مجتمع
طنجة.. «الربّاجة» بين الفوضى البيئية والضغط المتزايد على عمال النظافة
تشهد مدينة طنجة في السنوات الأخيرة تفاقمًا ملحوظًا لظاهرة ما يُعرف محليًا بـ«الربّاجة»، وهم الأشخاص الذين يعمدون إلى تفريغ حاويات الأزبال والعبث بمكّبات النفايات بحثًا عن موادّ قابلة للبيع أو إعادة التدوير. هذه الممارسة اليومية لم تعد مجرد مشكلة بسيطة، بل تحوَّلت إلى فوضى بيئية حقيقية ومتاعب كبيرة لعمال النظافة، ما يطرح أسئلة جوهرية بشأن إدارة النفايات في المدينة، والحاجة إلى حلولٍ شاملةٍ تجمع بين الجانب القانوني والاجتماعي والإنساني.
وتفيد مصادر محلية، بأنَّ هؤلاء الأشخاص ينبشون يوميًا بالحاويات ويبحثون داخلها عن أي مواد يمكن بيعها أو إعادة تدويرها، ما يؤدي إلى بعثرة الأزبال في الشوارع وانبعاث روائح كريهة تثير استياء السكان. ومن الأحياء الَّتِي تشهد هذه الظاهرة بشكل متكرّر حي مرشان، مغوغة، العوامة الشرقية، وحي طنجة البالية، إذ يلاحظ السكان تراكم الأزبال المبعثرة بشكل يومي، ما يُسيء إلى الصورة العامة للمدينة ويعيق جهود شركات النظافة.
ويشير عددٌ من عمال شركات النظافة إلى أنَّ تصرفات «الربّاجة» تُضاعف حجم معاناتهم اليومية. فهم يضطرون إلى جمع النفايات المبعثرة يدويًا، ما يزيد الضغط البدني والإرهاق المهني، خاصّةً في الساعات المبكرة من الصباح والليل، إذ تكون الشوارع مكتظّة بالمواطنين وحركة المرور كثيفة. كما أنَّ هذه الممارسات تُعطّل خطة جداول تنظيف الأحياء، ما يؤدي إلى تأخر عملية جمع النفايات عن موعدها المعتاد، ويزيد من انتشار الروائح الكريهة والحشرات، وبالتالي التأثير في الصحة العامة لسكان المدينة.
وتتراوح آثار الظاهرة بين الضرر البيئي، والصحي، والاجتماعي، إذ إنَّ انتشار النفايات المبعثرة يُشكّل بيئة مناسبة لتكاثر القوارض والحشرات، وقد يُسهم في انتشار الأمراض المعدية، كما أن تراكم الأزبال في الطرقات يعيق حركة المرور ويزيد من مخاطر الحوادث، لا سيَّما على الطرق الضيقة في أحياء المدينة القديمة. ويشير خبراء البيئة أن استمرار هذه الممارسات يعكس ضعف الوعي البيئي لدى بعض الفئات، إضافة إلى غياب استراتيجيات فعّالة لإعادة التدوير وإدماج الفئات الهامشية في منظومة إدارة النفايات.
من جانبهم، طالب عمال النظافة، ومعهم سكان المدينة، السلطات المحلية بالتدخّل العاجل لوضع حد لهذه الظاهرة، من خلال تفعيل المراقبة، وتشديد العقوبات على المخالفين، إضافة إلى البحث عن حلول اجتماعية بديلة تراعي الوضع الإنساني للربّاجة. وقد شدَّدوا على أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب مقاربة مزدوجة، تجمع بين الردع القانوني والبرامج الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن حماية نظافة المدينة وصون كرامة جميع الفئات.
ويرى فاعلون مدنيون، أنَّ محاربة ظاهرة الربّاجة تحتاج إلى مقاربة شاملة تشمل ثلاث محاور رئيسية: أولًا، الجانب القانوني والرقابي، من خلال تعزيز الدوريات الأمنية والمراقبة الليلية، وتطبيق الغرامات والعقوبات القانونية على المخالفين؛ ثانيًا، الجانب الاجتماعي والاقتصادي، عبر إدماج هؤلاء الأشخاص في برامج لإعادة التدوير الرسمية، أو خلق فرص عمل بديلة تتيح لهم كسب لقمة العيش بطرق نظامية؛ ثالثًا، التوعية البيئية، من خلال حملات تحسيسية تهدف إلى رفع الوعي حول مخاطر العبث بالنفايات على الصحة العامة والبيئة، وتشجيع السكان على المشاركة في الحفاظ على نظافة الأحياء.
وتشير معطيات صحفية، إلى أن عددًا من الجمعيات المحلية سبق وأن بادرت بتقديم مقترحات لإدماج «الربّاجة» في برامج إعادة التدوير الرسمية، وتزويدهم بالملابس والمعدات الواقية لتقليل المخاطر الصحية في أثناء العمل، فضلًا عن توعية المواطنين بعدم التخلص العشوائي من النفايات أو رميها خارج الحاويات المُخصّصة.
كما يشير مختصون في إدارة النفايات إلى أن ظاهرة «الربّاجة» ليست فريدة على طنجة، بل توجد في مدن مغربية كبرى أخرى مثل الدار البيضاء ومراكش، إذ يُستغل الفقر والهشاشة الاجتماعية في تحويل بعض الأشخاص إلى ما يُعرف بالربّاجة. ويؤكد هؤلاء أنَّ الحل لا يقتصر على تطبيق العقوبات فقط، بل يتطلب إعادة هيكلة منظومة جمع النفايات، وتوسيع خِدْمات إعادة التدوير، وإدماج الفئات الهامشية في برامج مستدامة تمكّنهم من العمل بشكل قانوني وآمن.
وفي السياق ذاته، يُبرز الخبراء البيئيّون، أن الفوضى الَّتِي يسببها «الربّاجة» تُؤثّر في جودة الهواء والمياه والتربة، خصوصًا عند عبثهم بالنفايات العضوية والبلاستيكية، مما يؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة وتلوث البيئة، فضلًا عن المخاطر الصحية على الأطفال وكبار السن. ويرى بعض السكان أن استمرار الظاهرة قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات السياحية والتجارية في الأحياء المتضرّرة، لا سيَّما أن طنجة تُعدُّ وجهة سياحية مُهمّة، والحفاظ على نظافة المدينة يعد أحد مقوّمات جذب الزوار.
وقد عبَّر بعض الفاعلين المدنيين عن أهمية تطوير برامج وطنية محلية متكاملة لإعادة التدوير، تشمل الربط بين جمع النفايات وفرزها وإعادة تدويرها، ما يتيح خلق فرص اقتصادية مشروعة للربّاجة وتحويل نشاطهم العشوائي إلى أنشطة منتجة ومستدامة. كما أن توفير معدات حماية شخصية، وتدريب على طرق التعامل مع النفايات، يمكن أن يقلل من تعرضهم للمخاطر الصحية في أثناء البحث عن المواد القابلة للبيع.
ويختم الفاعلون المدنيون تحليلاتهم بتأكيد أنَّ معالجة ظاهرة الربّاجة بصورة شاملة ستُعزّز من قدرة المدينة على مواجهة الفوضى البيئية، وحماية صحة المواطنين، وصون المظهر الحضري للمدينة، فضلًا عن تحسين ظروف عمل عمال النظافة، الذين يتحمّلون عبئًا مضاعفًا بسبب هذه الممارسات اليومية، ما يبرز الحاجة إلى تعاون كامل بين السلطات المحلية، الجمعيات، والسكان لتحقيق نتائج مستدامة.
في نهاية المطاف، يمثل ملف الربّاجة تحديًا متعدّد الأبعاد في طنجة، يجمع بين القضايا البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية، ويتطلَّب تدخلًا شاملًا ومستدامًا. فالحل الأمثل لن يقتصر على فرض الغرامات أو تنفيذ الإجراءات الأمنية فقط، بل سيعتمد على إعادة توجيه هذه الفئة نحو مسارات اقتصادية واجتماعية منظمة، وتحسين منظومة النفايات العامة، وتعزيز الوعي البيئي لدى السكان، بما يضمن نظافة المدينة وصحة المواطنين وكرامة الجميع.


