تواصل معنا

إقتصاد

ميناء متوسطي في طنجة «يحاصر» سبتة وآخر في الناظور «يهدد» مليلية.. كيف يستخدم المغرب سلاح اللوجستيك في مواجهة إسبانيا؟

منشآت‭ ‬بحرية‭ ‬عملاقة‭ ‬سحبت‭ ‬البساط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬أرجل‭ ‬الثغرين‭ ‬المحتلين

منذ‭ ‬وصول‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬إلى‭ ‬عرش‭ ‬المملكة‭ ‬سنة‭ ‬1999،‭ ‬أصبحت‭ ‬الموانئ‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬أعمدة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المغربي،‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬بقوة،‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬السنين،‭ ‬معركة‭ ‬اللوجيستيك‭ ‬التي‭ ‬تتحكّم‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬العابر‭ ‬للقارات‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬المتوسطية‭ ‬للمملكة،‭ ‬يتجاوز‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬أبعاد‭ ‬أخرى‭ ‬سياسية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬ينظر‭ ‬عبرها‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬مدينتي‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬باعتبارهما‭ ‬ثغرين‭ ‬محتلين‭ ‬يدخلان‭ ‬في‭ ‬أجندة‭ ‬استكمال‭ ‬معركة‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية‭.‬

*الميناء‭ ‬المتوسطي‭.. ‬وحش‭ ‬بجوار‭ ‬سبتة

ويشهد‭ ‬غرب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬تحولًا‭ ‬لافتًا‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭ ‬والتجارة‭ ‬اللوجستية،‭ ‬مع‭ ‬الصعود‭ ‬المتسارع‭ ‬لميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬مراكز‭ ‬العبور‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حجم‭ ‬النشاط،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تأثيره‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والجيوسياسي‭ ‬على‭ ‬محيطه‭ ‬المباشر،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الثغور‭ ‬الإسبانية‭ ‬القريبة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬سبتة‭ ‬التي‭ ‬يطالب‭ ‬المغرب‭ ‬باستعادة‭ ‬السيادة‭ ‬عليها‭.‬

فالأرقام‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬حقَّقها‭ ‬المركب‭ ‬المينائي‭ ‬المغربي‭ -‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لا‭ ‬سيَّما‭ ‬في‭ ‬2025‭- ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬نجاحًا‭ ‬لوجستيًّا،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬تدريجي‭ ‬للخريطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬على‭ ‬المدن‭ ‬والموانئ‭ ‬المجاورة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مدينة‭ ‬سبتة،‭ ‬التي‭ ‬تشتكي‭ -‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2020‭ ‬على‭ ‬الأقل‭- ‬من‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬الخنق‭ ‬الاقتصادي‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬المغرب‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬معركة‭ ‬استعادة‭ ‬السيادة‭.‬

فبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بحصيلة‭ ‬النشاط،‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬تمكن‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬161‭ ‬مليون‭ ‬طنّ‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬البضائع،‭ ‬مسجلًا‭ ‬نموًّا‭ ‬سنويًّا‭ ‬يناهز‭ ‬13,3%،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ ‬يعكس‭ ‬الدينامية‭ ‬المتواصلة‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬المركب‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬ويعود‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬إلى‭ ‬توسعة‭ ‬بنياته‭ ‬التحتية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدراته‭ ‬التشغيلية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬بلوغ‭ ‬محطة‭ ‬الحاويات‭ ‬الرابعة‭ ‬TC4،‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬شركة‭ ‬APM Terminals،‭ ‬طاقتها‭ ‬التشغيلية‭ ‬الكاملة‭ ‬عقب‭ ‬عمليات‭ ‬التوسعة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬القدرة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬للميناء‭ ‬وتعزيز‭ ‬جاذبيته‭ ‬لدى‭ ‬كبريات‭ ‬شركات‭ ‬الملاحة‭ ‬العالمية‭.‬

وتبرز‭ ‬قوة‭ ‬هذا‭ ‬الصعود،‭ ‬بوضوح،‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬نشاط‭ ‬الحاويات،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬المؤشر‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬أداء‭ ‬الموانئ‭ ‬التجارية‭ ‬الكبرى،‭ ‬فقد‭ ‬تمكن‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬من‭ ‬معالجة‭ ‬ما‭ ‬مجموعه‭ ‬11‭.‬106‭.‬164‭ ‬حاوية‭ ‬نمطية،‭ ‬بزيادة‭ ‬قدرها‭ ‬8,4%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬السابقة،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬متقدّم‭ ‬ضمن‭ ‬الموانئ‭ ‬الأكثر‭ ‬نشاطًا‭ ‬في‭ ‬أوروبّا‭ ‬والبحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

وبالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬الموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬المجاورة،‭ ‬يظهر‭ ‬الفارق‭ ‬بوضوح،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬حجم‭ ‬الحاويات‭ ‬المعالجة‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬نحو‭ ‬4,7‭ ‬ملايين‭ ‬حاوية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغ‭ ‬مجموع‭ ‬ما‭ ‬عالجته‭ ‬موانئ‭ ‬الجزيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬وميناء‭ ‬فالنسيا‭ ‬معًا‭ ‬نحو‭ ‬10,1‭ ‬ملايين‭ ‬حاوية‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنَّ‭ ‬الميناء‭ ‬المغربي‭ ‬أصبح‭ ‬يتفوّق‭ ‬منفردًا‭ ‬على‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬نشاط‭ ‬الحاويات‭.‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬موانئ‭ ‬الضفتين‭ ‬الجنوبية‭ ‬والشمالية‭ ‬للمتوسط،‭ ‬بل‭ ‬يضع‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تقارب‭ ‬تدريجي‭ ‬مع‭ ‬موانٍ‭ ‬أوروبية‭ ‬كبرى،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ميناء‭ ‬‮«‬روتردام‮»‬‭ ‬عالج‭ ‬نحو‭ ‬13,8‭ ‬مليون‭ ‬حاوية،‭ ‬فيما‭ ‬سجل‭ ‬ميناء‭ ‬‮«‬أنتويرب‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬13,6‭ ‬مليون‭ ‬حاوية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الموانئ‭ ‬الرائدة‭ ‬وطنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬أخذت‭ ‬في‭ ‬التقلُّص‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتحسين‭ ‬النجاعة‭ ‬اللوجستية‭ ‬للمركب‭ ‬المينائي‭ ‬المغربي‭.‬

*سيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق

غير‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬لهذا‭ ‬الصعود‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬مدينة‭ ‬سبتة‭ ‬تواجه‭ ‬واقعًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬جديدًا،‭ ‬فهذه‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬الحدودي‭ ‬وعلى‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬المرتبط‭ ‬بحركة‭ ‬السلع‭ ‬والمسافرين‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬منافسة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬لوجستية‭ ‬ضخمة‭ ‬تتمركز‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬عشرات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬فقط،‭ ‬وتتمثل‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬ومناطقها‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية‭.‬

فالميناء‭ ‬المغربي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬منصة‭ ‬لعبور‭ ‬الحاويات،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭ ‬تضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1200‭ ‬شركة‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬والطيران‭ ‬والنسيج‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وقد‭ ‬استقطبت‭ ‬المنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالميناء‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬بفضل‭ ‬الحوافز‭ ‬الضريبية‭ ‬والسياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬الموجهة‭ ‬نحو‭ ‬التصدير،‭ ‬مما‭ ‬سمح‭ ‬بخلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬صناعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬التقليدي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالموانئ‭.‬

ويظهر‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬النقل‭ ‬البري‭ ‬والبحري‭ ‬عبر‭ ‬المضيق،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬حركة‭ ‬شاحنات‭ ‬النقل‭ ‬الدولي‭ ‬نموًا‭ ‬بنسبة‭ ‬3,6%‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬مع‭ ‬عبور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬535‭ ‬ألف‭ ‬شاحنة،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بارتفاع‭ ‬الصادرات‭ ‬الصناعية‭ ‬والزراعية‭ ‬المغربية‭. ‬كما‭ ‬سجلت‭ ‬حركة‭ ‬العبور‭ ‬بنظام‭ ‬‮«‬رو‭-‬رو‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الضفتين‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬تعاظم‭ ‬دور‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬سجَّل‭ ‬الميناء‭ ‬حركة‭ ‬نشطة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسافرين،‭ ‬حيث‭ ‬عبره‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬3,2‭ ‬ملايين‭ ‬مسافر‭ ‬وقرابة‭ ‬895‭ ‬ألفَ‭ ‬سيارة،‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬بلغ‭ ‬5,7%‭ ‬و5%‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬اعتماد‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬التذكرة‭ ‬المؤكدة‮»‬‭ ‬وتطوير‭ ‬التدابير‭ ‬التشغيلية‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬انسيابية‭ ‬تدفقات‭ ‬المسافرين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الذروة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعملية‭ ‬عبور‭ ‬الجالية‭ ‬المغربية‭ ‬المقيمة‭ ‬بالخارج‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالميناء،‭ ‬فقد‭ ‬عالج‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬نفسها،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬526‭ ‬ألف‭ ‬سيارة،‭ ‬بينها‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المركبات‭ ‬المصنعة‭ ‬في‭ ‬مصانع‭ ‬Renault‭ ‬وStellantis‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬دور‭ ‬الميناء‭ ‬بوصفه‭ ‬محورًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬الوطني‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق‭ ‬الأوروبية‭ ‬والدولية‭.‬

كما‭ ‬استقبل‭ ‬المركب‭ ‬المينائي‭ ‬ما‭ ‬مجموعه‭ ‬16‭.‬686‭ ‬سفينة،‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬نفسها،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬السفن‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬طولها‭ ‬290‭ ‬مترًا،‭ ‬وهو‭ ‬تطوّر‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬الميناء‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬أحدث‭ ‬أجيال‭ ‬السفن‭ ‬العالمية‭ ‬بفضل‭ ‬تطوير‭ ‬مرافق‭ ‬الرسو‭ ‬وتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬الخِدْمات‭ ‬المُقدّمة‭ ‬لشركات‭ ‬الملاحة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تثير‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬المتصاعدة‭ ‬نقاشًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإعلامية‭ ‬في‭ ‬إسبانيا،‭ ‬حيث‭ ‬ترى‭ ‬بعض‭ ‬التحليلات‭ ‬أن‭ ‬تفوق‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬يعكس‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المنافسة‭ ‬المتزايدة‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمتوسط،‭ ‬ويذهب‭ ‬بعض‭ ‬المراقبين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬اللوجستي،‭ ‬بل‭ ‬يمتدّ‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬الصناعي،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬المغرب‭ ‬يُوفّر‭ ‬بيئة‭ ‬استثمارية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الكلفة‭ ‬التنافسية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المتطوّرة‭ ‬والاستقرار‭ ‬السياسي‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬مدينة‭ ‬سبتة‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬تأثرًا‭ ‬بهذه‭ ‬التحوُّلات،‭ ‬فمع‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬التجارة‭ ‬الحدودية‭ ‬التقليدية‭ ‬وتعاظم‭ ‬جاذبية‭ ‬المنظومة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬تجد‭ ‬المدينة‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تحدّيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة،‭ ‬خاصة‭ ‬أنَّ‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ -‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬السابق‭- ‬انتقل‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬نحو‭ ‬المراكز‭ ‬اللوجستية‭ ‬والصناعية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬طنجة‭.‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬صعود‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬نجاح‭ ‬مشروع‭ ‬مينائي‭ ‬ضخم،‭ ‬بل‭ ‬يشير‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬تحوُّل‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬فيه‭ ‬المغرب‭ ‬موقعه‭ ‬بوصفه‭ ‬محورًا‭ ‬لوجستيًّا‭ ‬وصناعيًّا‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬تتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المراكز‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الشمالية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مرشحة‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التصاعد‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

*في‭ ‬الناظور‭.. ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الخطة

في‭ ‬شرق‭ ‬المملكة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مشروع‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط‭ ‬مجرد‭ ‬ورش‭ ‬بنيوي‭ ‬ضخم‭ ‬ضمن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المينائية‭ ‬المغربية،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بمنطقة‭ ‬غرب‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬الثغرين‭ ‬المحتلين‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭.‬

فبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬التحوُّل‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬سبتة‭ ‬وموانئ‭ ‬جنوب‭ ‬إسبانيا،‭ ‬يجد‭ ‬الفاعلون‭ ‬السياسيون‭ ‬والاقتصاديون‭ ‬في‭ ‬مليلية‭ ‬أنفسهم‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬سيناريو‭ ‬مشابه‭ ‬يتشكّل‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬عشرات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬الإطلاق‭ ‬التشغيلي‭ ‬للميناء‭ ‬الجديد‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2026‭.‬

هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭ ‬مغربي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬موضوعًا‭ ‬متداولًا‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬المحلي،‭ ‬خصوصا‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬في‭ ‬مليلية،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬سبتة‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬قد‭ ‬يتكرر‭ ‬مع‭ ‬مدينتهم‭.‬

فالمقاربة‭ ‬المغربية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬منظومات‭ ‬مينائية‭ ‬وصناعية‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬البلاد،‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬التوسُّع‭ ‬شرقًا‭ ‬عبر‭ ‬مشروع‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬عمليًا‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬شبكة‭ ‬المراكز‭ ‬اللوجستية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمتوسط‭.‬

ويستمد‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬الإسباني‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬نفسها،‭ ‬فالميناء‭ -‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬العمل‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭- ‬تحول‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬المراكز‭ ‬اللوجستية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬بعدما‭ ‬تجاوزت‭ ‬طاقته‭ ‬في‭ ‬نشاط‭ ‬الحاويات‭ ‬11‭ ‬مليون‭ ‬حاوية‭ ‬سنويًّا،‭ ‬وأصبح‭ ‬منصة‭ ‬رئيسية‭ ‬لربط‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬والأمريكتين،‭ ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحوُّل‭ ‬مباشرةً‭ ‬على‭ ‬محيط‭ ‬مضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬حيث‭ ‬تقلص‭ ‬الدور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لبعض‭ ‬المراكز‭ ‬التقليدية‭ -‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الحدودية‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭- ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مدينة‭ ‬سبتة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يقرأ‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬النخبة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬مليلية‭ ‬مشروع‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط‭ ‬باعتباره‭ ‬الحلقة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬فالميناء‭ ‬الجديد‭ -‬الذي‭ ‬يوجد‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬كيلومترًا‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬المدينة‭- ‬صُمم‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬بوصفه‭ ‬مركبًا‭ ‬مينائيًّا‭ ‬وصناعيًّا‭ ‬وطاقيًّا‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬والصناعات‭ ‬التصديرية‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬المغرب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمنطقة‭ ‬الحدودية‭ ‬بأكملها‭.‬

ووفق‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬قُدّمت‭ ‬خلال‭ ‬اجتماع‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬ترأسه‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬بالقصر‭ ‬الملكي‭ ‬بالدار‭ ‬البيضاء‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العمومية‭ ‬والخاصة‭ ‬التي‭ ‬استقطبها‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬الآن‭ ‬حوالي‭ ‬51‭ ‬مليار‭ ‬درهم،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الحجم‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للمشروع‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية‭. ‬وقد‭ ‬تمُّ‭ ‬إنجاز‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬الأساسية‭ ‬للمركب‭ ‬المينائي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬5,4‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬كاسرات‭ ‬الأمواج‭ ‬و4‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬الأرصفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تجهيزات‭ ‬طاقية‭ ‬ولوجستية‭ ‬متقدمة‭.‬

وعند‭ ‬انطلاقه،‭ ‬ستبلغ‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬السنوية‭ ‬للميناء‭ ‬نحو‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬حاوية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬35‭ ‬مليون‭ ‬طنّ‭ ‬من‭ ‬البضائع‭ ‬السائلة‭ ‬والصلبة،‭ ‬وهو‭ ‬حجم‭ ‬كفيل‭ ‬بجعله‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬أحد‭ ‬المراكز‭ ‬اللوجستية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط،‭ ‬وعلى‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬يرتقب‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬القدرة‭ ‬الإضافية‭ ‬للميناء‭ ‬إلى‭ ‬12‭ ‬مليون‭ ‬حاوية‭ ‬و15‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬البضائع‭ ‬السائلة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المركب‭ ‬مرشح‭ ‬ليصبح‭ ‬منصة‭ ‬بحرية‭ ‬ضخمة‭ ‬تضاهي‭ ‬أكبر‭ ‬الموانئ‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬المينائية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬صناعية‭ ‬ولوجستية‭ ‬جديدة‭ ‬تمتد‭ ‬في‭ ‬مرحلتها‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬700‭ ‬هكتارٍ،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬منشآتها‭ ‬الصناعية‭ ‬داخل‭ ‬المنطقة،‭ ‬كما‭ ‬يتضمن‭ ‬المشروع‭ ‬إقامة‭ ‬مركز‭ ‬طاقي‭ ‬استراتيجي‭ ‬يضمُّ‭ ‬أوّل‭ ‬محطة‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بطاقة‭ ‬استيعابية‭ ‬تبلغ‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬سنويًّا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬محطة‭ ‬للمحروقات،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬السيادة‭ ‬الطاقية‭ ‬للمملكة‭ ‬وربطها‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬بأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭.‬

*غول‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬مليلية

هذا‭ ‬التصميم‭ ‬المتكامل‭ ‬للميناء‭ ‬يثير‭ ‬قلقًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬في‭ ‬مليلية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬قربه‭ ‬الجغرافي،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بسبب‭ ‬قدرته‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترتبط‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬بالمدينة،‭ ‬فاقتصادها‭ ‬ظلّ‭ ‬لعقود‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الحدودية‭ ‬غير‭ ‬الرسمية‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬المغربي،‭ ‬وهو‭ ‬النشاط‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬تراجعًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬منذ‭ ‬إغلاق‭ ‬المعابر‭ ‬التجارية‭ ‬البرية‭ ‬سنة‭ ‬2018،‭ ‬ما‭ ‬أدَّى‭ ‬إلى‭ ‬اختفاء‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬المحلية‭ ‬وفقدان‭ ‬وظائف‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬ظلت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التبادل‭.‬

وترى‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬أن‭ ‬إطلاق‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط‭ ‬قد‭ ‬يعمق‭ ‬هذا‭ ‬التحول؛‭ ‬لأنّه‭ ‬سيخلق‭ ‬بديلًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬ولوجستيًّا‭ ‬قويًّا‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية،‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والصناعات‭ ‬والأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬لمليلية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تحدثت‭ ‬مسؤولة‭ ‬الثقافة‭ ‬والتراث‭ ‬والناطقة‭ ‬باسم‭ ‬الحكومة‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬فضالة‭ ‬مختار،‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬إعلامية‭ ‬عما‭ ‬وصفته‭ ‬بـ«الاختناق‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تواجهه‭ ‬مليلية‭ ‬نتيجة‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬الإقليمي‭.‬

ويُعزّز‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬السياسي‭ ‬أيضًا‭ ‬الجمود‭ ‬الذي‭ ‬يطبع‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬حكومة‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬خوان‭ ‬خوسي‭ ‬إمبرودا‭ ‬المنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الحزب‭ ‬الشعبي‭ ‬الإسباني‭ ‬وبين‭ ‬الرباط،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توترات‭ ‬سياسية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعدة‭ ‬ملفات‭ ‬إقليمية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬والعلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬كما‭ ‬يتهم‭ ‬بعضُ‭ ‬مسؤولي‭ ‬الحزب‭ ‬حكومة‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز‭ ‬بعدم‭ ‬الدفاع‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬المدينتين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمتوسط‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬القراءة‭ ‬المغربية‭ ‬لهذه‭ ‬المشاريع‭ ‬تختلف‭ ‬جذريًّا،‭ ‬إذ‭ ‬تُقدَّم‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المينائية‭ ‬الوطنية‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المغربي‭ ‬بسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭ ‬وتعزيز‭ ‬موقعه‭ ‬بوصفه‭ ‬مركزًا‭ ‬لوجستيًّا‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬فبعد‭ ‬النجاح‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬حقّقه‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط،‭ ‬تسعى‭ ‬الرباط‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الموانئ‭ ‬الحديثة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬التنمية‭ ‬الصناعية‭ ‬والتصدير‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جهات‭ ‬المملكة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬النتائج‭ ‬الجيو‭- ‬اقتصادية‭ ‬لهذه‭ ‬السياسة‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬الثغرين‭ ‬المحتلين،‭ ‬فبينما‭ ‬يرسخ‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬موقعه‭ ‬بوصفه‭ ‬مركزًا‭ ‬لوجستيًّا‭ ‬ضخمًا‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬سبتة،‭ ‬يأتي‭ ‬مشروع‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط‭ ‬ليشكل‭ ‬قطبًا‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬الشرقية،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬مليلية‭ ‬بدورها‭ ‬أمام‭ ‬منافسة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ولوجستية‭ ‬أكبر‭ ‬حجمًا‭ ‬وأكثر‭ ‬ارتباطًا‭ ‬بالشبكات‭ ‬العالمية‭ ‬للتجارة‭ ‬والنقل‭ ‬البحري‭.‬

وهكذا،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬تشغيل‭ ‬ميناء‭ ‬الناظور‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬فيه‭ ‬المغرب‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬مينائية‭ ‬عملاقة،‭ ‬تجد‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬نفسيهما‭ ‬تدريجيا‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬اقتصادي‭ ‬يتغير‭ ‬بسرعة،‭ ‬حيث‭ ‬تتحوّل‭ ‬الموانئ‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬المغربية‭ ‬المجاورة‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬جذب‭ ‬للاستثمار‭ ‬والتجارة،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬المدينتين‭ ‬أمام‭ ‬تحدِّيات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬تاريخيهما‭ ‬الحديث،‭ ‬قد‭ ‬تغيّر‭ ‬مصيرهما‭ ‬جذريًّا‭.‬

تابعنا على الفيسبوك