آخر الأخبار
هل تدفع جهة – طنجة – تطوان – الحسيمة ضريبة الفوارق المجالية بين أقاليمها وجماعاتها؟ المندوبية السامية للتخطيط حددت موقعها على خريطة الفقر والهشاشة
لا شكَّ أنَّ جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تُعدُّ من أكثر جهات المملكة ديناميَّة، ومن أقدرها على تحقيق نموّ اقتصادي متصاعد، وهو المعطى الذي تُؤكّده -على مدار السنة- دراسات وأرقام المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط، التي تُصنّفها عادة ضمن أول 3 جهات على مستوى الأهميَّة الاقتصاديَّة، غير أنَّ نفس المؤسَّسة وغالبا -نفس التقارير والمذكرات- تقرع ضمنيًّا ناقوس الخطر بخصوص التفاوتات المجاليَّة والاقتصاديَّة الاجتماعيَّة بين مكوناتها من عمالات وأقاليم، وبين كل جماعة داخل نفس العمالة أو الإقليم.
وبناءً على معطيات الإحصاءين العامين للسكّان والسكنى لسنتي 2014 و2024، أعدّت المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط خريطة للفقر متعدّد الأبعاد بهدف فهم أدقّ لمستويات العجز الاجتماعي والحرمان في قطاعات التعليم، الصحة، السكن، والبنيات التحتيَّة، وتُعدُّ هذه الخريطة أداة استراتيجيَّة لتوجيه السياسات العموميَّة، خاصّةً في ظلّ الجهويَّة المتقدّمة، من أجل تحسين ظروف العيش محليًّا وجهويًّا، وقد كشفت هذه الورقة الفوارق ين جهة شمال المملكة وباقي الجهات، ولكن أيضًا التفاوتات المتفاقمة داخلها.
الفقر متعدد الأبعاد: فوارق جهوية
وتُشكّل مقاربة قياس الفقر المطلق، التي تقتصر على التوزيع الاجتماعي لنفقات الأسر، وَفْق التقرير، رؤية غير مكتملة للواقع المعيشي، لأنَّها تغفل أبعادًا أساسيَّةً من الحرمان مثل التعليم، والصحة، والسكن، والولوج إلى الخِدْمات الاجتماعيَّة.
وفي المقابل، تعتمد مقاربة الفقر متعدّد الأبعاد منظورًا أشملَ، يأخذ في الاعتبار مختلف أوجه الحرمان، التي لا تقتصر فقط على القدرة الشرائيَّة، بل تشمل صعوبات الولوج إلى الحاجيات الأساسيَّة، وتستند هذه المقاربة إلى ثلاثة أبعاد رئيسيَّة وهي التعليم، والصحة، وظروف العيش، مع ترجيحها بشكل متساوٍ.
وتُصنّف الأسرة على أنَّها فقيرة إذا كانت تراكم حرمانًا يُعادل على الأقل 33% من المؤشرات المعتمدة. من خلال هذا التحوّل، تبرز مظاهر العجز الاجتماعي غير المرئيَّة في المقاربات النقديَّة، وتُسلّط الضوء على الفوارق العميقة في جودة الحياة.
وفي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، سُجّل انخفاضٌ بارزٌ في معدل الفقر متعدّد الأبعاد بلغ 6,8 نقطة مئويَّة، ما يجعلها من بين الجهات الأربع التي عرفت أكبر تراجعات على الصعيد الوطني، إلى جانب جهة مراكش – آسفي، وجهة بني ملال – خنيفرة، وجهة درعة – تافيلالت.
وقد بلغ معدل الفقر في الجهة الشماليَّة للمملكة سنة 2024 نسبة 8,8%، متجاوزًا المتوسط الوطني، وهي مصنفة ضمن الجهات التي تتركز فيها نسبة مهمة من السكان في وضعيَّة هشاشة، إذ تمثل الجهة حوالي 11,5% من مجموع الفقراء على المستوى الوطني، ما يجعلها خامس جهة من حيث عدد الفقراء.
تــفــاوتــات بـين أقاليم الشمـال
وفيما يتعلق بمستوى الأقاليم داخل الجهة، فقد سجَّل إقليما الفحص – أنجرة وشفشاون إحدى أكبر نسب الانخفاض في معدلات الفقر، إذ تراجعت النسبة بـ12,4 نقطة مئويَّة في كلّ منهما خلال عقد من الزمن. وعلى الرغم من هذا التحسّن، فإنَّ إقليمي شفشاون ووزان لا يزالان يُسجّلان معدلات مرتفعة للفقر والهشاشة، وبلغ معدل الفقر في وزان 13,6%، وفي شفشاون 12,4%، وكلاهما يتجاوز ضعف المعدل الوطني، أما على صعيد الهشاشة، فقد سجلت شفشاون معدلًا بلغ 21,7%، ووزان 20,0%، وهما من بين الأقاليم الخمسة الأكثر هشاشة في المملكة.
وعلى المستوى الوطني، تراجع الفقر متعدد الأبعاد بين سنتي 2014 و2024 بشكل ملحوظ، فقد انخفضت نسبة السكان في وضعيَّة فقر من 11,9% إلى 6,8%، وبأرقام مطلقة، تقلص عدد الفقراء من حوالي أربعة ملايين إلى 2,5 مليون نسمة، كما تراجعت شدّة الفقر، المُقاسة بمتوسط نسبة الحرمان التي يعانيها الفقراء، من 38,1% إلى 36,7%، ما أسهم في خفض مؤشر الفقر متعدّد الأبعاد من 4,5% إلى 2,5% خلال هذه الفترة.
ورغم التقدّم العام، فلا تزال الفوارق المجاليَّة بارزة، إذ يُعدُّ الفقر متعدّد الأبعاد ظاهرةً قرويَّةً في المقام الأول، ففي سنة 2024، يقيم نحو 72% من الفقراء في الوسط القروي، مقابل 79% سنة 2014، وانخفض معدل الفقر في هذه المناطق من 23,6% إلى 13,1%، لكنه لا يزال يفوق بأكثر من أربع مرات معدّل الفقر الحضري الذي بلغ 3% فقط سنة 2024. أما معدل الهشاشة إزاء الفقر، الذي يُعبّر عن نسبة السكان المعرضين لحرمان معتدل، أي ما بين 20 و33% من المؤشرات المحددة، فقد تراجع من 11,7% سنة 2014 إلى 8,1% سنة 2024، أي ما يقارب 3 ملايين شخص، 82% منهم يقيمون في الوسط القروي.
وعلى المستوى الجهوي، انخفض معدل الفقر في جميع جهات المملكة، فسجلت بعض الجهات التي كانت تعاني مستويات فقر مرتفعة تراجعاتٍ مُهمّة، أبرزها جهة مراكش – آسفي بـ 7,9 نقطة، ثم بني جهة ملال-خنيفرة التي سجلت انخفاضا بـ 7,5 نقطة، تليها جهة درعة – تافيلالت بـ 6,7 نقطة، في حين كانت التراجعات محدودة في الجهات التي كانت تعرف أصلًا معدلات فقر منخفضة، مثل جهة العيون-الساقيَّة الحمراء، حيث كان التراجع في حدود ناقص 0,9 نقطة، وجهة الداخلة – وادي الذهب بناقص 2%، وجهة الدار البيضاء – سطات بـ 2,4%، ثم جهة الرباط-سلا-القنيطرة بناقص 3,4%.
8,8% نسبة الهشاشة بالجهة
وفي سنة 2024، سجلت 6 جهات معدلات فقر متعدّدة الأبعاد تفوق المتوسط الوطني، منها جهة فاس-مكناس بنسبة 9%، وبني ملال-خنيفرة بنسبة 9,8%، في المقابل، سُجلت أدنى المعدلات في جهة العيون-الساقيَّة الحمراء بـ2,4%، والداخلة-وادي الذهب بـ2,5%.
وتتركز نسبة تقارب 70% من مجموع الفقراء في خمس جهات وهنا تظهر مُجدّدًا الجهة الشماليَّة، حيث تتقدَّم جهة فاس – مكناس تلك الجهات بـ16,2%، تليها مراكش – آسفي بـ15,7%، والدار البيضاء – سطات بـ13,5%، والرباط-سلا – القنيطرة بـ11,9%، ثم جهة طنجة-تطوان – الحسيمة بنسبة 11,5%.
أمّا الهشاشة، فتسجل تفاوتات قويَّة بين الجهات، وتحضر فيها من جديد الجهة الشماليَّة، فقد بلغ معدلها في جهة درعة – تافيلالت 11,8%، وفي جهة مراكش-آسفي 11,5%، بينما تجاوزت ثلاث جهات أخرى المعدل الوطني وهي جهة فاس – مكناس بـ9,1%، وبني ملال – خنيفرة بـ9%، ثم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بـ8,8%، وتضمُّ هذه الجهات الخمس 60% من السكان المعرضين للهشاشة، أي ما يُمثّل نحو 1,7 مليون شخص.
معاناة شفشاون ووزان والحسيمة
وعلى مستوى الأقاليم، انخفض الفقر في كلّ العمالات والأقاليم، لكنَّ هذا الانخفاض رافقه استمرار وجود جيوب كبيرة للهشاشة، فقد تراجعت مُعدّلات الفقر بنسب كبيرة في أقاليم مثل أزيلال بـ16,7 نقطة، وشيشاوة بـ14,8 نقطة، والصويرة بـ13,8 نقطة، وفكيك بـ12,5 نقطة، وبالمقابل، ظلّ التغيير محدودًا في مدن مثل الدار البيضاء بـ0,3 نقطة، والرباط بـ0,5 نقطة، والعيون بـ0,6 نقطة، وسجل إقليم فجيج نسبة 24,1%، وتاونات 21,1%، كأعلى معدلات الفقر في المملكة سنة 2024، تليها أقاليم أزيلال، شيشاوة، الصويرة، تازة، ووزان، التي تجاوزت جميعها ضعف المعدل الوطني، وتضمُّ هذه الأقاليم مجتمعةً نحو 20% من الفقراء.
أمّا من حيث الهشاشة، فقد تجاوزت المعدّلات 20% في خمسة أقاليم، منها اثنان على مستوى جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وهما شفشاون ووزان، إلى جانب تاونات وشيشاوة وزاكورة، وتضاف إلى ذلك ثمانيَّة أقاليم أخرى تفوق فيها الهشاشة 15%، من بينها الحسيمة التي تنتمي أيضا إلى المنطقة الشماليَّة، إلى جانب الصويرة، مولاي يعقوب، اليوسفيَّة، سيدي قاسم، سيدي بنور، أزيلال، والرحامنة، وتُشكّل هذه الأقاليم مجتمعةً ما يقارب ثلث السكان في وضعيَّة هشاشة على المستوى الوطني.
أما على المستوى الجماعي، فقد شهدت أغلب جماعات المملكة تراجعًا في معدلات الفقر متعدّد الأبعاد، إذ انخفض المعدل في 93,8% من الجماعات، خصوصًا القرويَّة منها بنسبة 95,5%، مُقارنةً بـ88,4% من الجماعات الحضريَّة.
وسُجّل أكبر انخفاض في الجماعات التي كانت تعاني معدلات فقر تفوق 30% سنة 2014، إذ تراجع المعدل فيها بنسبة 45%، مقابل انخفاض بـ41% في الجماعات ذات معدلات بين 20 و30%، وبـ40% في الجماعات التي تراوح فيها المعدل بين 10 و20%، أما الجماعات ذات المعدلات بين 5 و10%، فانخفض الفقر فيها بـ32%، و23% في الجماعات التي كانت تُسجّل أقل من 5%.
وفي سنة 2024، سجلت 50,5% من الوحدات الترابيَّة معدّلات فقر دون 10%، بينما تجاوزت 16,3% منها عتبة 20%، ففي الوسط الحضري، 72,4% من الجماعات والمراكز الحضريَّة سجلت معدلات فقر دون 5%، و26% تراوحت معدّلاتها بين 5 و10%، في حين تجاوزت نسبة 10% في 3 بلديات و4 مراكز حضريَّة فقط.
أمّا في الوسط القروي، فقد سجَّلت 34,9% من الجماعات معدّلات دون 10%، بينما سجلت 43,5% منها معدّلات بين 10 و20%، وسُجلت نسب تفوّق 20% في 13,5% من الجماعات، وبلغت أكثر من 30% في 8,1% من الجماعات.
وقد لعبت السياسات العموميَّة، خصوصًا المبادرة الوطنيَّة للتنميَّة البشريَّة، دورًا رئيسيًّا في هذا التحسن، إذ انخفض معدل الفقر في 702 جماعة قرويَّة مستهدفة من 27,8% سنة 2014 إلى 15,5% سنة 2024، أي بانخفاض قدره 12,3 نقطة، مقابل 8,4 نقطة فقط في الجماعات التي لم تشملها المبادرة، إذ تراجع فيها المعدل من 19% إلى 10,6% خلال نفس الفترة.

هذه الأرقام لا يجب أن تنسينا أننا نتكلم عن جهة تساهم مع جهتين أخريين في أكثر من نصف الثروة الوطنيَّة، إذ جاء في المذكرة الصادرة في شتنبر 2024 عن المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط حول الناتج الداخلي الإجمالي للاقتصاد الوطني سنة 2022، وبالأسعار الجارية أن جهات الدار البيضاء – سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، حقَّقت لوحدها 57,9% من الثروة الوطنيَّة، بنسب بلغت 31,4% و16,1% و10,4% على التوالي.
وأنتجت خمس جهات ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي بما مجموعه 33,5%، ويتعلق الأمر بجهة مراكش-آسفي بنسبة 8,3%، وجهة فاس-مكناس بنسبة 7,9%، وجهة سوس- ماسة بـ 6,6%، ثم جهة بني ملال-خنيفرة بـ 6,1% وأخيرًا الجهة الشرقيَّة بـ 5,1%، وفي المقابل ساهمت جهة درعة – تافيلالت والجهات الجنوبيَّة الثلاث بنسبة 7,9% من القيمة الجاريَّة للناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 3% و4,9% على التوالي.
وفي ظلّ هذه الظروف، أشارت المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط، إلى أنَّ الفوارق زادت في تكوين الثروة بين المناطق، إذ ارتفع متوسط الفارق المطلق، أي متوسط الفارق المطلق بين الناتج المحلي الإجمالي لمختلف المناطق ومتوسط الناتج المحلي الإجمالي للجهات، من 72 مليار درهم سنة 2021 إلى 73,1 مليار درهم سنة 2022.
ومع ذلك، فإنَّ جهة طنجة-تطوان9الحسيمة، ونتيجة للتفاوتات بين أقاليمها، كانت خارج قائمة الجهات الأعلى في نسب النموّ، إذ أفادت المندوبيَّة الساميَّة للتخطيط، في المذكرة نفسها، أن الحسابات الجهويَّة لسنة 2022 أبرزت وجود تفاوت في معدّلات نمو الناتج الداخلي الإجمالي بالحجم بين مختلف الجهات، فقد تمكَّنت أربع جهات من تسجيل معدلات نمو تجاوزت المتوسط الوطني الذي بلغ 1,5%، ليس من بينها جهة الشمال، ويتعلّق الأمر بجهة سوس – ماسة التي حققت نموًّا قدره 7,5%، تليها جهة الرباط سلا القنيطرة بنسبة 5,2%، ثم جهة مراكش آسفي بنسبة 4,6%، وجهة العيون الساقية الحمراء بنسبة 2,9%.
وفي المقابل، سجَّلت ستّ جهات معدلات نموّ مُوجبة لكنَّها أقلّ من المتوسّط الوطني، إذ تراوحت بين 1,3% في كل من جهتي كلميم – واد نون ودرعة – تافيلالت، و0,2% في جهة الدار البيضاء سطات، أما بخصوص الجهات التي عرفت معدّلات نموّ سالبة، فقد سجلت جهة بني ملال – خنيفرة انخفاضًا بلغ ناقص 4,7%، وجهة فاس – مكناس ناقص 1,9%.


