تواصل معنا

آخر الأخبار

طنجة على صفيح ساخن: بين مطرقة الوالي وسندان المصالح المتشابكة

تشهد‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬عاصمة‭ ‬شمال‭ ‬المملكة‭ ‬المغربيَّة،‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‭ ‬احتقانًا‭ ‬متصاعدًا‭ ‬وغير‭ ‬مسبوق،‭ ‬يتداخل‭ ‬فيه‭ ‬السياسي‭ ‬بالاقتصادي،‭ ‬ويتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الإداري‭ ‬بالمؤسساتي،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلاً‭ ‬بنيويًّا‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تدبير‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬المحلي،‭ ‬وصراعًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬بين‭ ‬نمطين‭ ‬مختلفين‭ ‬من‭ ‬الحُكم‭: ‬نمط‭ ‬تقليدي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬التوازنات‭ ‬والمصالح‭ ‬الموروثة،‭ ‬وآخر‭ ‬حديث‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬سلطة‭ ‬القانون‭ ‬والرقابة‭ ‬المؤسساتيَّة‭.‬

هذا‭ ‬التوتر،‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬منذ‭ ‬أشهر،‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬مستوًى‭ ‬جعل‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الجدل‭ ‬الوطني،‭ ‬خاصّةً‭ ‬بعدما‭ ‬تسربت‭ ‬إلى‭ ‬الإعلام‭ ‬تفاصيل‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭”‬التصادم‭ ‬الصامت‭” ‬بين‭ ‬والي‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة‭ ‬وبعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬المحليين‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬اتِّهامات‭ ‬متبادلة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ “‬التحكم‭ ‬الإداري‭” ‬و‭”‬الفساد‭ ‬الممنهج‭”.‬

وتتمحور‭ ‬جذور‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬أساسًا‭ ‬بشأن‭ ‬ملفات‭ ‬ثقيلة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬أبرزها‭: ‬التعمير،‭ ‬الاستثمار،‭ ‬الرخص‭ ‬الاستثنائيَّة،‭ ‬تدبير‭ ‬العقار‭ ‬العمومي،‭ ‬والمراقبة‭ ‬الإداريَّة‭ ‬الصارمة‭ ‬التي‭ ‬انتهجها‭ ‬الوالي‭ ‬الجديد،‭ ‬التي‭ ‬أطاحت،‭ ‬حسب‭ ‬مصادر‭ ‬متطابقة،‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الامتيازات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعدُّ‭ ‬سابقًا‭ “‬حقًا‭ ‬مكتسبًا‭” ‬لفاعلين‭ ‬سياسيين‭ ‬واقتصاديين‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء‭.‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬نبرة‭ ‬والي‭ ‬الجهة‭ ‬في‭ ‬الاجتماعات‭ ‬الرسميَّة،‭ ‬وتصريحاته‭ ‬الغير‭ ‬المألوفة‭ ‬التي‭ ‬تنتقد‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ‭”‬جيوب‭ ‬المقاومة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭”‬،‭ ‬شكلت‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬ممثل‭ ‬السلطة‭ ‬المركزيَّة‭ ‬بالمنتخبين،‭ ‬وأحدثت‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬القطيعة‭ ‬التدبيريَّة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬قرارات‭ ‬الوالي‭ ‬تُواجه‭ ‬بمواقف‭ ‬متشنجة‭ ‬داخل‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬بعض‭ ‬المنتخبين‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ترى‭ ‬الولاية‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬ليس‭ ‬صراعًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬أو‭ ‬اقتصاديًّا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ “‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬مراكز‭ ‬الفساد‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالمال‭ ‬العام‭ ‬والعقار‭ ‬العمومي‭”‬،‭ ‬وأنَّها‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬إلا‭ ‬بمهامّها‭ ‬القانونيَّة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬وتأمين‭ ‬احترام‭ ‬القوانين‭ ‬والضوابط،‭ ‬وتحصين‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬غير‭ ‬المشروع‭ ‬للسلطة‭ ‬والموقع‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬التجاذب،‭ ‬يقف‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الطنجاوي‭ ‬متوجسًا،‭ ‬أمام‭ ‬تعطل‭ ‬بعض‭ ‬المشاريع،‭ ‬وتراجع‭ ‬منسوب‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين،‭ ‬وتزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬قطار‭ ‬التنميَّة‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬افتخرت‭ ‬به‭ ‬طنجة‭ ‬كنموذج‭ ‬حضري‭ ‬حديث‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬حارقة‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬إرادة‭ ‬حقيقيَّة‭ ‬للإصلاح‭ ‬تمارسها‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ممثلها‭ ‬الترابي،‭ ‬والي‭ ‬الجهة؟

* ملف‭ ‬التعمير‭:‬من‭ ‬الرخص‭ ‬إلى‭ ‬الريع

يُجمع‭ ‬الفاعلون‭ ‬والمتتبعون‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬التعمير‭ ‬بطنجة‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬وأبرز‭ ‬مصادر‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الإدارة‭ ‬الترابيَّة‭ ‬بالمجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين‭. ‬فالرخص‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُمنح‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬بسرعة‭ ‬ودون‭ ‬تعقيدات‭ ‬كبيرة،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬تخضع‭ ‬لمسطرة‭ ‬دقيقة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬تشمل‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬الوثائق،‭ ‬مراجعة‭ ‬التصاميم،‭ ‬بل‭ ‬وأحيانًا‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬القانوني‭ ‬للمشروع‭ ‬برمّته‭.‬

مصدر‭ ‬إداري‭ ‬من‭ ‬قسم‭ ‬التعمير،‭ ‬تحدث‭ ‬لـ‭”‬لاديبيش‭” ‬شريطة‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬هويته،‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الوالي‭ ‬أعطى‭ ‬تعليمات‭ ‬صارمة‭ ‬بعدم‭ ‬توقيع‭ ‬أي‭ ‬رخصة‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬دفتر‭ ‬التحملات‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق،‭ ‬مضيفًا‭: ‬‭”‬المرحلة‭ ‬السابقة‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬تساهلًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تجاوزات‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬تصاميم‭ ‬التهيئة،‭ ‬وتفويتات‭ ‬مشبوهة‭ ‬لعقارات‭ ‬الدولة‭. ‬نحن‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬محاولة‭ ‬لوضع‭ ‬حدّ‭ ‬لتراكمات‭ ‬طويلة‭”‬‭.‬

وبحسب‭ ‬معطيات‭ ‬حصلت‭ ‬عليها‭ “‬لاديبيش‭”‬،‭ ‬فإن‭ ‬عشرات‭ ‬المشاريع‭ ‬تم‭ ‬توقيفها‭ ‬أو‭ ‬تجميدها‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬توافقها‭ ‬مع‭ ‬ضوابط‭ ‬جديدة‭ ‬فرضتها‭ ‬المصالح‭ ‬الولائيَّة،‭ ‬دون‭ ‬مراجعة‭ ‬التصاميم‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الوساطة،‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬بعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬المحليين‭ “‬إلغاءً‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬لاختصاصات‭ ‬المجالس‭”.‬

* توقيف‭ ‬منح‭ ‬الشواهد‭ ‬الإداريَّة‭.. ‬وتوقف‭ ‬مصالح‭ ‬الناس

لعلّ‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬تُوثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بين‭ ‬الفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬ووالي‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة،‭ ‬قرار‭ ‬توقيف‭ ‬منح‭ ‬الشواهد‭ ‬الإداريَّة،‭ ‬حتى‭ ‬يتمكّن‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المالكين‭ ‬للشقق‭ ‬والبنايات‭ ‬غير‭ ‬الحاصلة‭ ‬على‭ ‬الرخص‭ ‬النهائيَّة‭ ‬للبناء‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭.‬

القرار‭ ‬الذي‭ ‬اتُّخذ‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الوالي‭ ‬السابق‭ ‬محمد‭ ‬امهيديَّة،‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬وعوامل،‭ ‬لم‭ ‬يجرأ‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬نقاشها‭ ‬أو‭ ‬رفضها‭ ‬و‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬فاعلًا‭ ‬لمدة‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬السنة‭ ‬ونصف،‭ ‬لكن‭ ‬بعدما‭ ‬تولي‭ ‬الوالي‭ ‬يونس‭ ‬التازي‭ ‬رئاسة‭ ‬ولاية‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة،‭ ‬برز‭ ‬للعيان‭ ‬مدى‭ ‬التصادم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬القرارات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسة‭ ‬الوالي‭.‬

* اجتــماعات‭ ‬مغـلقة‭ ‬وتــصريحات‭ ‬نـاريـة‭: ‬خلف‭ ‬كواليس‭ ‬الصراع

بدأت‭ ‬بوادر‭ ‬الأزمة‭ ‬تنكشف‭ ‬للعيان،‭ ‬منذ‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذي‭ ‬عقده‭ ‬والي‭ ‬الجهة‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المنتخبين‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين،‭ ‬الذي‭ ‬خرجت‭ ‬منه‭ ‬تسريبات‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل،‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الوالي‭: “‬حوتة‭ ‬كتخنز‭ ‬الشواري‭”‬،‭ “‬منعش‭ ‬عقاري‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬في‭ ‬تأخر‭ ‬أو‭ ‬عرقلة‭ ‬خروج‭ ‬مشروع‭ ‬تصميم‭ ‬التهيئة‭ ‬بجماعة‭ ‬اكزناية‭”‬،‭ ‬‭”‬ومن‭ ‬يريد‭ ‬الاشتغال‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحترم‭ ‬القانون،‭ ‬ومن‭ ‬تعوّد‭ ‬على‭ ‬الفوضى،‭ ‬فليبحث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭.‬‭”‬

هذه‭ ‬العبارة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أكَّدته‭ ‬مصادر‭ ‬حضرت‭ ‬اللقاء،‭ ‬الذي‭ ‬نشرت‭ ‬بعض‭ ‬تفاصيله‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التابعة‭ ‬لبعض‭ ‬المنابر‭ ‬الإعلاميَّة،‭ ‬فجّرت‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬الاستياء‭ ‬داخل‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الكيانات‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬بالمقابل‭ ‬عبَّر‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬متتبعي‭ ‬الشأن‭ ‬المحلي‭ ‬والسياسي،‭ ‬بارتياح‭ ‬كبير‭ ‬اتجاه‭ ‬القرارات‭ ‬الجريئة‭ ‬التي‭ ‬اتَّخذها‭ ‬أو‭ ‬اعتمد‭ ‬عليها‭ ‬والي‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسينة‭.‬

وفي‭ ‬تطور‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬اختار‭ ‬بعض‭ ‬المنتخبين‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رفضهم‭ ‬للوضع‭ ‬خلال‭ ‬دورة‭ ‬يونيو‭ ‬العاديَّة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التصعيد‭ ‬ضد‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬الولاية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستثمار‭ ‬أو‭ ‬التنظيم‭ ‬الإداري‭. ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬هو‭ “‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬مراكز‭ ‬النفوذ‭ ‬المحلي‭”‬،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬تخشى‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬الرخص‭ ‬والمشروعات‭ ‬الكبرى‭.‬

بالمقابل،‭ ‬تصرّ‭ ‬الولاية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬فرصة‭ ‬لوضع‭ ‬حدّ‭ ‬لـ‭”‬الازدواجيَّة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭”‬،‭ ‬ولتأكيد‭ ‬أنَّ‭ ‬القانون‭ ‬فوق‭ ‬الجميع،‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬من‭ ‬تعودوا‭ ‬على‭ ‬اختراقه‭.‬

* كيف‭ ‬ينظر‭ ‬المواطن‭ ‬الطنجاوي‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يحدث؟

بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬اختلاف‭ ‬الرؤى‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬المحليَّة‭ ‬وبعض‭ ‬السياسيين‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬يقف‭ ‬المواطن‭ ‬الطنجاوي‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المعقّد،‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬لكنَّه‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬يتساءل‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭: ‬لماذا‭ ‬توقَّفت‭ ‬المشاريع؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يراوح‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬لطالما‭ ‬اشتهرت‭ ‬بديناميتها؟

تقول‭ ‬سعاد،‭ ‬38‭ ‬سنة،‭ ‬موظفة‭ ‬ببريد‭ ‬المغرب‭: ‬‭”‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬السياسة‭ ‬كثيرًا،‭ ‬كنت‭ ‬ألاحظ‭ ‬أن‭ ‬مشاريع‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬تُكتمل‭. ‬لكن‭ ‬اليوم‭ ‬نرى‭ ‬إصلاحاتٍ‭ ‬كبيرةً‭ ‬تشهدها‭ ‬المدينة‭ ‬تحت‭ ‬توجه‭ ‬والي‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭ ‬تطوان‭ ‬الحسيمة،‭ ‬وهي‭ ‬الأشغال‭ ‬والإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تغيير‭ ‬ملامح‭ ‬المدينة،‭ ‬وتقويَّة‭ ‬بنياتها‭ ‬التحتيَّة‭”.‬

أما‭ ‬ياسين،‭ ‬شاب‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الخدمات‭ ‬العقاريَّة،‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬أثر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬الشغل‭: ‬‭”‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬هذا‭ ‬التوتر،‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬العقاريَّة‭ ‬تجمدت،‭ ‬لأن‭ ‬شركات‭ ‬البناء‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشتغل‭ ‬كما‭ ‬كانت‭. ‬لا‭ ‬يهمنا‭ ‬من‭ ‬المسؤول،‭ ‬نريد‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬بكرامة‭”.‬

حسن‭ ‬فاعل‭ ‬جمعوي‭ ‬بطنجة،‭ ‬يقول‭ ‬إنَّ‭ ‬بعض‭ ‬القرارات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬صائبة‭ ‬لكنها‭ ‬تدين‭ ‬رجال‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬وجب‭ ‬إيجاد‭ ‬حلّ‭ ‬منطقي‭ ‬لمسلسل‭ ‬الإصلاحات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬طنجة‭ ‬مقبلة‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬أنشطة‭ ‬ومواعيد‭ ‬دوليَّة‭ ‬أبرزها‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬2026‭ ‬وكأس‭ ‬العالم‭ ‬سنة‭ ‬2020‭.‬

العديد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬عبروا‭ ‬عن‭ ‬دعمهم‭ ‬للإصلاح،‭ ‬ولوتيرة‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬والي‭ ‬الجهة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعمهم‭ ‬لسياسة‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد،‭ ‬لكنهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يخشون‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬هذا‭ “‬الصراع‭” ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬مؤسساتيَّة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬يكون‭ ‬ضحيتها‭ ‬الأولى‭ ‬والأخيرة‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭.‬

*هل‭ ‬من‭ ‬حلول‭ ‬وسط؟‭ ‬لإنهاء‭ ‬الأزمة‭ ‬دون‭ ‬كسر‭ ‬المؤسسات

رغم‭ ‬ضبابيَّة‭ ‬المشهد،‭ ‬يتَّفق‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬لا‭ ‬يمرّ‭ ‬عبر‭ “‬كسر‭ ‬العظم‭” ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والمنتخبين،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬آليات‭ ‬جديدة‭ ‬للتعاون‭ ‬والتكامل،‭ ‬تُراعي‭ ‬منطق‭ ‬الدولة‭ ‬وتُحترم‭ ‬فيه‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭.‬

يرى‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬الحكامة‭ ‬الترابيَّة،‭ ‬الدكتور‭ (‬عبد‭. ‬ت‭) ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لـ‭”‬لاديبيش‭”‬،‭ ‬أنَّ‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬‭”‬ينذر‭ ‬بتصادم‭ ‬مؤسساتي‭ ‬خطير‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُضبط‭ ‬إيقاعاته‭ ‬بسرعة‭: “‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬تفعيل‭ ‬أدوات‭ ‬الوساطة‭ ‬المؤسساتيَّة،‭ ‬كهيئات‭ ‬التنسيق‭ ‬والتتبع‭ ‬الجهويَّة،‭ ‬وتمكين‭ ‬المجالس‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬صلاحياتها‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬القانون،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الولاية‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬الشرعيَّة‭”.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تحدَّثت‭ ‬مصادر‭ ‬مطلعة‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬مساعٍ‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬لتهدئة‭ ‬الأجواء،‭ ‬شريطة‭ ‬توقف‭ ‬تجييش‭ ‬لوبي‭ ‬السياسة‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين،‭ ‬لمهاجمة‭ ‬الوالي‭ ‬ودعم‭ ‬التيار‭ ‬الراغب‭ ‬في‭ ‬رحيله‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭ ‬رغم،‭ ‬عمله‭ ‬المتفان‭ ‬واجتهاده‭ ‬الكبير‭.‬

بالمقابل،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أنَّ‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬الحقيقي‭ ‬والفاعل،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬كوسيط‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خلق‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬الفعالة‭ ‬والجادة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬مناظرة‭ ‬جهويَّة‭ ‬حول‭ ‬التعمير‭ ‬والاستثمار،‭ ‬يُدعى‭ ‬لها‭ ‬ممثلو‭ ‬السلطة‭ ‬والمنتخبون‭ ‬والمهنيون،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفكيك‭ ‬مكامن‭ ‬الخلل‭ ‬وبناء‭ ‬تعاقد‭ ‬أخلاقي‭ ‬جديد‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭.‬

لكن،‭ ‬وإلى‭ ‬حين‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬يظلّ‭ ‬الرهان‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬داخل‭ ‬المدينة،‭ ‬وهي‭ ‬ثقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناؤها‭ ‬دون‭ ‬شفافيَّة‭ ‬القرار،‭ ‬وحوار‭ ‬مؤسساتي‭ ‬نزيه،‭ ‬وإشراك‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يدور،‭ ‬لا‭ ‬تركه‭ ‬يتابع‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬مشوب‭ ‬بالخوف‭ ‬أو‭ ‬اللامبالاة‭.‬

طنجة،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُقدّم‭ ‬لسنوات‭ ‬كنموذج‭ ‬للنهضة‭ ‬الحضريَّة‭ ‬والتدبير‭ ‬الحداثي،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حقيقي‭. ‬بين‭ ‬إرادة‭ ‬تحديث‭ ‬تقودها‭ ‬الدولة‭ ‬عبر‭ ‬ممثلها‭ ‬الترابي،‭ ‬ورفض‭ ‬تيار‭ ‬لوبي‭ ‬السياسة‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬الجهة،‭ ‬وعن‭ ‬نوعيَّة‭ ‬الحكامة‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬ترسيخها‭.‬

فهل‭ ‬تنجح‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬المنعرج‭ ‬الحاد؟‭ ‬وهل‭ ‬سوف‭ ‬ينتصر‭ ‬السياسيون‭ ‬لمقاربة‭ ‬مؤسسة‭ ‬الوالي‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬الفساد‭ ‬والريع‭ ‬وإعطاء‭ ‬الفرصة‭ ‬للكفاءات‭ ‬والأطر،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬فارس‭ ‬البوغاز‭ ‬ستظلّ‭ ‬رهينة‭ ‬شدّ‭ ‬وجذب‭ ‬يؤجل‭ ‬التنميَّة‭ ‬ويُعمّق‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬والفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وما‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬والفاعلين‭ ‬السياسيين‭ ‬والمنعشين‭ ‬العقاريين؟

الجدير‭ ‬للذكر،‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الهوّة‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتكبر‭ ‬لولا‭ ‬اعتماد‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الحديثة‭ ‬لتمرير‭ ‬مواقفهم،‭ ‬ومحاولة‭ ‬إيهام‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تقف‭ ‬ضد‭ ‬مصالح‭ ‬الناس‭”.‬

إعداد‭: ‬هيئة‭ ‬تحرير‭ ‬جريدة‭ ‬لاديبيش

تابعنا على الفيسبوك