إقتصاد
أسعار الإيجار والمواد الغذائية والخدمات ترتفع في كل الجهة.. هل يؤدي سكان الشمال ضريبة موسم الصيف؟
الأرقـــــام الرســــميــة أثبتت تسجيل الغــــلاء في مـــدن طنجة وتطــــوان والحسيــــمة بالتــــــزامن مع العطــــلة
يشهد المغرب كل فصل صيف ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار بمختلف القطاعات، نتيجة التقاء عدّة عوامل مرتبطة بالموسم السياحي، فمع حلول العطلة الصيفيَّة، تتدفق أعدادٌ كبيرةٌ من السياح الأجانب على المدن المغربيَّة الساحليَّة، تضاف إليهم جموع المغاربة المقيمين بالخارج الذين يفضلون قضاء إجازاتهم في بلدهم الأم، إلى جانب حركة السياحة الداخليَّة التي تعرف ذروتها بين شهري يوليوز وغشت.
هذا التزايد في الطلب يُؤدّي، مباشرةً، إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الخدمات والمنتجات، الأمر الذي يثير استياء الساكنة المحليَّة التي تجد نفسها مضطرة لتحمّل تبعات سياحة لا تستفيد منها إلا بشكل محدود. وخلال صيف سنة 2025، كانت حركة السياحة كبيرة جدًّا، وهو ما كان متوقعًا بسبب ارتفاع النشاط الفندقي بالجهة منذ بداية السنة، إذ سجلت فنادق عمالة طنجة – أصيلة لوحدها ما يقارب 660 ألف ليلة مبيت مع متم يونيو الماضي، وَفْق أرقام رسميَّة صادرة عن المرصد الوطني للسياحة.
والمدن الشماليَّة، خاصة مدن جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، تعدُّ الأكثر تضررًا من هذا الوضع، بحكم موقعها الجغرافي المتميز وشهرتها الواسعة كوجهة صيفيَّة أولى سواء للمغاربة أو للأجانب، فشواطئ مثل مارتيل والمضيق والفنيدق إلى جانب الفحص – أنجرة وسواحل الحسيمة وطنجة وأصيلة، تستقطب آلاف الزوار يوميًّا، ما يجعل الضغط كبيرًا على البنيَّة التحتيَّة والخدمات المحليَّة.
الغلاء في الشمال.. عادة صيفية
في ظل هذا الطلب الكثيف، يسارع أصحاب الفنادق وأرباب الشقق السياحيَّة إلى رفع الأسعار لمستويات غير مسبوقة، إذ يتضاعف ثمن الليلة الواحدة مقارنة بالفترات العاديَّة، وأحيانًا يصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف السعر المعتاد، بل إنَّ أسعار الشقق المخصصة للإيجار السياحي تضاعفت في بعد الحالات 10 مرات.
ولم يقتصر الغلاء على السكن السياحي فقط، بل شمل أيضًا أسعار المواد الغذائيَّة التي تشكل العصب الأساسي لحياة الأسر، ففي الأسواق المحليَّة، يلاحظ الزائر ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الخضر والفواكه، خصوصًا تلك التي تعرف إقبالًا متزايدًا في فصل الصيف مثل الفواكه واللحوم، كما أن منتجات البحر، التي تزخر بها المنطقة، لم تسلم هي الأخرى من هذا التضخّم، إذ تضاعفت أثمان الأسماك الأكثر استهلاكًا مثل السردين والأنشوبة، رغم وفرتها في موانئ الشمال، ويرجع هذا الارتفاع بالأساس إلى ارتفاع الطلب من طرف السياح، إضافة إلى استغلال بعض المضاربين للوضع لتحقيق أرباح إضافيَّة على حساب المستهلك.
المرافق الخدماتيَّة بدورها تأثّرت بهذا السياق، فالمطاعم والمقاهي عرفت قفزة في الأسعار، إذ ارتفع ثمن الوجبات بشكل لافت، حتّى في الأماكن الشعبيَّة التي كانت تقليديًّا في متناول الزبناء المحليين، كما أن الفضاءات الترفيهيَّة، من حدائق مائيَّة وأماكن لعب للأطفال وأنشطة بحريَّة، أصبحت أكثر كلفة، ما يثقل كاهل الأسر المقيمة التي تبحث عن متنفس لأبنائها خلال العطلة الصيفيَّة.
السكان الدائمون أكبر المتضررين
الانعكاس المباشر لهذا الغلاء يظهر بوضوح في معاناة السكان المحليين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن الاستفادة من ثروات مدنهم السياحيَّة، فالأسر المتوسّطة والفقيرة باتت محرومة من الولوج إلى الشواطئ والأنشطة التي أصبحت حكرًا على القادرين ماديًّا، بينما ارتفعت تكاليف المعيشة اليوميَّة بشكل غير مسبوق. هذا التفاوت يعمق الإحساس بالتهميش لدى فئات عريضة من سكان الجهة الذين يعتبرون أن السياحة الصيفيَّة تضرّ بمصالحهم أكثر ما تخدمها.
ويرجع مهتمون بالشأن المحلي هذا الوضع إلى تمركز العرض السياحي الوطني في مناطق محددة، وعلى رأسها شمال المملكة، مقابل ضعف المنافسة من وجهات أخرى، فالمناطق الجنوبيَّة والشرقيَّة أو حتّى بعض مدن الوسط لم تنجح بعد في تطوير بدائل قويَّة قادرة على تخفيف الضغط على الشمال، هذا الخلل في التوازن يجعل من طنجة وتطوان والحسيمة الوجهات الأكثر استقطابًا، ما يؤدي تلقائيًّا إلى ارتفاع الأسعار نتيجة قاعدة العرض والطلب.
وفي ظل استمرار هذا النمط الموسمي، تتكرّر المعضلة نفسها كلّ عام، إذ يعيش السكان المحليون صيفًا مثقلًا بالغلاء، بينما يظل الاستهلاك السياحي رهينًا بإمكانات الزوّار الوافدين، سواء من الخارج أو من باقي مناطق المغرب، في ظل ارتفاع الأصوات المناديَّة بفرض الرقابة على الأسعار من جهة، وخلق منافسة سياحيَّة تُقلّل من وطأة الاختناق الذي تعيشه مدن الشمال من جهة أخرى.
طنجة أغلى من السنة السابقة
ارتباط النشاط السياحي بارتفاع الأسعار يجد العديد من المؤشرات النظريَّة التي تسنده، لكن تدعمه أيضًا المعطيات والأرقام الرسميَّة، خصوصًا تلك التي أعلنتها في بداية شهر شتنبر الجاري المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط ضمن مذكرتها حول الرقم الاستلالي للأسعار بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، فإذا ما عدنا إلى الجوانب التي تهم أكثر مدن الجهة استقبالًا للسياح المحليين أو الأجانب سنجد أنها أيضًا عانت ارتفاعًا في الأثمنة.
وهكذا نجد أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بمدينة طنجة، التي شهدت خلال الصيف المنقضي توافد أعداد قياسيَّة من الزوّار، شهد خلال شهر يوليوز 2025، ارتفاعًا بنسبة 0,1% مقارنة بشهر يونيو من السنة نفسها، وبـ0,4 مقارنة المستوى السنوي، وفق ما أوردته المعطيات الرسميَّة للمندوبيَّة الساميَّة للتخطيط.
في حالة طنجة، تبرز المذكرة، أنَّ الرقم الاستدلالي للموادّ الغذائيَّة بطنجة تراجع بنسبة 0,4% خلال شهر يوليوز الماضي، مُقارنةً بشهر يونيو الذي سبقه، وذلك نتيجة تراجع أثمان الخضر بـ4,2% والسمك وفواكه البحر بـ2,5% والزيوت والدهنيات بـ0,4% واللحوم بـ0,2%. ولكن، وفي المقابل، فقد ارتفع الرقم الاستدلالي للموادّ غير الغذائيَّة بـ0,4%، شهريًّا، نتيجة زيادة أثمان الموادّ المكونة لأقسام الأثاث والأدوات المنزليَّة والصيانة العاديَّة للمنزل، بـ2,8%، وهي ترتبط بشكل وثيقة بعودة أفراد الجاليَّة المغربيَّة المقيمة بالخارج، وتجديد مرافق الإقامة السياحيَّة، إلى جانب النقل ومطاعم وفنادق، التي ارتفعت أسعارها بـ0,9%، ثم الموادّ والخِدْمات الأخرى بـ0,7%، وطال الارتفاع أيضًا الملابس والأحذيَّة بـ0,3%.
أمَّا على المستوى السنوي، فقد عرف الرقم الاستدلالي للمواد الغذائيَّة بدوره ارتفاعًا في طنجة إلى 0,4 في يوليوز 2025، مُقارنةً بشهر يوليوز 2024، وذلك بسبب ارتفاع أثمان القهوة والشاي والكاكاو بـ7,4%، والخضر بـ5,8%، والتبغ بـ3,6%، والحليب الجبن والبيض بـ3,2%، ثم اللحوم بـ2,2%، والمواد غذائيَّة غير مصنفة في مكان آخر بـ2,0%، والسكر والمربى والعسل والشكولاتة والحلويات بـ0,2%، وهو ما يشير إلى ارتفاع الاستهلاك صيف السنة الجاريَّة مقارنة بالعام الماضي.
وعلى الرغم من الانخفاضات المسجلة في الزيوت والدهنيات بـ4,1% والفواكه بـ3,5% والمياه المعدنيَّة والمشروبات المنعشة وعصير الفواكه والخضر بـ3,4% والسمك وفواكه البحر بـ3,2% وكذا الخبز والحبوب بـ1,5%، فإن ذلك لم يُؤثّر في التطور العام لمؤشر المواد الغذائيَّة في طنجة، على أساس سنوي، كما أنَّ الرقم الاستدلالي للموادَّ غير الغذائيَّة ارتفع سنويًّا بـ0,4%، مع تسجيل ارتفاع بـ4,5% في قسم مطاعم وفنادق، وهو الأعلى ضمن كل الارتفاعات.
تطوان.. تكلفة العطلة في مدن الجوار
ارتباط موسم الصيف بارتفاع الأسعار، يمكن استنتاجه من مذكرة المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط التي تهم مدينة تطوان أيضا، وهي المدينة التي تشهد إقبالا كثيفا بالنظر لتوفير المزارات السياحيَّة وفضاءات الإقامة القريبة من شواطئ المضيق والفنيدق ومارتيل وواد لاو وكابو نيغرو وغيرها، وهكذا، نلاحظ ارتفاع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك في مدينة تطوان في يوليوز الماضي بـ0,2% مقارنة بالشهر المنصرم، وبنسبة 0,8% على المستوى السنوي، أي بالمقارنة مع شهر يوليوز 2024.
المذكرة الصادرة عن المديريَّة الجهويَّة للمندوبيَّة الساميَّة للتخطيط بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، التي تم نشرها بشكل رسمي، أوضحت أن الرقم الاستدلالي لأثمان المواد الغذائيَّة ارتفع بـ0,1% في يوليوز 2025 مقارنة بيونيو، وذلك نتيجة زيادة أثمان السمك وفواكه البحر بـ5,9% والحليب، الجبن والبيض بـ1,8% واللحوم بـ1,3% والمياه المعدنيَّة والمشروبات المنعشة وعصير الفواكه والخضر بـ0,2%.
وكشفت المذكرة أيضا عن ارتفاع الرقم الاستدلالي للمواد غير الغذائيَّة بـ0,3% شهريا، نتيجة زيادة أثمان المواد المكونة لأقسام النقل بـ1,8% والمطاعم والفنادق بـ1,6% والأثاث والأدوات المنزليَّة والصيانة العاديَّة للمنزل وموادّ وخدمات أخرى بـ0,1%، وكلها مرتبطة بالنشاط السياحي الداخلي والخارجي خلال فصل الصيف، في حين أنَّ الانخفاضات المسجلة كانت في قسم الترفيه والثقافة وقسم الملابس والأحذيَّة بـ0,1% لكل منهما، واستقرار باقي الأقسام، دون تسجيل أي تأثير على التطور العام لمؤشر المواد غير الغذائيَّة.
وعلى المستوى السنوي، ارتفع الرقم الاستدلالي للمواد الغذائيَّة بشكل أوضح من الرقم الشهري، حيث وصل إلى زائد 1,1% في يوليوز 2025 مقارنة مع يوليوز 2024، وذلك نتيجة ارتفاع أثمان السمك وفواكه البحر بـ10% والقهوة والشاي والكاكاو بـ9,4% والخضر بـ8,3% والتبغ بـ3,6% والحليب، الجبن والبيض بـ2,2% واللحوم بـ1,3% والسكر، المربى، العسل، الشوكولاتة والحلويات بـ0,9% ومواد غذائيَّة غير مصنفة في مكان آخر بـ0,6%.
وفي المقابل، فإن الانخفاضات المسجلة في مجموعات المياه المعدنيَّة والمشروبات المنعشة وعصير الفواكه والخضر بـ6,8% والزيوت والدهنيات بـ6,0% والفواكه بـ4,0% والخبز والحبوب بـ0,8%، لم تؤثر على التطور العام لمؤشر المواد الغذائيَّة بمدينة تطوان، في حين أن أسعار المواد غير الغذائيَّة سجل ارتفاعًا سنويًّا بزيادة في الرقم الاستدلالي وصلت إلى 0,4% نتيجة تفاوت التباين بين أقسامه.
العدوى تصل إلى الحسيمة
المسار نفسه شهدته منطقة الريف، حيث عرف الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بمدينة الحسيمة في يوليوز 2025، ارتفاعًا بـ0,4% مقارنة بالشهر المنصرم، وبنسبة 0,1% على المستوى السنوي.
ووَفْق ما جاء في مذكرة للمديريَّة الجهويَّة للمندوبيَّة الساميَّة للتخطيط بجهة طنجة- تطوان-الحسيمة، صدرت مؤخرا، فقد ارتفع الرقم الاستدلالي للمواد الغذائيَّة بـ0,1% في يوليوز 2025 مقارنة بشهر يونيو من ذات العام، وذلك نتيجة ارتفاع أثمان السمك وفواكه البحر بـ8,0% والحليب، الجبن والبيض بـ4,5% والقهوة والشاي والكاكاو بـ2,9% والمياه المعدنيَّة والمشروبات المنعشة وعصير الفواكه والخضر بـ0,8% والخضر بـ0,3% والسكّر المربى العسل، الشكولاتة والحلويات بـ0,2%.
كما ارتفع الرقم الاستدلالي للمواد غير الغذائيَّة، وفق ذات المصدر، بـ0,7% شهريًّا، نتيجة زيادة أثمان المواد المكونة لأقسام مطاعم وفنادق بـ13,7% والنقل بـ0,8% والأثاث والأدوات المنزليَّة والصيانة العاديَّة للمنزل والترفيه والثقافة بـ0,1%، في المقابل، أوضحت المندوبيَّة أن أثمان باقي الأقسام ظلت مستقرة ولم تُؤثّر في التطور العام للمؤشر.
أما على المستوى السنوي، فقد ارتفع الرقم الاستدلالي للمواد الغذائيَّة بـ0,7% في يوليوز 2025 مقارنة بيوليوز 2024، وذلك بفعل ارتفاع أثمان الخضر بـ11,4% والحليب، الجبن والبيض والتبغ بـ4,5% والفواكه بـ3,1% والقهوة والشاي والكاكاو بـ2,2% والسكّر والمربى والعسل، والشكولاتة والحلويات بـ0,9% والمواد الغذائيَّة غير المصنفة في مكان آخر بـ0,3%.
ووَفْق الأرقام الرسميَّة الصادرة، فإن الانخفاضات المسجلة في السمك وفواكه البحر بـ11,1% والمياه المعدنيَّة والمشروبات المنعشة وعصير الفواكه والخضر بـ2,2% والخبز والحبوب بـ2,0% والزيوت والدهنيات بـ1,9% واللحوم بـ0,2% لم تُؤثّر في التطور العام لمؤشر المواد الغذائيَّة.
وفي المقابل، سجل الرقم الاستدلالي للمواد غير الغذائيَّة على مستوى مدينة الحسيمة انخفاضًا سنويًّا بـ0,9% نتيجة تفاوت التباين بين أقسامه، إذ تراوح بين انخفاض بـ6,6% في قسم النقل وارتفاع بـ2,3% في قسم مطاعم وفنادق، هذا الرقم الأخير يُفسّر بوضوح ارتباط موجة الغلاء المسجلة بالسياحة الصيفيَّة.


