مهنة المساعدة الاجتماعية بمرفق العدالة.. بين نجاعة الأداء وتخطي الإكراهات

عاجل

أيمن الغازي رئيس لجنة الشراكة والتعاون ومغاربة العالم بمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة

أُسندتْ رئاسة لجنة الشراكة والتعاون الدولي ومغاربة العالم بمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، إلى الدكتور أيمن الغازي، عضو المجلس...

طنجة.. فرقة الإطفاء تتمكن من السيطرة على حريق نشب داخل مدرسة عقبة بن نافع بحي الخسافات

سيطرت فرقة الإطفاء من عناصر الوقاية المدنية بمدينة طنجة، يوم أمس الجمعة 15 أكتوبر الجاري، على حريق نشب في...

مجلس جهة طنجة يستكمل هياكله بانتخاب رؤساء اللجان الدائمة

استكمل مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، هياكله بتشكيل اللجان الدائمة وانتخاب الرؤساء والنواب، وتعيين عضو من المعارضة في لجنة...

لقد عرفت منظومة العدالة أوراشًا إصلاحيّةً متعددة، أبرزها المتعلق بورش أنسنة المرفق القضائي، الَّذِي جاء بغية تسهيل ولوج المرتفق للعدالة، وكذا إضفاء الطابع الإنساني الاجتماعي وَفْق مُقاربة متكاملةٍ من شأنها تعزيز النهج الوقائي الحمائي داخل منظومة العدالة.

لذلك كان لا بُدَّ من إدراج مهنة المساعدة الاجتماعية بجُلّ محاكم المغرب (الابتدائيّة والاستئنافيّة) وكذا مصالح الإدارة المركزية، بهدف تحقيق الغاية المنشودة المتمثّلة في إيجاد مقاربةٍ مُوازية ومرنة تُخفّف من الطابع الزجري المسطريّ الصرف، الَّذِي كان يطغى على كثيرٍ من القضايا الجنحية، خاصّةً الَّتِي تتعلّق بملفات عنف النساء والأطفال، وكذا الأحداث والأطفال في وضعية صعبة -الجاني أو الضحية.

إنَّ نجاح هَذِهِ الورش اعتبرته وزارة العدل رهينًا بوجود مُمارسين ومختصين على مستوى المحاكم، حيث ثقة وإيمانًا منها بمدى ضرورة وجود هَذِهِ الأطر داخل المرفق، عملت على إحداث مهنة نوعية اعتبرت ممارسيها النواة والركيزة في إرساء وإنجاح هَذَا المشروع، الَّذِي عملت الوزارة على إرسائه بعد دستور 2011، أسمته (ميثاق إصلاح منظومة العدالة). وهكذا فُتح باب اجتياز مباريات لفائدة مُتخصّصين في الميدان الاجتماعي، والحقوقي، والنفسي وكذا القانوني، وشملت المباراة خريجي المعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة –دبلوم مسير في الشؤون الاجتماعية- وكذا أفواج أخرى متخصّصة في المجال نفسه، هم خريجو الجامعات المغربية الحاصلون على الإجازة المهنية في تخصص -المساعدة الاجتماعية. ويبلغ العدد الإجمالي للممارسين في المجال الاجتماعي 340 مسيرًا ومساعدًا اجتماعيًا تقريبًا.

فالعدد المذكور أعلاه، تتخلّله نسبة كبيرة من المساعدين الاجتماعيين تزاوج بين مهنة المساعدة الاجتماعيّة والمهام الإداريّة الإجرائيّة، لتبقى نسبة المساعدين الاجتماعين المزاولين لمهامّهم فعليًا ضئيلة، ويظهر هَذَا جليًا على مستوى الممارسة والاشتغال بمجموعة من المحاكم على مستوى جناح النيابة العامة أو جناح الرئاسة.

بيد أنّه نجد أنَّ قطاع وزارة العدل، وبتنسيق مع رئاسة النيابة العامة –رئيسة قطب النيابة العامة المتخصّصة والتعاون القضائي– يؤدي دورًا مُهمًّا في ضمان التواصل والتنسيق على المستوى الوطني بين مختلف القطاعات الحكوميّة والإدارات المركزيّة، الَّتِي تُعنى بالنهوض بوضعية المرأة والطفل ضحايا شتّى أنواع العنف والتمييز، وكذا المساهمة في وضع آليات لتحسين تدبير عمل الخلايا وتقييم نتائج عملها مركزيًا، وَفْقًا للتقرير السنوي، الَّذِي تصدره اللجنة الوطنيَّة حول حصيلة عملها، داخل خلايا التكفل سواء منها الجهوية على مستوى محاكم الاستئناف أو المحليَّة على مستوى المحاكم الابتدائية، وذلك استنادًا للقانون رقم (103. 13) المُتعلّق بمحاربة العنف ضد النساء، الصادر بتاريخ 22 فبراير 2018. الذي جاء فيه، أنَّ الأدوارَ المنوطة بمزاولي مهنة المساعدة الاجتماعيّة هي متعدّدة ومختلفة، تتنوّع باختلاف المهامّ المسندة لمكتب المساعدة الاجتماعيّة، سواء على مستوى جناح الرئاسة، الَّذِي يشمل ملفات أقسام قضاء الأسرة، بما فيها جلسات الصلح والوساطة الأسرية، وملفات التعدد، وملفات إسناد وإسقاط الحضانة، والبحوث الاجتماعيَّة المُتعلّقة بكفالة الأطفال المهملين، والبحوث الاجتماعيّة المتعلّقة بملفات زواج القاصر، وملفات التحجير والنيابة الشرعية، مسلك شعبة صندوق التكافل العائلي، والبحوث الاجتماعيّة والزيارات الميدانية المتعلقة بتتبع قضايا الأحداث والأطفال في وضعية صعبة، أمَّا في حالة تسليمهم للأبوين أو في حالة إيداعهم بمراكز الرعاية الاجتماعيَّة، أو بالمؤسّسة التابعة للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.

أمَّا فيما يخصّ جناح النيابة العامة، فحقل اشتغال المساعد الاجتماعي يكون بخلايا التكفّل بالنساء والأطفال على مستوى المحاكم الابتدائيَّة، وكذا محاكم الاستئناف، فبدوره يؤدي مهامّه الاجتماعيّة والإداريّة المسطرية، لما يتوفر عليه من مؤهلات وكفايات تكون كفيلة للقيام بمهامّه باحترافية، التزام وحيادية، تشمل الاستقبال، والاستماع والتوجيه، والتنسيق بين مختلف مكونات المرفق القضائي وباقي المتدخّلين داخل مِرْفق العدالة السادة القضاة، السادة وكلاء الملك ونوابهم، والسادة مُوظّفي كتابة الضبط، مساعدي القضاء بما فيهم السادة المحامون، والسادة المفوضون القضائيون، وكلّ الهيئات والمكونات الَّتِي يُشتغل معها عن طريق اللقاءات التنسيقية، والاجتماعات الدورية الخاصة باللجنة المحليّة أو الجهويَّة بشكل دوري، الَّتِي تعقد بحضور متدخلين يكون حقل اشتغالهم خارج هيئات المجتمع المدني، والقطاع الصحي، وقطاع التعليم، ومراكز التوجيه والمصاحبة الَّتِي تعنى بحماية المرأة والطفل، مراكز إيواء وإيداع الأحداث والأطفال في وضعية صعبة، مندوبية التعاون الوطني إلخ.

وتُعقد هَذِهِ الاجتماعات لتدارس جُلّ الإكراهات والمقترحات، الَّتِي من شأنها إيجاد حلول للحالات المستعجلة المختلفة، الَّتِي تلج المرفق القضائي أو باقي المرافق الأخرى، بالإضافة إلى نهج خطة عمل سنويّة للخلايا الَّتِي تعتمد مقاربة شمولية غايته النهوض بوضعية المرأة والطفل، وتشمل هَذِهِ الخطة:

  • المساهمة في توجيه النساء المعنفات أو المتخلى عنَّهن، إلى مراكز الإيواء عن طريق التنسيق مع هَذِهِ المراكز، لإتمام وضعيتهن ومواكبتهن عن طريق دورات تكوينية في ميادين مختلفة لأجل تعزيز قدراتهن وتمكينهن من ولوج سوق الشغل.
  • رفع الحيف عن الزوجات القاصرات المُعنّفات تفعيلًا لدوريات رئاسة النيابة العامة الموجهة لخلايا التكفل سنة 2018، وكذا 2020، حول ضرورة تفعيل إجراء البحث الاجتماعي (الميداني) في مسطرة زواج القاصر.
  • تكريس القيد في الحالة المدنية لفائدة أبناء المشتكيات، الَّتِي حالت ظروف النزاع الأسري دون تسجيلهم.
  • المساهمة في النهوض بحقوق أبناء المهاجرين واللاجئين، لإيجاد حلول تخدم المصلحة الفضلى للطفل.
  • تكريس الجانب الوقائي والحمائي لضمان حماية النساء والأطفال ضحايا الاتّجار بالبشر، عن طريق تأهيلهم نفسيًا، وتسهيل ولوجهم للعدالة وتوفير الحماية اللازمة لهم تفعيلًا لما جاء به القانون رقم (27. 14) الصادر في شتنبر 2016، المُتعلّق بمكافحة الاتّجار بالبشر.
  • تفعيل أهم المحاور الَّتِي جاء بها بروتوكول مراكش 2020، وَفْق وضع خطّة عمل محلية وجهوية متكاملة ومتقاسمة بين جُلّ المتدخلين لمكافحة العنف ضد النساء. وفق القانون (103. 13) المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء.

إنَّ المهام المسندة للمساعدين الاجتماعيّين داخل المحاكم تعتمد بالأساس على توجيه انتدابات قضائية، ترمي إلى إجراء البحث الاجتماعي أو الميداني، في ملفات معينة سواء من لدن كلّ من السادة: القضاة المكلفين وكلاء الملك ونوّابه على مستوى الخلايا المحلية في قضايا عنف النساء والأطفال، اختطاف المحضين، الشكايات المتعلقة بصلة الرحم، العنف ضد الأصول… أو بناء على تعليمات السادة الوكلاء العامون ونوابهم فيما يخصّ قضايا الاغتصاب، قضايا هتك عرض القاصر، الشكايات المُتعلّقة بزنا المحارم، قضايا الاتّجار بالبشر أو في قضايا الأحداث مرتكبي الجنايات، الَّذِي ينظمه كذلك قانون المسطرة الجنائية من الفصل من الفصل (458) إلى 517.

فجُل هَذِهِ الانتدابات تدعم غالبيتها بدوريات ومناشير محيّنة صادرة عن وزارة العدل أو عن رئاسة النيابة العامة، جاءت تفعيلًا ومواكبة مستجدات والفصول والمقتضيات، كالبحوث المتعلّقة بتتبع ملفات الكفالة، الَّتِي ينظمها قانون كفالة الأطفال المهملين (15. 01) الصادر في 13 يونيو 2002، ملفات إسقاط أو إسناد الحضانة، ملفات زواج القاصر، الصلح والوساطة الأسرية، ملفات التحجير وقضايا التعدّد الَّتِي تنظمها موادّ مدونة الأسرة الصادرة بتاريخ 2004. الإكراهات والمعيقات وإكراهات متعددة تمّ تداولها ومناقشتها، وعُرضت على القطاع الوصي المُتمثّل في وزارة العدل، قد سبق رفعها مقرونة بمقترحات وتوصيات تخصّ كلٌّ مجموعة من النقط، سواء فيما يتعلق بالإكراهات المهنية، الإداريّة، والاجتماعيّة، وذلك قصد التجاوب معها، بغية تحقيق الهدف المنشود الَّذِي سعت إلى إرسائه وزارة العدل، مُنذ تبنيها مشروع أنسنة المرفق القضائي. فآخر مستجد يتعلق بممارسة مكتب المساعدة الاجتماعيّة للاختصاصات المسندة إليه، جاء من خلال تعديل المادة (52) من مشروع التنظيم القضائي الجديد رقم (38. 15) الَّذِي بعد ترتيب الآثار القانونيّة على قرار المحكمة الدستورية، لهَذَا التعديل الَّذِي شمل مجموعةً من الموادّ والفصول، من بينها المادة (52) الَّتِي اقتصرت فقط على إعداد التقارير، الَّتِي ترفع للمسؤولين القضائيّين والإداريّين بالمحكمة، إضافة إلى التقارير الدوريّة، الَّتِي ترفع إلى السلطة الحكومية المُكلّفة بالعدل حول الإحصائيات والدراسات والإكراهات المطروحة، أي أنَّ جوهر المادة لم يلامس بشكل واضح الغاية والهدف من إحداث مكاتب المساعدة الاجتماعية، المُتمثّل أساسًا في القيام بالبحوث الاجتماعيّة والميدانيّة في القضايا الأسريَّة والقضايا الجنحيّة والجنائيّة، رغم أن هَذَا التعديل الطفيف جاء بعد حصيلة عمل وسلسلة لقاءات، واجتماعات كثيرة نظّمت وعقدت بالتنسيق مع الوزارة الوصية ومجموعة من المسؤولين والأطر الوصية على تدبير شؤون المساعدين الاجتماعيّين.

فغموض المادة وعدم وضوحها حتمًا سيخلف لبسًا وتضاربًا في توصيف المهام وكيفية إنزالها وبلورتها على أرض الواقع، خاصّةً فيما يخص البحوث والزيارات الميدانية في غياب نص صريح خاصّ بالجانب الحمائي واللوجيستيكي. كما نجد أن مهنة المساعدة الاجتماعية بمرفق العدالة رغم حصيلة الاثنتي عشرة سنة، من الجهود المبذولة، غير أنَّ هناك صعوباتٍ وإكراهاتٍ ما زالت تحول دون تحقيق الهدف المنشود المتمثّل في مؤسّسة الصبغة الاجتماعية الإنسانية داخل المرفق القضائي، الَّذِي كان سابقًا يعتبره المرتفق وسيلةً زجريّةً صرفة، يغلب عليها النهج المسطري القانوني. ولا بُدَّ من التطرق إلى نوع آخر من المعيقات الَّتِي تمسّ بالدرجة الأولى الحياة الأسريّة والعائليّة، وكذا الاستقرار الأسري لفئة كبيرة من المساعدين والمساعدات الاجتماعيات وهي مسألة الانتقالات والالتحاقات بالأزواج، هناك حالات منذ تعيينها لسنوات عدة ما زالت تئن في صمتٍ وتعاني عدم الاستقرار العائلي والأسري، وكذا النفسي، نظرًا لتعذر الاستجابة لطلبات انتقالهم بسبب الخصاص.

إن إحداث مكاتب المساعدة الاجتماعية داخل مرفق العدالة، توصف بالمبادرة الجيّدة، الَّتِي عملت وزارة العدل على بلورتها عن طريق تعيين مساعدين ومساعدات اجتماعيين – ت – بجُلّ محاكم المملكة المغربيّة، من أجل إرساء ورش إصلاح منظومة العدالة وأنسنة مرفقها. لكن هَذِهِ المبادرة يجب أن ترتبط وتقرن بالتتبع الموضوعيّ المُستمرّ، بشكل دوري لتقييم وضعية ممارسيها المهنية، الإدارية وكذا الاجتماعية، لأن تجويد حصيلة المهنة المساعدة الاجتماعية، رهين بتجويد القوانين والمقتضيات وكذا توضيحها وتفصيلها عن طريق، الدوريات والمناشير الصادرة عن الجهات المختصة الوصية على المهنة بمرفق العدالة، وذلك من أجل الرقي والدفع بها لما لها من وقع وآثار إيجابي على مرفق العدالة.

إقرأ المزيد