تواصل معنا

آخر الأخبار

توترات الرباط ومدريد بعد أحداث سبتة تدفع المغرب لتنويع بواباته الأوروبية انطلاقًا من طنجة نحو البرتغال

البدائل‭ ‬تشمل‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬والرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬والنفق‭ ‬البحري

في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬التوتر‭ ‬الذي‭ ‬يطبع‭ ‬العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية،‭ ‬منذ‭ ‬أحداث‭ ‬سبتة‭ ‬شهر‭ ‬يوليوز‭ ‬الماضي،‭ ‬تتّجه‭ ‬الرباط‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬خياراتها‭ ‬في‭ ‬الربط‭ ‬مع‭ ‬أوروبا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إحياء‭ ‬مشاريع‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬تشمل‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنقل‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية؛‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬المغرب‭ ‬منافذ‭ ‬إضافية‭ ‬لا‭ ‬تمرّ‭ ‬حصرًا‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬والموانئ‭ ‬الإسبانية‭.‬

وتبرز‭ ‬طنجة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه،‭ ‬باعتبارها‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الرئيسية‭ ‬لعددٍ‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬الربط‭ ‬المقترحة‭ ‬مع‭ ‬الضفة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬من‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬والبحري‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬إلى‭ ‬تصوُّرات‭ ‬مستقبلية‭ ‬لربط‭ ‬طرقي‭ ‬مباشر،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواصل‭ ‬فيه‭ ‬إسبانيا‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بموقعها‭ ‬بوصفها‭ ‬شريكًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬للمغرب‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والنقل‭.‬

*الــربط‭ ‬الكـهربــائي‭.. ‬مـن‭ ‬طنجة‭ ‬إلــى‭ ‬البــرتــغـــــال

ويندرج‭ ‬توجه‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬مشروع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬ضمن‭ ‬سياسة‭ ‬أوسع‭ ‬لتنويع‭ ‬الشراكات‭ ‬والمنافذ‭ ‬الأوروبية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬توترًا‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬عملية‭ ‬الاقتحام‭ ‬الجماعي‭ ‬لمدينة‭ ‬سبتة‭ ‬أواخر‭ ‬يوليوز‭ ‬الماضي،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬المشروع‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬إسبانيا‭ ‬أو‭ ‬استبدالها‭ ‬بالبرتغال،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬الرباط‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬أوروبي‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والتجارة‭ ‬واللوجستيك‭.‬

وعاد‭ ‬المشروع‭ ‬المغربي‭ ‬البرتغالي‭ ‬إلى‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال‭ ‬بعد‭ ‬توقّف‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬عقب‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬وزيرة‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬ليلى‭ ‬بنعلي‭ ‬بنظيرتها‭ ‬البرتغالية‭ ‬ماريا‭ ‬دا‭ ‬غراسا‭ ‬كارفاليو‭ ‬في‭ ‬لشبونة‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬يوليوز‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬اتَّفق‭ ‬الطرفان‭ ‬على‭ ‬استئناف‭ ‬العمل‭ ‬به‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬التمويلات‭ ‬الضرورية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬الدعم‭ ‬الأوروبية‭ ‬أو‭ ‬بمشاركة‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وتستهدف‭ ‬الوصلة‭ ‬الجديدة‭ ‬قدرة‭ ‬تناهز‭ ‬1000‭ ‬ميغاواط،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬المغرب‭ ‬منفذًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬نحو‭ ‬الشبكة‭ ‬الكهربائية‭ ‬الأوروبية‭.‬

وتكتسب‭ ‬الخطوة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لأنَّ‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬المغربي‭ ‬بأوروبا‭ ‬يمرُّ‭ ‬حاليًا‭ ‬عبر‭ ‬إسبانيا‭ ‬فقط،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خطين‭ ‬بحريين‭ ‬بجهد‭ ‬400‭ ‬كيلوفولت،‭ ‬تبلغ‭ ‬القدرة‭ ‬التقنية‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭ ‬700‭ ‬ميغاواط،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬1400‭ ‬ميغاواط‭ ‬إجمالا،‭ ‬وكان‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬قد‭ ‬وقّعا‭ ‬سنة‭ ‬2019‭ ‬اتِّفاقا‭ ‬لإنشاء‭ ‬خط‭ ‬ثالث‭ ‬بالقدرة‭ ‬نفسها،‭ ‬وبكلفة‭ ‬قدرت‭ ‬آنذاك‭ ‬بنحو‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬يورو،‭ ‬لكنَّه‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬الخدمة‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الآن‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬سيتيح‭ ‬الربط‭ ‬المرتقب‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬مسارًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬جديدًا‭ ‬نحو‭ ‬الشبكة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬دون‭ ‬الاعتماد‭ ‬حصرًا‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الإسبانية،‭ ‬وسيكون‭ ‬الخط‭ ‬ثنائي‭ ‬الاتجاه،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتبادل‭ ‬الكهرباء‭ ‬وَفْق‭ ‬حاجيات‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬وظروف‭ ‬السوق،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬للمغرب‭ ‬استيراد‭ ‬الكهرباء‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتصديرها‭ ‬عند‭ ‬توفر‭ ‬فائض،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬المنظومة‭ ‬الوطنية‭ ‬مرونة‭ ‬أكبر‭.‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬الكلفة‭ ‬النهائية‭ ‬للمشروع‭ ‬غير‭ ‬محسومة،‭ ‬إذ‭ ‬تتراوح‭ ‬التقديرات‭ ‬بين‭ ‬800‭ ‬مليون‭ ‬ومليار‭ ‬يورو،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬تحديث‭ ‬الدراسات‭ ‬التقنية‭ ‬والمالية‭ ‬وتحديد‭ ‬المسار‭ ‬النهائي‭ ‬للكابل‭ ‬البحري،‭ ‬كما‭ ‬يسعى‭ ‬البلدان‭ ‬إلى‭ ‬منح‭ ‬المشروع‭ ‬صفة‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬ذي‭ ‬مصلحة‭ ‬أوروبية‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬التمويل‭ ‬الأوروبي‭ ‬واستقطاب‭ ‬استثمارات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.‬

وتتجاوز‭ ‬أهمية‭ ‬المشروع‭ ‬الجانب‭ ‬التقني،‭ ‬إذ‭ ‬يرتبط‭ ‬بتوجه‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬تنويع‭ ‬علاقاته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬وعدم‭ ‬ربط‭ ‬القطاعات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بشريك‭ ‬أو‭ ‬مسار‭ ‬واحد،‭ ‬يأتي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬الكهرباء،‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬نحو‭ ‬49‭ ‬تيراواط‭ ‬للساعة‭ ‬بزيادة‭ ‬7,4%،‭ ‬فيما‭ ‬ارتفعت‭ ‬ذروة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬إلى‭ ‬7990‭ ‬ميغاواط،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسجل‭ ‬ذروة‭ ‬جديدة‭ ‬بلغت‭ ‬8400‭ ‬ميغاواط‭ ‬خلال‭ ‬يوليوز‭ ‬2026‭.‬

وبلغت‭ ‬القدرة‭ ‬الكهربائية‭ ‬المركبة‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬12‭.‬314‭ ‬ميغاواط،‭ ‬تُمثّل‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭ ‬منها‭ ‬46,1%،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الفحم‭ ‬ظلَّ‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للإنتاج‭ ‬الفعلي‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬بحصة‭ ‬قاربت‭ ‬61,5%،‭ ‬مقابل‭ ‬16%‭ ‬للرياح‭ ‬و10,9%‭ ‬للغاز‭ ‬و5,8%‭ ‬للطاقة‭ ‬الشمسية‭. ‬ويجعل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬المتجدد‭ ‬والتخزين‭ ‬وشبكات‭ ‬الربط‭ ‬الخارجي‭ ‬عناصر‭ ‬مترابطة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الطاقية‭ ‬للمملكة‭.‬

كما‭ ‬أبرز‭ ‬انقطاع‭ ‬الكهرباء‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬إسبانيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أبريل‭ ‬2025‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الروابط،‭ ‬بعدما‭ ‬طلبت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬Red Eléctrica‮»‬‭ ‬الإسبانية‭ ‬دعمًا‭ ‬من‭ ‬المكتب‭ ‬الوطني‭ ‬للكهرباء‭ ‬والماء‭ ‬الصالح‭ ‬للشرب،‭ ‬وعُكس‭ ‬اتجاه‭ ‬تدفق‭ ‬الكهرباء‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬إسبانيا‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬الشبكة،‭ ‬وأظهرت‭ ‬الأزمة‭ ‬أن‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قناةً‭ ‬للدعم‭ ‬وتصدير‭ ‬الطاقة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للاستيراد‭.‬

وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬يتجه‭ ‬المغرب،‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المتاحة،‭ ‬إلى‭ ‬التخلّي‭ ‬عن‭ ‬الربط‭ ‬مع‭ ‬إسبانيا،‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬شريكًا‭ ‬رئيسيًّا،‭ ‬وإنَّما‭ ‬إلى‭ ‬إضافة‭ ‬منفذ‭ ‬آخر‭ ‬عبر‭ ‬البرتغال،‭ ‬ويمنح‭ ‬تعدّد‭ ‬الروابط‭ ‬المملكة‭ ‬هامشًا‭ ‬أوسعَ‭ ‬للمناورة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬حاجياتها‭ ‬الكهربائية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬وتوسع‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الطاقات‭ ‬المتجددة‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬التوتر‭ ‬الحالي‭ ‬مع‭ ‬مدريد،‭ ‬يكتسب‭ ‬المشروع‭ ‬بُعدًا‭ ‬سياسيًّا‭ ‬واقتصاديًّا‭ ‬إضافيًّا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنَّ‭ ‬الرباط‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬لشبونة‭ ‬بوصفها‭ ‬بديلًا‭ ‬لإسبانيا،‭ ‬فالعلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬متشابكة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والطاقة‭ ‬والهجرة‭ ‬والأمن،‭ ‬لكنَّ‭ ‬تعزيز‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬يتيح‭ ‬للمغرب‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬خياراته‭ ‬وتقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬واحدة،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬طموحه‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬لتبادل‭ ‬الطاقة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا‭.‬

*هل‭ ‬يوجه‭ ‬الميناء‭ ‬المتوسطي‭ ‬أنظاره‭ ‬إلى‭ ‬بورتيماو؟

ولم‭ ‬تكن‭ ‬فكرة‭ ‬تنويع‭ ‬المغرب‭ ‬لمساراته‭ ‬البحرية‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا‭ ‬وليدة‭ ‬الظرف‭ ‬الحالي،‭ ‬إذ‭ ‬برزت‭ ‬البرتغال‭ ‬بوصفها‭ ‬خيارًا‭ ‬بديلًا‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬2021،‭ ‬عندما‭ ‬دخلت‭ ‬العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مراحلها‭ ‬توترًا،‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬استقبال‭ ‬مدريد‭ ‬بشكل‭ ‬سري‭ ‬لزعيم‭ ‬جبهة‭ ‬البوليساريو‭ ‬إبراهيم‭ ‬غالي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الرباط‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬خياراتها‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنقل‭ ‬البحري،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استبعاد‭ ‬الموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬مرحبا‮»‬‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة،‭ ‬دخل‭ ‬المغرب‭ ‬والبرتغال‭ ‬في‭ ‬مباحثات‭ ‬بشأن‭ ‬إطلاق‭ ‬خط‭ ‬بحري‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬ميناء‭ ‬بورتيماو،‭ ‬جنوب‭ ‬البرتغال،‭ ‬وميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬باعتباره‭ ‬مسارًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬بديلًا‭ ‬أمام‭ ‬أفراد‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وكان‭ ‬المقترح‭ ‬يحمل‭ “‬آنذاك‭” ‬أهمية‭ ‬عملية،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬بورتيماو‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬البرتغالي‭ ‬وإمكانية‭ ‬ربطه‭ ‬مباشرةً‭ ‬بشمال‭ ‬المغرب،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للمسافرين‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬عبر‭ ‬مسار‭ ‬لا‭ ‬يمر‭ ‬بالموانئ‭ ‬الإسبانية‭.‬

ويبعد‭ ‬ميناء‭ ‬بورتيماو‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭ ‬بنحو‭ ‬148‭ ‬ميلًا‭ ‬بحريًّا،‭ ‬وهي‭ ‬مسافة‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الرحلة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬تسع‭ ‬ساعات،‭ ‬بحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬طرح‭ ‬المشروع،‭ ‬مقابل‭ ‬مدة‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬بالنسبة‭ ‬لبعض‭ ‬الخطوط‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬طنجة‭ ‬بموانئ‭ ‬جنوب‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬العامل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إمكانية‭ ‬تفادي‭ ‬الازدحام‭ ‬والانتظار‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الذروة،‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الخط‭ ‬البرتغالي‭ ‬المقترح‭ ‬يحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الظرف‭.‬

لكنَّ‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬أفرز‭ ‬الفكرة‭ ‬تغير‭ ‬لاحقًا،‭ ‬فقد‭ ‬انتهت‭ ‬الأزمة‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬جديد‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬مع‭ ‬استعادة‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬لقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬وعودة‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الملفات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الهجرة‭ ‬والأمن‭ ‬والتجارة،‭ ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬البرتغال‭ ‬مطروحة‭ ‬باعتبارها‭ ‬بديلًا‭ ‬اضطراريًّا‭ ‬عن‭ ‬إسبانيا؛‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬سياق‭ ‬سنة‭ ‬2021،‭ ‬وإنَّما‭ ‬احتفظت‭ ‬الفكرة‭ ‬بقيمتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬خيارًا‭ ‬إضافيًّا‭ ‬يمكن‭ ‬تفعيله‭ ‬عندما‭ ‬تتوفر‭ ‬الشروط‭ ‬المناسبة‭.‬

وتكشف‭ ‬معطيات‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬مرحبا‮»‬‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬أهمية‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬والجالية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالخارج،‭ ‬ففي‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬عبر‭ ‬نحو‭ ‬3,08‭ ‬ملايين‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬إلى‭ ‬المملكة،‭ ‬بزيادة‭ ‬كبيرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنة‭ ‬2021،‭ ‬واختار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصفهم‭ ‬المعابر‭ ‬البحرية،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬الموانئ‭ ‬والطرق‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬المغرب‭ ‬بأوروبا‭ ‬تُمثّل‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬تنقل‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المغاربة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬تعدد‭ ‬الخطوط‭ ‬والموانئ‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التجارية‭ ‬البحتة‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬بورتيماو‭ – ‬طنجة،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬أزمة‭ ‬2021،‭ ‬توفير‭ ‬منفذ‭ ‬مؤقت‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬إمكانية‭ ‬التحوُّل‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬دائم‭ ‬يخدم‭ ‬حركة‭ ‬الأشخاص‭ ‬والبضائع‭ ‬والسياحة،‭ ‬فوجود‭ ‬مسار‭ ‬بحري‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬كان‭ ‬سيتيح‭ ‬للمسافرين‭ ‬خياراتٍ‭ ‬أوسع؛‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تدفقات‭ ‬سياحية‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬المباشر‭ ‬قد‭ ‬يشجع‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬البرتغاليين‭ ‬على‭ ‬زيارة‭ ‬المغرب،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يسهل‭ ‬على‭ ‬المغاربة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البرتغال‭.‬

وعندما‭ ‬عادت‭ ‬العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬تدريجيًّا،‭ ‬لم‭ ‬يغلق‭ ‬المغرب‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬نهائيًّا،‭ ‬ففي‭ ‬سنة‭ ‬2023،‭ ‬أعيد‭ ‬طرح‭ ‬فكرة‭ ‬الخط‭ ‬البحري‭ ‬خلال‭ ‬الاجتماع‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬المغربي‭ ‬البرتغالي،‭ ‬حيث‭ ‬تحدث‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬عزيز‭ ‬أخنوش‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬والجوي،‭ ‬وأعلن‭ ‬أن‭ ‬تفعيل‭ ‬الربط‭ ‬البحري‭ ‬كان‭ ‬متوقعا‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬ورغم‭ ‬أنَّ‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬منتظم‭ ‬وفق‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬طرح‭ ‬حينها،‭ ‬فإن‭ ‬إعادة‭ ‬إحيائه‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الأزمة‭ ‬مع‭ ‬إسبانيا‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬دلالة،‭ ‬لأنَّها‭ ‬أخرجت‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬الاستجابة‭ ‬لظرف‭ ‬دبلوماسي‭ ‬عابر‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬أوسع‭ ‬يتعلق‭ ‬بتنويع‭ ‬خيارات‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الربط‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭.‬

وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬الرباط‭ “‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مدريد‭” ‬لم‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬البدائل‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬خلال‭ ‬أزمة‭ ‬2021‭ ‬باعتبارها‭ ‬أوراقًا‭ ‬مؤقتة‭ ‬ينبغي‭ ‬التخلي‭ ‬عنها‭ ‬بانتهاء‭ ‬الأزمة،‭ ‬فالربط‭ ‬البحري‭ ‬مع‭ ‬البرتغال‭ ‬ظل‭ ‬خيارًا‭ ‬يمكن‭ ‬العودة‭ ‬إليه‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬سواء‭ ‬لأسباب‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالنقل‭ ‬أو‭ ‬السياحة‭ ‬أو‭ ‬التجارة،‭ ‬أو‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬لتعدد‭ ‬الشركاء‭ ‬والمسارات‭ ‬الأوروبية‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إسبانيا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬قيام‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬خسارة‭ ‬فورية‭ ‬لحجم‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬البحرية،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أفضلية‭ ‬موانئها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬وكثافة‭ ‬الرحلات،‭ ‬لكن‭ ‬وجود‭ ‬بديل‭ ‬برتغالي‭ ‬قابل‭ ‬للتطوير‭ ‬يمنح‭ ‬المسافرين‭ ‬المغاربة‭ ‬خيارات‭ ‬إضافية،‭ ‬وقد‭ ‬يحد‭ ‬مستقبلًا‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬المطلق‭ ‬على‭ ‬الموانئ‭ ‬الإسبانية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬اقترنت‭ ‬الرحلات‭ ‬المنتظرة‭ ‬بأسعار‭ ‬تنافسية‭ ‬وبرنامج‭ ‬منتظم‭ ‬ومواعيد‭ ‬ملائمة،‭ ‬وبذلك‭ ‬تحوَّلت‭ ‬فكرة‭ “‬ولدت‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬دبلوماسية‭” ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬احتياطية‭ ‬أبقى‭ ‬المغرب‭ ‬عليها‭ ‬مفتوحة،‭ ‬ضمن‭ ‬تصوُّر‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ألَّا‭ ‬تكون‭ ‬علاقته‭ ‬بأوروبا‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمسار‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬شريك‭ ‬واحد‭.‬

*نفق‭ ‬بحري‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬جديد

ويمتد‭ ‬توجه‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬البرتغال‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬والنقل‭ ‬البحري،‭ ‬إذ‭ ‬ظهرت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تصوُّرات‭ ‬لمشاريع‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ “‬في‭ ‬حال‭ ‬انتقالها‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ‭” ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬بعض‭ ‬مسارات‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المملكة‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬مشروع‭ ‬طموح‭ ‬لربط‭ ‬المغرب‭ ‬بالبرتغال‭ ‬عبر‭ ‬نفق‭ ‬بحري‭ ‬مُخصّص‭ ‬للطريق‭ ‬السيار،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬مسارًا‭ ‬بريًّا‭ ‬مباشرًا‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬ويُعزّز‭ ‬موقع‭ ‬المغرب‭ ‬بوصفه‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا‭.‬

وبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬نشرته‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬OkDiario‮»‬‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬ماي‭ ‬الماضي،‭ ‬دخل‭ ‬المشروع‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬من‭ ‬التخطيط،‭ ‬مع‭ ‬تصور‭ ‬لربط‭ ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬ذات‭ ‬السعة‭ ‬الكبيرة‭ ‬شمال‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة‭ ‬بالمنظومة‭ ‬الطرقية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬ألغارفي‮»‬‭ ‬جنوب‭ ‬البرتغال،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬الطريق‭ ‬السيار‭ ‬A22‭ ‬ويعتمد‭ ‬التصوُّر‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬نفق‭ ‬مزدوج‭ ‬يضم‭ ‬مسارات‭ ‬منفصلة‭ ‬لحركة‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الاتجاهين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ممرّ‭ ‬مخصص‭ ‬للجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬والطوارئ،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتوفير‭ ‬شروط‭ ‬السلامة‭ ‬اللازمة‭ ‬لمنشأة‭ ‬تمتد‭ ‬تحت‭ ‬البحر‭.‬

وتتجاوز‭ ‬أهمية‭ ‬الفكرة‭ ‬مجرد‭ ‬اختصار‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬البحر،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ “‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭” ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬ممرًا‭ ‬بريًّا‭ ‬جديدًا‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬الأشخاص‭ ‬والبضائع،‭ ‬ويربط‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬موانئ‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬ومراكز‭ ‬لوجستية‭ ‬في‭ ‬البلدين؛‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬موقع‭ ‬طنجة‭ “‬باعتبارها‭ ‬نقطة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬المغربية‭” ‬وموقع‭ ‬ألغارفي‭ ‬كبوابة‭ ‬جنوبية‭ ‬للبرتغال‭ ‬يمنحان‭ ‬المشروع‭ ‬بُعدًا‭ ‬يتصل‭ ‬بإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬بعض‭ ‬التدفقات‭ ‬التجارية‭ ‬واللوجستية‭ ‬بين‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الإيبيرية‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المتداولة‭ ‬بشأن‭ ‬التصور‭ ‬الهندسي‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬عملية‭ ‬إنشائية‭ ‬بسيطة،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬البيئة‭ ‬البحرية‭ ‬والضغوط‭ ‬الجيولوجية‭ ‬والمخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬ببناء‭ ‬منشأة‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬ولهذا‭ ‬تبرز‭ ‬ضمن‭ ‬الحلول‭ ‬التقنية‭ ‬قيد‭ ‬الدراسة‭ ‬تقنيات‭ ‬للحفر‭ ‬بواسطة‭ ‬آلات‭ ‬متخصصة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬مقاطع‭ ‬مسبقة‭ ‬الصنع‭ ‬يتم‭ ‬تركيبها‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬بحرية،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬أنظمة‭ ‬متقدمة‭ ‬للتهوية‭ ‬والمراقبة‭ ‬والسلامة،‭ ‬وملاجئ‭ ‬ومخارج‭ ‬مخصصة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحالات‭ ‬الطارئة‭.‬

كما‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬المشروع،‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬انتقال‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لسلسلة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬البيئية‭ ‬والجيوتقنية‭ ‬والتقنية،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬حساسية‭ ‬المجال‭ ‬البحري‭ ‬وتأثير‭ ‬أي‭ ‬أشغال‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬الأنظمة‭ ‬البيئية‭ ‬والتيارات‭ ‬والأحياء‭ ‬البحرية،‭ ‬ويجري‭ ‬تصور‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬مراحل‭ ‬تبدأ‭ ‬بالدراسات‭ ‬الأولية‭ ‬والتقييمات‭ ‬البيئية،‭ ‬وتحليل‭ ‬طبيعة‭ ‬قاع‭ ‬البحر،‭ ‬ثم‭ ‬إعداد‭ ‬المداخل‭ ‬ومناطق‭ ‬التجميع،‭ ‬قبل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الأشغال‭ ‬الرئيسية‭ ‬تحت‭ ‬البحر،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬تركيب‭ ‬أنظمة‭ ‬التشغيل‭ ‬وإجراء‭ ‬الاختبارات‭ ‬اللازمة‭.‬

وتتجاوز‭ ‬التكلفة‭ ‬الأولية‭ ‬للمشروع،‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المنشورة،‭ ‬800‭ ‬مليون‭ ‬يورو،‭ ‬وهي‭ ‬قيمة‭ ‬مرشحة‭ ‬للتغير‭ ‬تبعا‭ ‬لنتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬وطبيعة‭ ‬التكوينات‭ ‬الجيولوجية‭ ‬والمخاطر‭ ‬الزلزالية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬المالي‭ ‬الذي‭ ‬سيعتمد‭ ‬لتمويل‭ ‬المنشأة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الكلفة‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬بحفر‭ ‬النفق‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬تشمل‭ ‬الدراسات‭ ‬والتراخيص‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمداخله‭ ‬وتجهيزاته‭ ‬الأساسية‭.‬

وفي‭ ‬حال‭ ‬بلوغ‭ ‬المشروع‭ ‬مرحلة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الإدارة‭ ‬التشغيلية‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬الرقمية‭ ‬الحديثة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنظمة‭ ‬المراقبة‭ ‬الفورية‭ ‬لحركة‭ ‬المرور‭ ‬والتحصيل‭ ‬الإلكتروني‭ ‬للرسوم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬نماذج‭ ‬رقمية‭ ‬للبنية‭ ‬التحتية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬توقع‭ ‬الأعطاب‭ ‬وتحسين‭ ‬أعمال‭ ‬الصيانة،‭ ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬توجهًا‭ ‬نحو‭ ‬تصميم‭ ‬منشأة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬وظيفتها‭ ‬على‭ ‬العبور،‭ ‬وإنما‭ ‬تعتمد‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬لإدارة‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭ ‬والسلامة‭ ‬والاستمرارية‭ ‬التشغيلية‭.‬

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يوجد‭ ‬فيه‭ ‬مشروع‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬رسوخا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدراسات‭ ‬والاتصالات‭ ‬الرسمية،‭ ‬يتعلق‭ ‬بالربط‭ ‬القاري‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬ويختلف‭ ‬المشروعان‭ ‬في‭ ‬طبيعتهما‭ ‬ومسارهما،‭ ‬فالنفق‭ ‬المغربي‭ ‬الإسباني‭ ‬المقترح‭ ‬مخصص‭ ‬أساسا‭ ‬للسكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬بينما‭ ‬يعتمد‭ ‬التصور‭ ‬المغربي‭ ‬البرتغالي‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬طرقي‭ ‬مباشر،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬كليهما‭ ‬يعكس‭ ‬اتجاهًا‭ ‬واحدًا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بنى‭ ‬تحتية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جعل‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬فضاء‭ ‬للربط‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬حاجز‭ ‬جغرافي‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا‭.‬

ويبلغ‭ ‬طول‭ ‬النفق‭ ‬المقترح‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬نحو‭ ‬42‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬منها‭ ‬نحو‭ ‬28‭ ‬كيلومترا‭ ‬تحت‭ ‬قاع‭ ‬البحر،‭ ‬مع‭ ‬اختيار‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬عتبة‭ ‬المضيق‮»‬‭ ‬بين‭ ‬بونتا‭ ‬بالوما‭ ‬الإسبانية‭ ‬وبونتا‭ ‬مالاباطا‭ ‬المغربية‭ ‬باعتبارها‭ ‬المسار‭ ‬الأقل‭ ‬عمقا‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬ويتضمن‭ ‬التصور‭ ‬ثلاثة‭ ‬أروقة،‭ ‬اثنان‭ ‬منها‭ ‬للسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬لنقل‭ ‬المسافرين‭ ‬والبضائع،‭ ‬بينما‭ ‬يخصص‭ ‬الثالث‭ ‬للخدمات‭ ‬والصيانة‭ ‬والطوارئ،‭ ‬فيما‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬الجمعية‭ ‬الإسبانية‭ ‬لدراسات‭ ‬الاتصالات‭ ‬الثابتة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬اكتمال‭ ‬المشروع‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬2030‭ ‬و2040‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المغرب،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬تعدد‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬يكشف‭ ‬اتجاها‭ ‬نحو‭ ‬توسيع‭ ‬الخيارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالربط‭ ‬الأوروبي،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والتنقل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمسار‭ ‬واحد،‭ ‬فإلى‭ ‬جانب‭ ‬الروابط‭ ‬القائمة‭ ‬مع‭ ‬إسبانيا،‭ ‬تبرز‭ ‬البرتغال‭ ‬باعتبارها‭ ‬شريكا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُوفّر‭ ‬منفذًا‭ ‬إضافيًّا،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬أو‭ ‬الكهرباء‭ ‬أو،‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الأبعد،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاريع‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬أكثر‭ ‬طموحًا،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرباط‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬بوصفها‭ ‬بدائلَ‭ ‬جاهزة‭ ‬عن‭ ‬إسبانيا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬خيارات‭ ‬متعددة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك