ‬وخط‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي

وأوضحت‭ ‬الوزيرة‭ ‬ليلى‭ ‬بنعلي،‭ ‬أنَّ‭ ‬الصحراء‭ ‬ذات‭ ‬الواجهة‭ ‬الأطلسيَّة‭ ‬مرشحة‭ ‬لتتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ممر‭ ‬استراتيجي‭ ‬للربط‭ ‬وفك‭ ‬العزلة‭ ‬بين‭ ‬قارتين‮»‬،‭ ‬بفضل‭ ‬المشاريع‭ ‬الطاقيَّة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الربط‭ ‬الطاقي‭ ‬الإفريقي‭ ‬الأوروبي‭ ‬المار‭ ‬عبر‭ ‬طنجة،‭ ‬وأبرزت‭ ‬أنَّ‭ ‬المغرب‭ ‬يوجد‭ ‬‮«‬على‭ ‬وشك‭ ‬الإطلاق‭ ‬الفعلي‭ ‬لبنيته‭ ‬التحتيَّة‭ ‬الغازيَّة‭ ‬السياديَّة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬خطوةٌ‭ ‬مفصليَّةٌ‭ ‬ستُعزّز‭ ‬قدرات‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الربط‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬محطّة‭ ‬استقبال‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط‭ ‬الجديد،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأنابيب‭ ‬الغازيَّة‭ ‬التي‭ ‬ستمرُّ‭ ‬عبر‭ ‬طنجة‭ ‬والقنيطرة‭ ‬والمحمديَّة،‭ ‬لربط‭ ‬شمال‭ ‬المملكة‭ ‬ووسطها‭ ‬بأهم‭ ‬الأقطاب‭ ‬الصناعيَّة‭ ‬والكهربائيَّة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يذكر‭ ‬بالدور‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬يضطلع‭ ‬به‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسطي‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬تزويد‭ ‬المواطنين‭ ‬المغاربة‭ ‬بالمحروقات‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭.‬

وأكدت‭ ‬الوزيرة‭ ‬بنعلي،‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يرتبط‭ ‬مباشرةً‭ ‬بالمرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬أنبوب‭ ‬الغاز‭ ‬الإفريقي‭ ‬الأطلسي،‭ ‬المعروف‭ ‬سابقا‭ ‬باسم‭ ‬خط‭ ‬الغاز‭ ‬نيجيريا‭-‬المغرب،‭ ‬الذي‭ ‬أعيدت‭ ‬تسميتُه‭ ‬في‭ ‬دجنبر‭ ‬الماضي‭ ‬بقرار‭ ‬مشترك‭ ‬لوزراء‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقيَّة‭ ‬المعنيَّة،‭ ‬واعتبرت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأنبوب‭ ‬يتجاوز‭ ‬دوره‭ ‬التقليدي‭ ‬كقناة‭ ‬لنقل‭ ‬الغاز،‭ ‬ليصبح‭ ‬‮«‬أداة‭ ‬للاندماج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بين‭ ‬شمال‭ ‬وغرب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬ورافعة‭ ‬لفك‭ ‬العزلة‭ ‬الإقليميَّة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬سلطت‭ ‬الوزيرة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وموريتانيا،‭ ‬الذي‭ ‬سيُعزّز‭ ‬تبادل‭ ‬الكهرباء‭ ‬ويُؤسّس‭ ‬لسوق‭ ‬طاقيَّة‭ ‬إقليميَّة‭ ‬تمتدّ‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬المحور‭ ‬الأطلسي،‭ ‬وأضافت‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الديناميَّة‭ ‬تدخل‭ ‬ضِمن‭ ‬توسيع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وكلّ‭ ‬من‭ ‬إسبانيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬وفرنسا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشاريع‭ ‬مستقبليَّة‭ ‬للربط‭ ‬بخطوط‭ ‬عاليَّة‭ ‬الجهد‭ ‬المستمرHVDC،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬مكانة‭ ‬المغرب‭ ‬بوصفه‭ ‬ممرًا‭ ‬طاقيًّا‭ ‬بين‭ ‬القارتين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحيل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬عمليَّة‭ ‬النقل‭ ‬المتبادل‭ ‬للطاقة‭ ‬الكهربائيَّة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عبر‭ ‬المحطة‭ ‬الحراريَّة‭ ‬لتاهدارت،‭ ‬ومحطة‭ ‬فرديوة‭ ‬للربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الإيبيريَّة‭.‬

وتطرَّقت‭ ‬بنعلي‭ ‬إلى‭ ‬ممر‭ ‬OTC‭ (‬الإنتاج،‭ ‬العبور،‭ ‬التصديق‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬سيُعلن‭ ‬رسميًّا‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬نونبر‭ ‬2025،‭ ‬خلال‭ ‬المؤتمر‭ ‬الدولي‭ ‬للمناجم‭ ‬بالمغرب،‭ ‬مشيرةً‭ ‬إلى‭ ‬أهميته‭ ‬الاستراتيجيَّة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬البنية‭ ‬الطاقيَّة‭ ‬الوطنيَّة،‭ ‬وذلك‭ ‬خلال‭ ‬الدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬لمنتدى‭ ‬‮«‬المغرب‭ ‬الدبلوماسي‭-‬الصحراء‮»‬‭ ‬المنظم‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬50‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء‭.. ‬الوحدة‭ ‬الوطنيَّة‭ ‬والطموح‭ ‬القاري‮»‬‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالأقاليم‭ ‬الجنوبيَّة،‭ ‬كشفت‭ ‬الوزيرة،‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬تتوفّر‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬تفوق‭ ‬1,5‭ ‬جيغاواط‭ ‬من‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬باستثمارات‭ ‬تجاوزت‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬مع‭ ‬مخطط‭ ‬لإضافة‭ ‬1,5‭ ‬جيغاواط‭ ‬إضافيَّة‭ ‬بحلول‭ ‬2030،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلَّب‭ ‬تركيب‭ ‬قدرات‭ ‬تعادل‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬خلال‭ ‬العشرين‭ ‬سنة‭ ‬الماضيَّة،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ظرف‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الوزيرة‭ ‬بنعلي،‭ ‬قد‭ ‬أكَّدت‭ -‬خلال‭ ‬مداخلتها‭- ‬أنَّ‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربيَّة‭ ‬ستستعيد‭ ‬دورها‭ ‬التاريخي‭ ‬كـ«ملتقى‭ ‬طرق‭ ‬للربط‭ ‬والتبادل‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‮»‬،‭ ‬فإنها‭ ‬أحالت‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬المركزي‭ ‬لمنطقة‭ ‬شمال‭ ‬المملكة،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬عاصمة‭ ‬البوغاز،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التطرُّق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬يتم‭ ‬‮«‬من‭ ‬طنجة‭ ‬إلى‭ ‬بورت‭ ‬هاركورت‮»‬،‭ ‬ليكون‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬تنميَّة‭ ‬مشتركة‭ ‬ومستدامة‭.‬

تنفيذ‭ ‬رؤية‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬الملكيَّة

ويرتبط‭ ‬دور‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬ورش‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي،‭ ‬بتوجيهات‭ ‬ملكيَّة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬بمناسبة‭ ‬افتتاح‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬التشريعيَّة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الولاية‭ ‬الحاديَّة‭ ‬عشرة،‭ ‬أمام‭ ‬البرلمان‭ ‬بمجلسيه،‭ ‬بتاريخ‭ ‬8‭ ‬أكتوبر‭ ‬2021،‭ ‬الذي‭ ‬تزامن‭ ‬آنذاك‭ ‬مع‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬حيث‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬أنَّ‭ ‬الأزمة‭ ‬الوبائيَّة‭ ‬أبانت‭ ‬‮«‬عن‭ ‬عودة‭ ‬قضايا‭ ‬السيادة‭ ‬للواجهة‭ ‬والتسابق‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحصينها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أبعادها،‭ ‬الصحيَّة‭ ‬والطاقيَّة‭ ‬والصناعيَّة‭ ‬والغذائيَّة‭ ‬وغيرها،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يواكب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تعصب‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬البعض‮»‬‭.‬

وقال‭ ‬العاهل‭ ‬المغربي‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المغرب‭ ‬قد‭ ‬تمكَّن‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬حاجياته،‭ ‬وتزويد‭ ‬الأسواق‭ ‬بالمواد‭ ‬الأساسيَّة،‭ ‬بكميات‭ ‬كافيَّة‭ ‬وبطريقة‭ ‬عاديَّة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬سجلت‭ ‬اختلالاتٍ‭ ‬كبيرةً‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬وتوزيعها‮»‬،‭ ‬مضيفًا‭ ‬‮«‬لذا،‭ ‬نُشدّد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إحداث‭ ‬منظومة‭ ‬وطنيَّة‭ ‬متكاملة،‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمخزون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للمواد‭ ‬الأساسيَّة،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬الغذائيَّة‭ ‬والصحيَّة‭ ‬والطاقيَّة،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬التحيين‭ ‬المُستمرّ‭ ‬للحاجيات‭ ‬الوطنيَّة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الأمن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للبلاد‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬واردات‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬الماضيَّة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظا‭ ‬بنسبة‭ ‬تقارب‭ ‬3%،‭ ‬بعدما‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬الكميات‭ ‬المتدفقة‭ ‬نحو‭ ‬المملكة‭ ‬نحو‭ ‬886‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب،‭ ‬وهذا‭ ‬التطوُّر،‭ ‬الذي‭ ‬أكَّدته‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬الطاقة‮»‬‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬المنصرم،‭ ‬يعكس‭ ‬الديناميَّة‭ ‬المتزايدة‭ ‬التي‭ ‬بات‭ ‬يعرفها‭ ‬قطاع‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستهلاك‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتيَّة‭ ‬أو‭ ‬مخططات‭ ‬التحوُّل‭ ‬الطاقي‭.‬

وقد‭ ‬لعب‭ ‬خط‭ ‬الأنابيب‭ ‬المغاربي‭ – ‬الأوروبي‭ ‬المار‭ ‬عبر‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬الذي‭ ‬تتحكَّم‭ ‬فيه‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬ميتراغاز‮»‬،‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬هذا‭ ‬التدفق،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الشماليَّة،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنَّه‭ ‬مرتبط‭ ‬بالمحطة‭ ‬الحراريَّة‭ ‬‮«‬تهدارت‮»‬‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬طنجة‭ ‬وأصيلة،‭ ‬ومحطة‭ ‬‮«‬عين‭ ‬بني‭ ‬مطهر‮»‬‭ ‬بنواحي‭ ‬وجدة،‭ ‬اللتين‭ ‬تنتجان‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وهذا‭ ‬الخط‭ ‬يستعيد‭ ‬دورًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬جديدًا‭ ‬بعد‭ ‬مُدّة‭ ‬من‭ ‬توقف‭ ‬وظيفته‭ ‬الأصليَّة،‭ ‬حين‭ ‬رفضت‭ ‬الجزائر‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬تصدير‭ ‬الغاز‭ ‬نحو‭ ‬إسبانيا‭ ‬عبره‭ ‬سنة‭ ‬2021‭. ‬

فرغم‭ ‬أنَّ‭ ‬الخط‭ ‬كان‭ ‬يُستعمل‭ ‬سابقًا‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الغاز‭ ‬الجزائري‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬المغربيَّة،‭ ‬فإنَّه‭ ‬تحوّل‭ ‬منذ‭ ‬2022‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬عكسيَّة‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإرسال‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬الذي‭ ‬يُعاد‭ ‬تغويزه‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬الإسبانيَّة‭ ‬قبل‭ ‬ضخّه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الاتِّجاه‭ ‬المعاكس‭ ‬نحو‭ ‬المغرب،‭ ‬وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬الكميات‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الخط،‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬بمنطقة‭ ‬‮«‬الجبيلات‮»‬‭ ‬بطنجة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتَّجه‭ ‬نحو‭ ‬القنيطرة‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬المملكة،‭ ‬قد‭ ‬ارتفعت‭ ‬بما‭ ‬يناهز‭ ‬25‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬واحدة،‭ ‬ليصل‭ ‬مجموعها‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬861‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭.‬

وتُعد‭ ‬طنجة،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬عُقدة‭ ‬الربط‭ ‬الطاقي‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬عنصرًا‭ ‬مُهمًّا‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬اللوجيستيَّة‭ ‬لهذا‭ ‬التدفق‭ ‬الغازي،‭ ‬إذ‭ ‬يُشكّل‭ ‬مرور‭ ‬الخط‭ ‬عبر‭ ‬الشمال‭ ‬عاملًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مستقبلات‭ ‬الغاز‭ ‬ومحطاته‭ ‬الاستهلاكيَّة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬التحتيَّة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تضمُّ‭ ‬منشآت‭ ‬كهربائيَّة‭ ‬وصناعيَّة‭ ‬تتطلب‭ ‬استقرارًا‭ ‬في‭ ‬التزويد‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الإيقاع‭ ‬الشهري‭ ‬للواردات،‭ ‬شهد‭ ‬شهرا‭ ‬غشت‭ ‬ويوليوز‭ ‬2024،‭ ‬أعلى‭ ‬كميَّة‭ ‬مسجلة‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬الماضيَّة،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬الواردات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬حوالي‭ ‬85‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ذروة‭ ‬الطلب‭ ‬خلال‭ ‬مُدّة‭ ‬الصيف‭ ‬نتيجة‭ ‬شدة‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستيراد،‭ ‬بواقع‭ ‬43‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬فقط‭.‬

وتكشف‭ ‬معطيات‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬الطاقة‮»‬‭ ‬ومقرها‭ ‬واشنطن،‭ ‬أنَّ‭ ‬الغاز‭ ‬المستورد‭ ‬يُلبّي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬95%  ‬من‭ ‬حاجيات‭ ‬المغرب‭ ‬السنوية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬حجم‭ ‬اعتماد‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬الواردات،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬التنقيب‭ ‬الجاريَّة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأحواض‭ ‬البريَّة‭ ‬والبحريَّة،‭ ‬وللغاز‭ ‬المورد‭ ‬عبر‭ ‬الخط‭ ‬المغاربي‭ – ‬الأوروبي‭ ‬دورٌ‭ ‬أساسيٌّ‭ ‬في‭ ‬تشغيل‭ ‬المحطّتين‭ ‬الحراريتين‭ ‬المذكورتين‭ ‬لتوليد‭ ‬الكهرباء،‭ ‬اللتين‭ ‬تؤمنان‭ ‬نحو‭ ‬10%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الطلب‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهربائيَّة،‭ ‬وتُعد‭ ‬محطة‭ ‬تهدارت،‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬كيلومترًا‭ ‬من‭ ‬طنجة،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬تدفق‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الشماليَّة،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬لطنجة‭ ‬وزنًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الطاقيَّة،‭ ‬كما‭ ‬يُمثّل‭ ‬خطّ‭ ‬تأمين‭ ‬للربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬الخاص‭ ‬بجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة‭ ‬عمومًا‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬التحوُّل‭ ‬الطاقي‭ ‬الذي‭ ‬تتبناه‭ ‬المملكة،‭ ‬تُؤكّد‭ ‬وزارة‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬والتنميَّة‭ ‬المستدامة‭ ‬أنَّ‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬يُمثّل‭ ‬الركيزة‭ ‬المكملة‭ ‬للطاقة‭ ‬المتجدّدة،‭ ‬باعتباره‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬الأقل‭ ‬تلويثًا‭ ‬للبيئة،‭ ‬والأكثر‭ ‬ملاءمةً‭ ‬للاندماج‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬طاقيَّة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الشمس‭ ‬والرياح،‭ ‬وقد‭ ‬شددت‭ ‬الوزيرة‭ ‬ليلى‭ ‬بنعلي‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مصدر‭ ‬للطاقة،‭ ‬بل‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬لضمان‭ ‬مرونة‭ ‬النظام‭ ‬الكهربائي‭ ‬الوطني،‭ ‬ولمواكبة‭ ‬النمو‭ ‬الصناعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬المتسارع،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الشماليَّة‮»‬‭.‬

وأضافت‭ ‬الوزيرة،‭ ‬أنَّ‭ ‬الحكومة‭ ‬نجحت‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬الماضيين‭ ‬في‭ ‬‮«‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬استثماريَّة‭ ‬واضحة‭ ‬وجاذبة‮»‬‭ ‬بقطاع‭ ‬الغاز،‭ ‬بعد‭ ‬مُدّة‭ ‬تراجع‭ ‬اهتمام‭ ‬الفاعلين‭ ‬الخواص‭ ‬به،‭ ‬وأوضحت‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬الجديد‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬استقطاب‭ ‬مستثمرين‭ ‬وشركات‭ ‬دوليَّة‭ ‬مهتمة‭ ‬بالتنقيب‭ ‬والتطوير،‭ ‬معتبرة‭ ‬أنَّ‭ ‬‮«‬الفرص‭ ‬اليوم‭ ‬واعدة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬اللوجستيك‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتيَّة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬توقّعت‭ ‬بروز‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابيَّة‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التنقيب‭ ‬القائمة‭ ‬بنواحي‭ ‬طنجة‭ ‬والعرائش‭.‬

وتعمل‭ ‬الوزارة‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬تنزيل‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬وطنيَّة‭ ‬للغاز،‭ ‬تُقدّر‭ ‬كلفة‭ ‬تنفيذ‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتيَّة‭ ‬بنحو‭ ‬43‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الخارطة‭ ‬إنشاء‭ ‬الشبكة‭ ‬الوطنيَّة‭ ‬للغاز،‭ ‬ومحطّات‭ ‬الاستقبال‭ ‬والتخزين،‭ ‬وربط‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعيَّة‭ ‬بالمصادر‭ ‬الجديدة‭ ‬للطاقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيُسهم،‭ ‬حسب‭ ‬بنعلي،‭ ‬في‭ ‬‮«‬خلق‭ ‬آلاف‭ ‬مناصب‭ ‬الشغل‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬تنافسيَّة‭ ‬الصناعات‭ ‬المغربيَّة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬محاور‭ ‬التطوير‭ ‬الصناعي‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬طنجة‭ ‬والقنيطرة‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬تقليص‭ ‬التبعيَّة‭ ‬لإسبانيا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬التغويز،‭ ‬أعلن‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الماضيَّة،‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬إنشاء‭ ‬ثلاث‭ ‬محطات‭ ‬لاستقبال‭ ‬وتحويل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬والمتوسط‭ ‬والطويل،‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬محطّتين‭ ‬على‭ ‬الواجهة‭ ‬الأطلسيَّة،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬المغرب‭ ‬يعتمد،‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الساعة،‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتيَّة‭ ‬الإسبانيَّة‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬حالته‭ ‬الغازيَّة‭ ‬قبل‭ ‬ضخه‭ ‬عبر‭ ‬الخط‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬الشمال‭ ‬المغربي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬طنجة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬جزءًا‭ ‬محوريًّا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العمليَّة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭.‬

وهكذا‭ ‬يتَّضح‭ ‬أنَّ‭ ‬التحوُّل‭ ‬الطاقي‭ ‬المغربي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬دمج‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجدّدة‭ ‬وتوسيع‭ ‬القدرات‭ ‬الإنتاجيَّة،‭ ‬بل‭ ‬يُعزّز‭ ‬أيضًا‭ ‬بنية‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬عنصرًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬للمملكة،‭ ‬مع‭ ‬دور‭ ‬متزايد‭ ‬لمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬الأنابيب‭ ‬العابرة‭ ‬نحو‭ ‬العمق‭ ‬المغربي،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬أدوار‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬إنجاز‭ ‬المشروع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لخط‭ ‬الغاز‭ ‬الإفريقي‭ ‬الأطلسي‭ ‬مستقبلًا‭.‬

نجاحٌ‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬الجيران

دور‭ ‬طنجة‭ ‬ونواحيها‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬الربط‭ ‬الطاقي‭ ‬مع‭ ‬أوروبا،‭ ‬برز‭ ‬بوضوح‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي،‭ ‬حين‭ ‬أدَّى‭ ‬الانقطاع‭ ‬الواسع‭ ‬للتيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬إسبانيا‭ ‬مطلع‭ ‬الأسبوع‭ ‬مناسبة‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬باتت‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬محطة‭ ‬‮«‬فرديوة‮»‬‭ ‬الكهربائيَّة‭ ‬الواقعة‭ ‬بالقصر‭ ‬الصغير،‭ ‬باعتبارها‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬مفاصل‭ ‬الربط‭ ‬الطاقي‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسط،‭ ‬وركيزة‭ ‬محوريَّة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬الأوروبي‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬المرفق‭ ‬الحيوي‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الإمدادات‭ ‬بسرعة‭ ‬نحو‭ ‬الجنوب‭ ‬الإسباني،‭ ‬خصوصًا‭ ‬منطقة‭ ‬الأندلس،‭ ‬مما‭ ‬جنّب‭ ‬مدريد‭ ‬اضطرابات‭ ‬اقتصاديَّة‭ ‬جسيمة‭.‬

محطة‭ ‬‮«‬فرديوة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬منشأة‭ ‬تقنيَّة‭ ‬على‭ ‬الشريط‭ ‬الساحلي‭ ‬المغربي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬شريان‭ ‬أساسي‭ ‬ضمن‭ ‬البنية‭ ‬التحتيَّة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬المغرب‭ ‬بإسبانيا‭ ‬والبرتغال،‭ ‬وتُعدّ‭ ‬أحد‭ ‬المراكز‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قدرات‭ ‬التحكم‭ ‬والاستشعار‭. ‬فهي‭ ‬تعمل‭ ‬بقدرة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬1400‭ ‬ميغاواط،‭ ‬مُوزّعة‭ ‬على‭ ‬خطّي‭ ‬ربط‭ ‬بحريين‭ ‬نُفِّذ‭ ‬في‭ ‬مرحلتين،‭ ‬الأولى‭ ‬سنة‭ ‬1997‭ ‬والثانيَّة‭ ‬سنة‭ ‬2006،‭ ‬ما‭ ‬مكّن‭ ‬من‭ ‬مضاعفة‭ ‬قدرة‭ ‬التبادل‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬الاستجابة‭ ‬خلال‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬الأزمات‭ ‬الطارئة‭.‬

ويُربط‭ ‬بين‭ ‬محطة‭ ‬فرديوة‭ ‬ومحطة‭ ‬طريفة‭ ‬بجنوب‭ ‬إسبانيا‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬REMO،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬كابلات‭ ‬بحريَّة‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬29‭ ‬كيلومترًا‭ ‬تحت‭ ‬مياه‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬تناهز‭ ‬620‭ ‬مترا،‭ ‬هذا‭ ‬العمق‭ ‬والتعقيد‭ ‬التقني‭ ‬يستوجبان‭ ‬أنظمة‭ ‬حماية‭ ‬متطورة‭ ‬جدا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتوفر‭ ‬في‭ ‬المنشأة‭ ‬المغربيَّة‭ ‬التي‭ ‬تستعمل‭ ‬تجهيزات‭ ‬مراقبة‭ ‬دقيقة‭ ‬وتقنيات‭ ‬استشعار‭ ‬تسمح‭ ‬بالتدخل‭ ‬الفوري‭ ‬وتدبير‭ ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُؤثّر‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬الشبكتين‭ ‬المغربيَّة‭ ‬والإيبيريَّة‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬تقنيَّة‭ ‬لتبادل‭ ‬الكهرباء،‭ ‬بل‭ ‬آليَّة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬لضمان‭ ‬الأمن‭ ‬الطاقي‭ ‬الإقليمي،‭ ‬فالمغرب‭ ‬استطاع،‭ ‬بفضل‭ ‬قدراته‭ ‬الإنتاجيَّة‭ ‬المتزايدة‭ ‬واستثماراته‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬أن‭ ‬يمُدَّ‭ ‬إسبانيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬بالكهرباء‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬حرجة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أشاد‭ ‬به‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسبانيَّة‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬وعلني،‭ ‬معبِّرًا‭ ‬عن‭ ‬تقديره‭ ‬للدور‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الشبكة‭ ‬الإيبيريَّة‭ ‬خلال‭ ‬الانقطاع‭ ‬الأخير‭.‬

وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬التطوُّرات‭ ‬التحوُّل‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يشهده‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تموقعه‭ ‬الطاقي،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬بلدًا‭ ‬مستوردًا‭ ‬خالصًا‭ ‬للطاقة،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬فاعلًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ومصدرًا‭ ‬موثوقًا‭ ‬للكهرباء‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافي‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬القارتين،‭ ‬مرفوقا‭ ‬باستثماراته‭ ‬المتواصلة‭ ‬في‭ ‬الطاقات‭ ‬الخضراء‭ ‬والربط‭ ‬العابر‭ ‬للحدود،‭ ‬يعزز‭ ‬دوره‭ ‬بوصفه‭ ‬جسرًا‭ ‬طاقيًّا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭.‬

إنَّ‭ ‬محطة‭ ‬‮«‬فرديوة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬تقني‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬كهربائيَّة،‭ ‬بل‭ ‬عنوان‭ ‬لشراكة‭ ‬استراتيجيَّة‭ ‬متينة‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسط،‭ ‬ورمز‭ ‬لدور‭ ‬المغرب‭ ‬المتنامي‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ومع‭ ‬توسيع‭ ‬خطوط‭ ‬الربط‭ ‬المستقبليَّة‭ ‬والتوجه‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬الهيدروجين‭ ‬الأخضر،‭ ‬يبدو‭ ‬واضحًا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬مرشح‭ ‬للتعاظم،‭ ‬وأن‭ ‬محطة‭ ‬القصر‭ ‬الصغير‭ ‬ستظل‭ ‬إحدى‭ ‬الدعائم‭ ‬الكبرى‭ ‬لضمان‭ ‬استقرار‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أوروبا‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬قادمة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك