آخر الأخبار
هل يعد المستقبل بنقلة نوعية في الشراكة بين طنجة وجبل طارق بعد دعم المملكة المتحدة للحكم الذاتي المغربي في الصحراء؟
المدينة المغربية والإقليم البريطاني هما أقرب نقطة التقاء جغرافية بين البلدين
يُعدُّ إعلان المملكة المتحدة دعم مقترح الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية، أكبر من مجرد إعلان سياسي لإحدى القوى العظمى في العالم بشأن نزاع إقليمي طال أمده، بل يتعلّق الأمر أيضا بضربة دبلوماسية مغربية بأبعاد وانعكاسات اقتصادية كبيرة، تتيح للبلدين الاستفادة المتبادلة من الفرص والاستثمارات دون أي حواجز جغرافية أو تحفظات قانونية.
ومن شأن هذه الخطوة التي أعلن عنها رسميا وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي من الرباط، أن تنعكس بشكل إيجابي على علاقات الجوار بين مدينة طنجة وإقليم جبل طارق، اللذين يمثلان أقرب نقطة التقاء بين المملكة المتحدة والمغربية على ضفاف حوض البحر الأبيض المتوسط، وهما المنطقتان الموعودتان بمزيد من الانفتاح البيني على المستوى السياسي والتجاري والأمني.
تحضيرات مسبقة للمرحلة الجديدة
الإطار القانوني والأساس التعاقدي بخصوص شراكة مستقبلية من هذا النوع، موجود أصلا بين جماعة طنجة وسلطات جبل طارق ممثلة في بلديتها، ويتعلّق الأمر بمذكرة التفاهم التي وُقّعت في 10 نونبر من سنة 2023، وصادق عليها المجلس الجماعي لطنجة في دورته العادية التي انعقدت بتاريخ 7 ماي 2024، وهو ما كانت يمثل تمهيدًا لإعطاء العلاقة بين الضفتين زخما أكبر.
وقد وقعت كلّ من جماعة طنجة وبلدية جبل طارق، خلال مراسيم جرت في الإقليم البريطاني، مذكرة تفاهم تهدف إلى إرساء لبنات التعاون الثنائي بين الجانبين، حيت وقع المذكرة من جانب جماعة طنجة، رئيس المجلس الجماعي، منير ليموري، بحضور الشريفة للا مليكة العلوي، ومن جانب بلدية جبل طارق، رئيسة هذه الأخيرة المجلس البلدي كارمين غوميز.
وأكَّد ليموري حينها، أنَّ طنجة وجبل طارق، تجمعهما علاقات تاريخية عريقة وروابط متينة، مشيرًا إلى أن عدد كبير من المغاربة المنحدرين من مدينة طنجة يعيشون في هذا الإقليم، ولفت رئيس المجلس الجماعي، إلى العديد من أوجه التشابه بين مدينة طنجة وإقليم جبل طارق، لا سيَّما ما يتعلق بإطلالتها معًا على حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تطبع ساكنيها وأهلها بطباع تتشابه وتجعل التفاهم والتقارب سهلًا وممكنًا جدًّا.
وأعاد ليموري إطلاق دعوته لمسؤولي جبل طارق من أجل زيارة طنجة قائلا إنّها ”أصبحت وجهة متميزة للمستثمرين، ببنية تحتية قوية، وبقدرات لوجيستية وبشرية وضريبية تجعلها تستقطب عشرات الشركات بشكل دائم”.
وجدَّدت رئيسة بلدية جبل طارق من جهتها، التعبير عن إعجابها بالتطور الذي تشهده مدينة طنجة، لا سيَّما خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن ذلك يعزز قابلية هذه المدينة وجاذبيتها لاستقطاب الاستثمارات، وأكَّدت اهتمامها ببلورة نموذج تعاون مع مدينة طنجة في مختلف المجالات، داعية في هذا الصدد، رجال الأعمال والمستثمرين، إلى استكشاف هذه الحاضرة التي أصبحت قبلة جذب ملائمة وآمنة للمستثمرين من كل أنحاء العالم.
وحسب ما أعلنه مجلس جماعة طنجة، فقد شكلت تلك المناسبة فرصة التقى خلالها ليموري بجمعيتين تمثلان الجالية المغربية المقيمة بجبل طارق، ويتعلق الأمر بكل من جمعية العمال المغاربة بجبل طارق، وجمعية الجالية المغربية المقيمة بجبل طارق.
والعلاقات التجارية بين الضفتين، تقع أيضًا في صلب اهتمام الطرفين، ولذلك تم توثيقها من خلال إجراء رمزي بتاريخ 8 فبراير 2023، حيث حضرت جماعة طنجة في احتفالية لإطلاق عملات معدنية تذكارية تحتفل بالعلاقات طويلة الأمد بين المملكة المغربية وإقليم جبل طارق البريطاني.
النشاط الذي نظَّمته شركة جبل طارق المغرب للتبادل التجاري، بدأ بتنظيم حفل صغير قامت فيه فرقة تراثية إسكتلندية مستقرة في جبل طارق بالعزف في ساحة 9 أبريل بطنجة، لإشراك ساكنة مدينة طنجة في الاحتفال وتذكيرهم بثمانينيّات القرن الماضي حينما كانت تأتي نفس الفرقة للاحتفال وسط مدينة طنجة، وعلى الساعة الرابعة مساء قامت الشركة بالإطلاق الرسمي لهذه العملات المعدنية التذكارية، وذلك وسط حدائق “دونابو طنجة” التي تشرف عليها الشريفة لالة مليكة العلوي، وقد عرف النشاط حضور العديد من الشخصيات العامة ورجال الأعمال من المغرب ومن إقليم جبل طارق.
وقد تم إصدار هذه المجموعة الجديدة من العملات المعدنية بشراكة بين جمعية جبل طارق المغرب لرجال الأعمال وشركة دار السكة الوطنية المحدودة لجبل طارق، للاحتفال بالعلاقات التاريخية بين جبل طارق والمغرب، حيث تصور تمثال الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، القائد طارق بن زياد، باخرة مونس كالبي، وخطوط جبل طارق الجوية، حيث كان الخط البحري والجوي المباشران مع المغرب بمنزلة شريان حياة لساكنة جبل طارق خلال أيام إغلاق الحدود مع دولة إسبانيا.
انفتاح تجاري منذ البريكست
والارتباطات بين جبل طارق ومدينة طنجة، تعود إلى فترة الإعداد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المعروف بـ “البريكست”، الذي تم بشكل فعلي مساء 30 يناير 2020، ففي سنة 2019، وفي خطوة مفاجئة تعكس توجهًا استراتيجيًا لتنويع الشراكات الاقتصادية لمرحلة ما بعد المغادرة، تفاعلت حكومة جبل طارق بشكل إيجابي مع مقترح قدمته جمعية رجال الأعمال في جبل طارق والمغرب، يقضي بفتح مكتب تجاري في مدينة البوغاز.
وحينها تم الإعلان عبر صحافة جبل طارق بأنَّ هذا المكتب يهدف إلى استكشاف فرص اقتصادية جديدة في السوق المغربية، وذلك في ظل التحديات الجمركية والتجارية التي بدأت تظهر بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجاء هذا التحرُّك عقب لقاء جمع رئيس الجمعية بنائب رئيس الحكومة المحلية في جبل طارق، حيث تم عرض المشروع في سياق استراتيجية حكومية طويلة الأمد لتنويع الأسواق الخارجية.
المكتب المقترح في طنجة، الذي من الممكن أن يُعاد إحياؤه الآن، يُنتظر منه أن يؤدي دورًا في تعزيز الروابط التجارية مع المغرب، رغم أنّ طبيعة القطاعات التي سيركز عليها لم تُكشف بعد، فإن الحكومة جبل طارق حينها أكدت أن هذه المبادرة تأتي كجزء من الاستعداد للتعامل مع تبعات “البريكست”، خاصة مع تعقد العلاقات التجارية مع إسبانيا، الشريك الاقتصادي الرئيسي للمنطقة، التي كانت محورًا لمفاوضات طويلة ومعقدة قصد استفادة المنطقة من استثناءات حدودية واقتصادية بعد الخروج.
وتعتمد جبل طارق، التي تبلغ مساحتها حوالي 6,7 كيلومترات مربعة ويقطنها نحو 33 ألف نسمة، بشكل كبير على العلاقات الاقتصادية مع إسبانيا، وتشير الأرقام الرسمية إلى أن المنطقة قبل “البريكست” كانت تستورد من إسبانيا ما يفوق 1,5 مليار يورو من السلع سنويًا، كما يعمل نحو 16 ألف شخص من إقليم الأندلس في جبل طارق، من بينهم حوالي 10 آلاف مواطن إسباني، خصوصًا من بلدة “لالينيا” المجاورة والأقل تنمية، التي تعيش منذ ذلك التاريخ على وقع عدم يقين اقتصادي.
واقتراح طنجة لاحتضان المكتب التجاري لا يبدو عشوائيًا، فالمدينة المغربية تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وبنية تحتية متطورة، خاصة مع توفر ميناء طنجة المتوسط، أكبر الموانئ في إفريقيا وأهم ميناء للحاويات في البحر الأبيض المتوسط، ومن شأن هذه الخطوة أن تفتح آفاقًا جديدة لجبل طارق، بعيدًا عن الهيمنة الإسبانية، وتمنح المغرب في الوقت ذاته بوابة لتعزيز حضوره الاقتصادي في الفضاء الأورومتوسطي.
تعاون عسكري في الأفق
الجانب الآخر من الشراكة بين المغرب وبريطانيا، قد يكون عسكريًا، استنادا إلى أنهما معا يطلان على البحر الأبيض المتوسط، من خلال جبل طارق شمالا، وطنجة جنوبا باعتبارها بوابة المملكة المغربية إلى الفضاء المتوسطي من الناحية الغربية، وقد يكون ذلك إحدى استقبال عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، في فاتح أكتوبر 2024، بمقر الإدارة، نائب الأميرال إدوارد ألغرين، المستشار العسكري الرئيسي البريطاني للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي يقوم بزيارة عمل للمملكة المغربية، وذلك بتعليمات ملكية من الملك محمد السادس.
وحسب ما ذكره بلاغ للقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، فإنَّ المسؤولين استعرضا، خلال هذا اللقاء، الذي جرى بحضور السفير البريطاني المعتمد بالرباط، وضعية الأمن الإقليمي وعلاقات التعاون الثنائي في مجال الدفاع، ما يحيل مباشرة على إطلالتهما المتوسطية المشتركة.
كما تمحورت المحادثات، بشكل خاص، حول بحث السبل والوسائل الكفيلة بإعطاء مزيد من الدينامية لهذا التعاون، لا سيَّما ما يتعلق بقابلية التشغيل البيني وتبادل التجارب والخبرات بين القوات المسلحة للبلدين، وخلال هذه المباحثات، أشاد المستشار البريطاني بالدور المُهمّ الذي تضطلع به المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، في خدمة السلام والاستقرار الإقليميين.
وذكر البلاغ، أنّه في نفس اليوم وتنفيذًا لتعليمات الملك محمد السادس القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، استقبل الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، على مستوى القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية بالرباط، نائب الأميرال إدوارد ألغرين، وتباحث المسؤولان بشأن مختلف مجالات التعاون الثنائي بين القوات المسلحة الملكية والقوات المسلحة البريطانية، ويشمل هذا التعاون التكوين، وتبادل الزيارات والتجارب، وتنظيم التمارين المشتركة.
وأعرب الفريق أول عن الإرادة الراسخة للقوات المسلحة الملكية لمواصلة العمل من أجل تعزيز التعاون العسكري مع القوات المسلحة البريطانية، وكذلك توسيعه ليشمل مجالات أخرى ذات الاهتمام المشترك، لا سيَّما الاستعلامات ومراقبة الحدود والحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني.
وخلص البلاغ إلى أن التعاون العسكري المغربي -البريطاني يؤطره الاتّفاق- الإطار للتعاون العسكري والتقني الموقع سنة 1993، وكذلك الترتيبات التقنية التي تتمحور بالأساس حول التشاور الاستراتيجي، والتكوين وتبادل المعارف، وخاصة التدريب المنتظم في إطار التمارين المشتركة، على غرار “جبل الصحراء” و”توبقال” و”الأسد الإفريقي”، وتتم برمجة الأنشطة الثنائية وفقا لجدول زمني تحدده لجنة مشتركة تنعقد سنويا وبالتناوب في الرباط ولندن.
الصــــحـراء المـغربية.. أولا وأخـــــيـــــرا
وأصبحت آفاق التقارب المغربي البريطاني أكثر وضوحًا بعدما اعتبرت المملكة المتحدة أن مقترح الحكم الذاتي، المقدم من قبل المغرب في 2007، يُعدُّ بمنزلة الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية من أجل تسوية دائمة للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، معلنة أنها ستواصل العمل على الصعيد الثنائي، لا سيَّما في المجال الاقتصادي، وكذلك على الصعيدين الإقليمي والدولي، وَفْقًا لهذا الموقف، من أجل دعم تسوية النزاع.
تم التعبير عن هذا الموقف في بيان مشترك وقعه، يوم فاتح يونيو 2025 بالرباط، وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية والكومنولث والتنمية، ديفيد لامي، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة.
وجاء في البيان المشترك أنَّ “المملكة المتحدة تتابع عن كثب الزخم الإيجابي الحالي تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس”، وأضاف أنَّ لندن تدرك أهمية قضية الصحراء بالنسبة للمغرب، مبرزًا أنَّ تسوية هذا النزاع الإقليمي “من شأنها أن توطد استقرار شمال إفريقيا وتعزز الدينامية الثنائية والاندماج الإقليمي”.
كما أكدت المملكة المتحدة، في البيان المشترك الذي تمَّ توقيعه بمقر وزارة الشؤون الخارجية المغربية، أن “الهيئة البريطانية لتمويل الصادرات قد تنظر في دعم مشاريع في الصحراء”، خاصة في إطار “التزام الهيئة بتعبئة 5 مليارات جنيه إسترليني لدعم مشاريع اقتصادية جديدة في جميع أنحاء البلاد”، وسجل البيان أن “المملكة المتحدة تعتبر المغرب بمنزلة بوابة رئيسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لإفريقيا وتجدد تأكيد التزامها بتعميق تعاونها مع المغرب باعتباره شريكا للنمو في شتى أرجاء القارة”.
وعلاوة على ذلك، شدَّد البيان، الذي وقعه وزيرا الخارجية المغربي والبريطاني، على أن “كلا البلدين يدعمان ويعتبران الدور المحوري للعملية التي تقودها الأمم المتحدة أمرا حيويا”، وجددا تأكيد “دعمهما الكامل للجهود المبذولة من طرف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، السيد ستافان دي ميستورا”، وبشكل خاص، تصرح المملكة المتحدة بأنها “مستعدة وراغبة وعازمة على تقديم دعمها الفعال وانخراطها للمبعوث الشخصي وللأطراف”.
وفي الختام، سجَّل البيان المشترك أنَّه “باعتبارها عضوًا دائما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تتقاسم المملكة المتحدة وجهة نظر المغرب بشأن الحاجة الملحة لإيجاد حل لهذا النزاع الذي طال أمده، بما يخدم مصلحة الأطراف”، مضيفا أنه “آن الأوان لإيجاد حل والمضي قدما في هذا الملف، بما من شأنه تعزيز الاستقرار في شمال إفريقيا وإعادة إطلاق الدينامية الثنائية والاندماج الإقليمي”.
وبتاريخ 3 يونيو 2025، جدَّد وزير الشؤون الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، أمام برلمان بلاده، تأكيد دعم المملكة المتحدة لمخطط الحكم الذاتي المغربي، باعتباره “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية” لتسوية النزاع حول قضية الصحراء.
وقال لامي، في تصريح أمام مجلس العموم، الغرفة السفلى للبرلمان البريطاني “خلال زيارتي للمغرب، أعلنت دعم المملكة المتحدة لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، باعتباره الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية لتسوية هذا النزاع”، وفي هذا السياق، أشار رئيس الدبلوماسية البريطانية إلى أنه “مع اقتراب مرور خمسين سنة على هذا النزاع، وبفضل التزام دولي متجدد، تتاح أمامنا فرصة للمضي قدما في هذا الملف”.
وقد عزز هذا الموقف الجديد للمملكة المتحدة، العضو الدائم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الدينامية الدولية المتنامية التي يقودها الملك محمد السادس لفائدة مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويؤكد مصداقية هذه المبادرة والتوافق الذي تحظى به بهدف التوصل إلى حل نهائي للنزاع الإقليمي حول مغربية الصحراء.


