تواصل معنا

القانون والناس

دسترة المحاماة وخصوصية ممارستها بين القانون والمطالبة

في خضم ما يشهده واقع التدهور الاقتصاديّ والاجتماعيّ للمجتمع المغربيّ، بعد أزمة «كورونا» لم ينأَ المجالُ الأخلاقيُّ والحقوقيُّ من هَذَا التقهقر، حيث عملت السلطات التشريعيَّة والبرلمانيَّة على الانسلاخ من بنود الدستور والقوانين الدولية، وسنَّت تشريعًا خاصًا بها يُشرّع ويُحلّل ويسنّ على حسب مزاجها، وما تراه هي بعيدًا عن الواقع المعيشي للمجال الحقوقي بمختلف أطيافه، خاصّةً المهن القضائية الحرّة، الَّتِي تدعو إلى إعمال القانون؛ انطلاقًا من واقعها، وليس من خلال الرؤية الأفقية لبعض منتسبيها.

فإن كانت المحاماة هي منبع النضال والمناضلات والمناضلين، الَّتِي تقف بجانب كلّ المهن على مرّ العصور لأخذ استقلاليتها ودسترتها؛ فإنّها الآن تُواجه بفضل اللا وعي واللا مسؤولية لأصحاب القرار في وضعها بموضع الاستسلام للأمر الواقع غير آبهة بمسارها النضالي، ولا بأنّها رسالة النبلاء وتلعب الدور الرياديّ في الدفاع عن الحقوق والحرّيات العامّة، كما تلعب الدور الأهمّ بالمساهمة في تحقيق دولة الحقّ والقانون، وفي تطوير منظومة العدالة بالمغرب من أجل استقلال السلطة القضائية، وتكريس قواعد المحاكمة العادلة، بما يضمن الدفاع وحماية حقوق المتقاضين، وكذا تعزيزُ الأمن القانونيّ والقضائيّ.

وما المطالبة بدسترة المحاماة المتأخر إلا سموٌ منها وتضحيةٌ منها للأولوية المشروعة لقطاع القضاء الَّذِي يُشكّل تكاملًا منطقيًا لها، فالدور الاستراتيجي للمحاماة داخل مشهد العدالة يقتضي دسترة المهنة والرقي بها؛ لتواكب باقي المؤسَّسات الشريكة في تحقيق العدالة. بالإضافة إلى العمل على تحديثها وتطويرها لمسايرة التطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وكذا التطوّرُ العلميّ والتكنولوجيّ. ليس بجعلها الآلة أو الوسيلة للتضريب وسحب ما تبقى من جيوب المواطنين، الَّذِينَ يلجؤون لردهات المحاكم للحصول على حقّهم المشروع دستوريًّا وقانونيًّا.

فهل حقّ المحامي بإعداد مشروع قانون المهنة والملف الضريبي وملف التغطية الصحية والتقاعد لارتباطها الوثيق بالممارسة المهنية وبالوضعية الاجتماعية حقّ مشروع؟ أم أنّه يمكن الاستغناء عنه لمجرد الاستغناء؟! وإن كان تاريخ النضال عبر التاريخ لم يشفع له أن يُناضل بشكل أكثر صرامةً وواقعيةً لتحقيق مكتسباته ودسترة حقه المشروع

هل تفكير المحامي بالمجتمع المغربي في ظل الآثار الاجتماعيّة لجائحة «كورونا» ومساهماته الفعَّالة حمّست الحكومة لإعداد تصوّر وخطة لحلول جذرية لا تُراعي خصوصية المهنة والمكتسبات الَّتِي حُقّقت في المجال ولا للظرفية الراهنة؟! أم أنَّ سياسةَ الإغراق لجميع المهن الحرّة، الَّتِي لا تكلف الدولة شيئًا هي الحل؟!

إنَّ «دسترة» المحاماة تلزم الدولة من أجل التدخّل لحماية المهنة من كلّ ما يمس باستقلاليتها وحريتها، كما أنَّها ستصبح مُلزمة بالتدخل من أجل تقديم جميع أوجه الدعم للمهنة وممتهنيها، لا سيَّما على مستوى الدعم المالي في حال تعرضها لأزمة تحدّ بشكل كلّيّ أو جزئيّ من أنشطتها ووظائفها، الَّتِي لا يعرفها إلا منتسبوها بعد التوقّف الَّذِي طال أمده، بسبب جائحة وباء (كوفيد 19)، وبدلًا من أن تسعى الدولة للعمل على التفكير بالأوضاع المُزرية لغالبية المحامين المالية، وعجز الهيئات عن تقديم الدعم اللازم والضروري، فإنّ الدولة زادت للأمر أكثر سوادًا وقتامةً وفرضت ضرائبَ أكثرَ.

رغم أن المحامين قدَّموا ويقدمون خدمةً ساميةً، ويساعدون الدولة على تنزيل مبدأ من أهمّ المبادئ الَّتِي من المفروض على الدولة أن تلتزم بها اتجاه مُواطنيها، وهو الحقّ في العدل وفي المحاكمة العادلة.

 وقد تمّ إغراقهم بالضرائب وإبعادهم عن كلّ ما يتعلّق بالمشاريع القانونيَّة، فالتساؤلات المطروحة من قبل جميع الفاعلين في المجال القضائي بشأن مصير الحرّيات، والحقوق الأساسية بالمغرب وما محلّ النقابات من الإعراب في إعادة توازن السياسة الحقوقيَّة والتشريعيَّة وعدم تزاوجها بالمال؟

تابعنا على الفيسبوك