تواصل معنا

ثقافة

شُكْري وَالْكُحُول

إِنَّ إِعَادَةَ بِنَاءِ الْمَاضِي سَتَكُونُ دَوْمًا وَسِيلَةً مُؤَكَّدَةً لِخِيَانَتِهِ.

الْكِتَابَةُ هِيَ أَلَمٌ؛ تَمْزِيقٌ لِلنَّفْسِ كَيْ تَنْبَعَ مِنْهَا أَعْمَقُ الْأَسْرَارِ، لِتَشْعُرَ بِهَا الْوَرَقَةُ الْبَيْضَاءُ وَتَتَجَسَّدَ فِيهَا تِلْكَ الْكآبَةُ الْمُفْجِعَةُ. إِنَّهَا نَبْشٌ فِي الذَّاكِرَةِ، وَغَوْصٌ فِي الْمَاضِي لِجَمْعِ مُعْطَيَاتِ سِيرَةٍ ذَاتِيَّةٍ، بِالِاعْتِمَادِ عَلَى التَّذَكُّرِ.

وَالذَّاكِرَةُ، كَمَا يَقُولُ وَلْتِرْ بِنْيَامِين، لَا يُمْكِنُهَا تَثْبِيتُ جَرَيَانِ الزَّمَنِ، وَلَا تَحْتَوِي الِامْتِدَادَ اللَّانِهَائِيَّ لِلْفَضَاءِ، بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى إِعَادَةِ تَشْكِيلِ مَشَاهِدَ تَصْوِيرِيَّةٍ، وَتَنْظِيمِ الذِّكْرَيَاتِ وَالصُّوَرِ فِي تَرْكِيبٍ نَحْوِيٍّ، يُشَكِّلُ كِتَابًا كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ.

وَالْمُعَلِّمُ فِي كِتَابَةِ السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ الرِّوَائِيَّةِ، الْكَاتِبُ الْمُنْشَقُّ بِامْتِيَازٍ، خُوَانْ غُويْتِيسُولُو، يُحَذِّرُنَا مِنْ أَنَّ إِعَادَةَ بِنَاءِ الْمَاضِي سَتَكُونُ دَوْمًا خِيَانَةً لَهُ، عِنْدَمَا نَمْنَحُهُ اتِّسَاقًا لَاحِقًا، وَنُعِيدُ تَرْتِيبَهُ فِي تَسَلْسُلٍ سَرْدِيٍّ مُخَادِعٍ؛ وَيَنْصَحُنَا بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْكِتَابَةِ وَقَطْعِ السَّرْدِ لِتَقْلِيلِ الْأَضْرَارِ بِحِكْمَةٍ: فَالصَّمْتُ، وَفَقَطِ الصَّمْتُ، هُوَ مَا سَيُحَافِظُ عَلَى وَهْمِ الْحَقِيقَةِ صَافِيًا وَعَقِيمًا.

لَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِمُغَادَرَةِ الشَّفَاهِيَّةِ الَّتِي تَغْرَقُ فِيهَا الْمُجْتَمَعَاتُ غَيْرُ الْمُدَوِّنَةِ، حَيْثُ يَسُودُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ وَالْمَمْنُوعَاتُ، وَمُوَاجَهَةِ الْوَاقِعِ بِشَجَاعَةٍ، وَالتَّجَرُّدِ وَالِانْكِشَافِ عَبْرَ النَّصِّ الْمَكْتُوبِ؛ فَإِنَّهُ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ سَدَادِ الدَّيْنِ، لَا بِالْمَعْنَى الدِّينِيِّ، بَلْ كَعِلَاجٍ نَفْسِيٍّ تَحْلِيلِيٍّ، دُونَ الْحَاجَةِ إِلَى أَرَائِكِ الْمُحَلِّلِينَ الْفْرُويْدِيِّينَ أَوِ اللَّاكَانِيِّينَ، مُسْتَجِيبِينَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً لِلسَّاخِرِ مِيشِيل أُونْفْرَاي، الَّذِي يَنْتَقِدُ انْعِدَامَ الْأَسَاسِ الْعِلْمِيِّ فِي التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الْفْرُويْدِيِّ، وَيَصِفُهُ بِالْخُرَافَةِ فِي كِتَابِهِ: “فْرُويْد: أُفُولُ أَيْقُونَةٍ”.

إِنَّ مُجْتَمَعَاتِنَا الْأَصْلِيَّةَ، ذَاتَ الثَّقَافَةِ الشَّفَاهِيَّةِ الْغَالِبَةِ، تُفَضِّلُ الْكَلِمَةَ الْمَنْطُوقَةَ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ، وَتَمِيلُ إِلَى التَّخَيُّلِ أَكْثَرَ مِنَ التَّدْوِينِ، وَهِيَ نَادِرًا مَا تَنْفَتِحُ عَلَى السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ تَتَقَبَّلُ التَّمَرُّدَ؛ فَكُلُّ مَنْ يَعْبَثُ بِأُسُسِ الْأَخْلَاقِ أَوِ الْمُعْتَقَدَاتِ، يَتَعَرَّضُ لِهُجُومٍ شَرِسٍ مِنْ قُوًى خَفِيَّةٍ تَنْشَطُ عَلَى شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ إِصْدَارِ حُكْمٍ بِالْإِدَانَةِ مِنْ قِبَلِ أَحَدِ فُقَهَاءِ الدِّينِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السِّيرَةَ الذَّاتِيَّةَ كَجِنْسٍ أَدَبِيٍّ فِي مُجْتَمَعَاتٍ تَفْتَقِرُ إِلَى هَذَا التَّقْلِيدِ، تَجْعَلُ مِنْ مُمَارَسَةِ إِعَادَةِ بِنَاءِ الْحَيَاةِ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ التَّحَدِّي. وَمَنْ يَتَجَرَّأُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ مُحَمَّد شُكْرِي، يُصْبِحُ بِمَثَابَةِ سِيزِيف الْجَدِيدِ، كَاتِبًا مُعَذَّبًا وَمَطْرُودًا.

إِنَّ سَرْدَ شُكْرِي لِحَيَاتِهِ، فِي “الْخُبْزِ الْحَافِي”، الَّذِي تَعَرَّضَ لِلرَّقَابَةِ وَالتَّشْهِيرِ وَالْمَنْعِ مِنْ قِبَلِ دُورِ النَّشْرِ الْعَرَبِيَّةِ، عَذَّبَهُ طِيلَةَ حَيَاتِهِ، وَعَاقَبَهُ بِوَصْمَةِ كَوْنِهِ كَاتِبًا مَنْبُوذًا، مَحْرُومًا، وَمَوْصُوفًا بِأَنَّهُ مُعَادٍ لِلْوَطَنِيَّةِ. وَقَدْ كَانَتِ الْوَصْمَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ شَدِيدَةً إِلَى حَدٍّ أَنَّهَا دَفَعَتْ “بُوكُوفْسْكِي طَنْجَةَ” إِلَى الْإِدْمَانِ الْيَوْمِيِّ عَلَى الْكُحُولِ، كَمُخَدِّرٍ يُوَاجِهُ بِهِ قَلَقَهُ وَكآبَتَهُ.

تابعنا على الفيسبوك