مجتمع
طنجة.. ارتفاع مقلق لعدد المشردين وسط غياب حلول اجتماعية فعّالة
تعيش مدينة طنجة، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى واحدةٍ من أبرز الحواضر الاقتصاديَّة والسياحيَّة في المغرب، على وقع مفارقةٍ صارخةٍ بين صورتها كمدينة للأبراج الشاهقة والاستثمارات الضخمة، وبين مشاهد يوميَّة لأشخاص يبيتون في العراء ويجوبون الشوارع بحثًا عن لقمة تسدّ الرمق أو زاويَّة تحميهم من برد الليل.
ففي الأسابيع الأخيرة، لُوحظ بشكل جلي ارتفاع عدد الأشخاص دون مأوى، سواء في وسط المدينة أو على مستوى الأحياء الشعبيَّة، إذ يتكدَّس العشرات من المشرّدين قرب الأسواق، محطات الحافلات، المساجد، وحتّى أمام المؤسَّسات الرسميَّة، في مشهد يعكس حجم الخصاص الاجتماعي، ويطرح أكثر من سؤال حول جدوى البرامج التي سبق وأن رفعتها الحكومات المتعاقبة تحت شعار «التنميَّة البشريَّة» أو «الإدماج الاجتماعي».
في جولة سريعة على طول شارع فاس أو بولفار محمد الخامس، تصادفك وجوه أنهكها الزمن: شبان في مقتبل العمر ينامون على الأرصفة متدثّرين ببطانيات باليَّة، أطفال يتوسّدون صناديق كرتونيَّة قرب المتاجر، نساء مسنات يتسولن عند إشارات المرور، ومدمنون يقضون ساعاتهم في حالة شرود تام. والأمر لا يقتصر على وسط المدينة، بل يمتد إلى أحياء مثل بني مكادة، بئر الشفا، واكزناية، إذ ينام العشرات في مداخل العمارات أو في الحدائق العموميَّة.
ورغم أنَّ طنجة باتت تستقطب استثمارات بمليارات الدراهم في قطاعات الصناعة، السياحة، والخدمات، فإنَّ الظاهرة الاجتماعيَّة للمشردين تكشف عن الوجه الآخر للمدينة.
مصادر جمعويَّة أشارت لـ«لاديبيش» إلى أنَّ عدد الأشخاص دون مأوى في طنجة تضاعف تقريبًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، خاصّةً بعد جائحة كورونا التي دفعت فئات واسعة من العمال غير المهيكلين إلى الهشاشة. غير أنَّ الغريب في الأمر، هو غياب إحصاءات دقيقة ورسميَّة، إذ لم يسبق للسلطات المحليَّة أو وزارة التضامن أن نشرت تقارير مضبوطة حول عدد هؤلاء الأشخاص، ما يجعل الظاهرة تُعالج بالارتجال أو عبر حلول ترقيعيَّة لا تلامس جوهر المشكلة.
وراء كل شخص يبيت في الشارع حكاية مأساويَّة. بعضهم ضحايا التفكك الأسري والعنف المنزلي، وآخرون شباب غادروا مقاعدَ الدراسة مبكرًا ولم يجدوا طريقًا إلى سوق الشغل، فيما هناك فئة ثالثة غرقت في مستنقع الإدمان على المخدرات والأقراص المهلوسة، قبل أن ينتهي بها المطاف إلى التشرّد.
وفي المقابل، تبرز معاناة المهاجرين غير النظاميين، خاصّةً القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يبيتون في الحدائق والأماكن العامة بانتظار فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى. هؤلاء يشكلون بدورهم نسبةً مُهمّةً من الأشخاص دون مأوى، ويزيد وجودهم من تعقيد الظاهرة.
الجمعيات الناشطة في المجال الاجتماعي بطنجة دقت غير ما مرة ناقوس الخطر، معتبرةً أنَّ الوضع يتجاوز قدراتها المحدودة. فحسب إفادات ناشطين جمعويين، فإنَّ عدد المراكز المُخصّصة لإيواء المُشرّدين يبقى ضعيفًا جدًا، مُقارنةً مع حجم الظاهرة، إذ لا يتعدّى مركزًا أو مركزين تديرهما مبادرات مدنيَّة بمواردَ هزيلةٍ، بينما تغيب الدولة عن تقديم الدعم اللازم. ويشير هؤلاء إلى أن البلاغات الرسميَّة غالبًا ما تُركّز على «ترحيل» المُشرّدين إلى ضواحي المدينة أو إلى أقاليمهم الأصليَّة، وهو ما يشبه في نظرهم عمليَّة «كنس الأرصفة» أكثر مما يشبه سياسة إدماج حقيقيَّة.
المفارقة الصارخة أن مدينة طنجة التي يروج لها المسؤولون كـ«قاطرة التنميَّة» و«واجهة المغرب نحو أوروبا»، ما زالت عاجزة عن تدبير أبسط الملفات الاجتماعيَّة. ففي الوقت الذي تُصرف فيه الملايير على مشروعات ذات مردودية محدودة، يعيش العشرات من أبناء المدينة في الشارع، دون مأوى أو رعاية صحيَّة أو نفسيَّة، وكأنهم خارج الحسابات.
هذا التناقض، بحسب متتبّعين، يهدد النسيج الاجتماعي للمدينة ويزرع شعورًا بالغبن في نفوس ساكنتها، خصوصًا أنَّ جزءًا كبيرًا من هؤلاء المشردين ضحايا الهشاشة الاقتصاديَّة التي فشلت السياسات العموميَّة في معالجتها.
ويرى خبراء اجتماعيون، أنَّ معالجة ظاهرة التشرّد بطنجة تتطلَّب مقاربة شموليَّة تدمج بين الجانب الاجتماعي، الصحي، والنفسي، مع إحداث مراكز إيواء مجهزة بشكل كافٍ، وتوفير برامج لإعادة الإدماج عبر التكوين والتشغيل. كما يُشدّدون على ضرورة إشراك الجماعات الترابيَّة في هذا الملف، بدل ترك الجمعيات وحدها في مواجهة أعباء تفوق طاقتها.
وفي المقابل، يحمّل العديد من الفاعلين المحليين الدولة والحكومة مسؤوليَّة استمرار الظاهرة، لغياب إرادة سياسيَّة حقيقيَّة تُعطي الأولويَّة للبعد الاجتماعي في السياسات العموميَّة.
وفي ظل استمرار الوضع على ما عليه، ستظلُّ مشاهد التشرّد بطنجة وصمة عار على جبين المسؤولين الذين يغضون الطرف عن البؤس الاجتماعي المتفاقم. وإذا كان الاستثمار الاقتصادي ضروريا، فإن الاستثمار في الإنسان يظل أهم وأبقى. فمدينة ينام أبناؤها في العراء لا يمكن أن تُقدّم نفسَها للعالم كمدينة نموذجيَّة، مهما كانت أبراجها شاهقة وطرقها فسيحة.


