آخر الأخبار
اختلالات الخريطة الإدارية بطنجة.. هل يعيد التقطيع الترابي المرتقب التـوازن المفقود بيـن المقاطـعات؟
بينما تواصل مدينة طنجة ارتداء حلتها الكبرى كقطب اقتصادي وسياحي استراتيجي يحظى بعناية ملكية خاصة، تتصاعد في كواليس المجالس المنتخبة والفعاليات المدنية أصوات تدقّ ناقوس الخطر بشأن واقع التفاوتات المجالية العميقة التي تعتري العاصمة الاقتصادية للشمال.
فخلف واجهة الأبراج العالية والمشاريع الكبرى، تختبئ مفارقات صارخة بين مقاطعات تنعم بالوفرة والبنيات التحتية المتطورة، وأخرى تعيش على وقع التهميش والخصاص المزمن في المرافق الأساسية، مما يعيد إلى الواجهة النقاش الساخن بشأن جدوى التقطيع الترابي الحالي ومدى قدرته على تحقيق العدالة المجالية المنشودة.
ولا تكف التقارير والندوات المحلية عن إثارة إشكالية التقطيع الإداري والترابي الحالي بطنجة، الذي أفرزته محطات تنظيمية سابقة أثبتت التجربة الميدانية قصورها في مواكبة الطفرة الديموغرافية والعمرانية العارمة التي شهدتها المدينة خلال العقدين الأخيرين. فحسب قراءات متتبعين للشأن المحلي، تعاني الخريطة الحالية عطبًا بنيويًّا يتمثل في غياب التوازن بين الموارد المالية المتاحة والكثافة السكانية الحقيقية لبعض المقاطعات.
فبينما تُسجّل مقاطعات مركزية مداخيل جبائية محترمة وتستأثر بنصيب الأسد من المشاريع والتجهيزات العمومية، تجد مقاطعات أخرى، لا سيَّما الواقعة في الأطراف والأحياء الهامشية، نفسها عاجزة عن تلبية أبسط انتظارات ساكنتها بسبب ضعف الاعتمادات وغياب الوعاء العقاري والجبائي المنتج للثروة.
هذا الوضع، بحسب هيئات مدنية وحقوقية بالمدينة، ينعكس مباشرةً على جودة الخِدْمات المقدمة للمواطن؛ حيث تتخبط أحياء كاملة في مشكلات مرتبطة بالإنارة العمومية، وتهالك شبكات الطرق، وقلة المساحات الخضراء، وغياب المرافق الثقافية والرياضية الموجهة للشباب.
ويرى خبراء في التخطيط الحضري أن الاستمرار في الاعتماد على مقاربة إدارية كلاسيكية لا تراعى فيها الخصوصيات السوسيو-اقتصادية والديموغرافية الدقيقة لكل منطقة، يكرس ما يسمى بـ«المجاميع الحضرية المعزولة»، وهو ما يجهض الجهود الرامية إلى خلق مدينة مندمجة ومتوازنة.
وبدل أن يكون التقطيع أداة لتجريب الحكامة الترابية وتجويدها، تحول في بعض الأحيان إلى جدار عازل يعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية بين أحياء المدينة الواحدة. وأمام هذه التحديات الملحة، تتجه الأنظار نحو ضرورة التفكير الجدي في صياغة هندسة ترابية وإدارية جديدة لطنجة، ترتكز على معايير علمية دقيقة وواقعية.
ويتَّفق المهتمون على أن أي تقطيع مرتقب يجب أن يقطع مع منطق الحسابات الضيقة والترضيات السياسية، ليقوم بدل ذلك على ضمان توزيع عادل ومتوازن للمشاريع التنموية والخدمات العمومية، وتمكين المقاطعات الضعيفة من آليات جبائية وموارد ذاتية تدعم استقلاليتها التنموية، بالإضافة إلى الإنصات الميداني وإشراك الفاعلين المحليين والخبراء في هندسة خريطة ترابية تستجيب لمتطلبات التوسع العمراني السريع.
فهل ترتفع المجالس المنتخبة والجهات الوصية إلى مستوى التحديات الكبرى التي تواجه طنجة، وتعمل على تصحيح بوصلة التنمية عبر تقطيع ترابي منصف، أم أن دار لقمان ستظل على حالها في انتظار التفاتة أخرى؟


