آخر الأخبار
من نقل قاعدة روتا نحو القصر الصغير إلى استرجاع سبتة ومليلية.. كيف وجدت طنجة نفسها في واجهة الصراع الأمريكي الإسباني؟
رفض سانشيز استخدام الأراضي الإسبانية في الحرب على إيران دفع مقربين من ترامب إلى توجيه أنظارهم نحو المغرب
في ظل التوترات الدولية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، تتّجه أنظار المجتمع الدولي إلى التحركات الأمريكية في البحر الأبيض المتوسط، حيث أصبح مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في إسبانيا موضوع نقاش جدي في واشنطن ومدريد على حدّ سواء، وهو الاحتكاك الذي وصلت حرارته إلى المغرب، تحديدًا محيط مدينة طنجة.
فالقاعدة البحرية الأمريكية في روتا «الواقعة في إقليم قادس» تُمثّل نقطة محورية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بالتحكم في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط والوصول السريع إلى قناة السويس، مما يجعلها أحد الأصول الاستراتيجية التي لا يمكن الاستهانة بها في أي تقييم للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، أصبحت الفكرة التي انطلقت قبل أكثر من 5 سنوات بوصفها مقترحًا يجري تداوله إعلاميًّا، أو خارج نطاق صناع القرار الرسميين في واشنطن، إلى بطاقة قد تصبح صالحة لممارسة الضغط على بيدرو سانشيز، ويتعلق الأمر بنقل قاعدة روتا إلى منطقة القصر الصغير، غير بعيد عن ميناء طنجة المتوسطي، في ظل العلاقات القوية التي تربط الإدارة الأمريكية حاليًا بالرباط.
*ورقة القواعد العسكرية
في الأيام الأخيرة، كشفت صحيفة «إلموندو» الإسبانية عن أن البيت الأبيض لم يعد يعتمد فقط على القرارات الفورية لمواجهة الخلافات مع مدريد، بل أصبح يلوح بإجراءات مستقبلية تتعلّق بمستقبل قاعدة روتا، في محاولة للضغط على الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز.
هذه الإجراءات، بحسب الصحيفة، ترتبط بموعد إعادة التفاوض على بقاء القاعدة في 2028 «الموعد الذي يتزامن مع انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ينهي ولايته رسميًا في 20 يناير 2029» ووفق المصادر الأمريكية والإسبانية، فإن هذه الخطوة تأتي في سياق استراتيجية واشنطن لإعادة تقييم انتشار قواتها في الخارج، خاصّةً في الدول التي ترفض استخدام قواعدها في العمليات العسكرية التي تراها الولايات المتحدة ضرورية. المسألة ليست مجرد خلاف سياسي عابر بين واشنطن ومدريد، بل تحمل أبعادًا استراتيجية أكبر، تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على التحكم في بحرية الحركة في البحر المتوسط والتدخل السريع في أزمات الشرق الأوسط.
فقد أعرب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، في تصريحات علنية، عن دعمه فكرة إعادة النظر في وجود القواعد الأمريكية في إسبانيا، مشددًا على أن استمرار الوجود العسكري في بلد لا يسمح باستخدام المنشآت لحماية الأمن العالمي يُشكّل تحديًّا للسياسة الدفاعية الأمريكية. وأضاف غراهام، أن المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تلزم الدول الأعضاء بالدفاع المشترك، لا تمنح واشنطن الحق في الحفاظ على قواعدها العسكرية إذا لم يُسمح لها باستخدامها استخدامًا فعّالًا، مما يعكس التوترات المستمرة حول التزامات الحلف الأطلسي ومسؤوليات الدول الأعضاء تجاه الأمن الأوروبي.
على الجانب الإسباني، كان رد وزير الخارجية خوسي مانويل ألباريس متحفظًا، إذ اكتفى بالقول إنه «لم يتلقَ أي إشارات بهذا الخصوص»، مؤكدًا أن تصريحات مثل هذه تُعدُّ استعراضًا سياسيًّا أكثر منها تهديدًا حقيقيًّا، وهو ما أكدته مصادر مطلعة نقلت عنها «إلموندو».
ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية لقاعدة روتا تبقى محورية، ليس فقط بالنسبة لإسبانيا، ولكن للولايات المتحدة أيضًا، حيث تتيح هذه القاعدة للمدمرات الأمريكية الانتشار السريع نحو لبنان وإسرائيل، وكذلك إمكانية الوصول إلى منطقة الخليج عبر قناة السويس، خلال أيام قليلة، ما يجعلها مركزًا حيويًّا للتحكم في الأمن البحري والدفاع الصاروخي في أوروبا.
الاتفاقية التي تنظم وجود القوات الأمريكية في قاعدة روتا تعود إلى 1 دجنبر 1988، وتُحدّد مدة سريانها بـثماني سنوات، مع إمكانية التمديد السنوي ما لم تُجرَ تغييرات، مما يجعلها قابلة لإعادة التفاوض دوريًّا، وكانت آخر مرة جرى فيها بحث الاتفاقية عند وصول إدارة جو بايدن إلى البيت الأبيض عام 2020، بينما من المقرر أن يُعاد التفاوض عليها في 2028.
من جهة أخرى، لم تتأثر الخطط العسكرية الأمريكية بالتطورات السياسية، إذ وُقِّع في 8 ماي 2023، اتفاقٌ بين وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس وسفيرة الولايات المتحدة لدى إسبانيا جوليسا رينوسو، يقضي بنشر مدمرتين إضافيتين في قاعدة روتا ضمن البروتوكول الثاني المعدل لاتفاقية التعاون الدفاعي، لتصبح المدمرات الأمريكية المتمركزة دائمًا ستة بدلًا من أربعة بحلول عام 2026، كما يحافظ الاتفاق على سقف الأفراد العسكريين والمدنيين في القاعدتين البحرية والجوية.
*هل ينتقل الأمريكيون إلى طنجة؟
في هذا السياق، تبرز طنجة المغربية بوصفها خيارًا محتملًا في حال قررت واشنطن إعادة نشر قواتها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهو خيار ليس جديدًا، فقد كانت الفكرة مطروحة بالفعل في ولاية ترامب الأولى، تحديدًا عام 2020، بسبب خلافه مع الحكومة الإسبانية بشأن مساهمات مدريد في حلف «الناتو»، وما عزّز الفكرة حينها هو الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء.
الموقع المقترح بالقرب من «القصر الصغير»، وغير بعيد عن ميناء طنجة المتوسطي، يوفر القدرة على الوصول إلى مسار مشابه لما تقدمه قاعدة روتا، بما يتيح للمدمرات والسفن الأمريكية الوصول إلى الشرق الأوسط ومضيق هرمز بنفس الكفاءة الزمنية تقريبًا، مما يجعل طنجة على خط التماس مع انعكاسات التوترات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في المنطقة.
ومع ذلك، تشير المصادر الإسبانية إلى أن احتمال نقل القاعدة إلى المغرب يظل محدودًا للغاية، إذ إنَّ المملكة ليست عضوًا في حلف الناتو، وبالتالي يفتقد الوجود العسكري الأمريكي هناك الشرعية الدفاعية التي توفرها المادة الخامسة من معاهدة الناتو، كما أن نقل القاعدة إلى المغرب يثير تحديات لوجستية وسياسية متعددة، تتعلق بالتمويل، والتعاون مع السلطات المحلية، والالتزامات الدفاعية تجاه الحلفاء الأوروبيين.
وعلى الرغم من ذلك، يظل السيناريو قائمًا بوصفه خيارًا استراتيجيًّا محتملًا، إذا استمرت الخلافات بين واشنطن ومدريد، أو إذا أرادت الإدارة الأمريكية القادمة ضمان بدائل لتأمين الوصول إلى البحر المتوسط ومضيق هرمز دون الاعتماد الكامل على القواعد الإسبانية. وفي المقابل، يمكن لطنجة الاستفادة من أي نقاش حول إعادة انتشار القواعد الأمريكية على أكثر من مستوى.
اقتصاديًّا، يمكن أن يتيح وجود قاعدة أمريكية قرب المدينة فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، بالإضافة إلى تعزيز الاستثمارات في البنية التحتية والموانئ، بما يتوافق مع موقع طنجة بوصفها مركزًا لوجيستيًّا حيويًّا في شمال إفريقيا.
أمّا عسكريا، فقد يعزز التعاون مع الولايات المتحدة من القدرات الدفاعية المغربية من خلال التدريب المشترك وتبادل الخبرات، مما يمكن أن يرفع من مستوى التأهب والاستجابة للأزمات الإقليمية، على المستوى السياسي، قد يعزز هذا الخيار مكانة المغرب بوصفها لاعبًا إقليميًّا قادرًا على استيعاب تحركات استراتيجية كبرى في البحر المتوسط، ما يمنحه دورًا مؤثرًا في موازين القوى الإقليمية.
*سيناريو يضع المغرب في مواجهة إسبانيا
ويظل هذا السيناريو محفوفًا بالتحديات، إذ إن نقل قاعدة عسكرية أمريكية من إسبانيا إلى المغرب سيخلق ضغطًا دبلوماسيًّا وسياسيًّا على الرباط، خاصة في علاقاتها مع الاتِّحاد الأوروبي وإسبانيا، كما قد يثير مخاوف محلية فيما يتعلق بالسيادة الوطنية والأمن الداخلي، إضافة إلى التحديات اللوجستية والبنية التحتية التي تتطلبها مثل هذه المنشآت الكبيرة والمعقدة، علاوةً على ذلك، يبقى المغرب خارج إطار التزامات حلف الناتو، مما يجعل أي نقل للقاعدة الأمريكية إلى أراضيه محل مراجعة دقيقة من قبل واشنطن لضمان الشرعية القانونية والدفاعية.
التطورات الأخيرة تظهر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل الضغط على الحكومة الإسبانية، إذ أبدى دعمه لفكرة سحب القوات الأمريكية من قاعدتي روتا ومورون، إذا استمر الخلاف بشأن استخدام هذه المنشآت في عمليات مرتبطة بحماية مضيق هرمز «الممر البحري الحيوي» الذي يمر عبره جزء كبير من النفط الذي تستهلكه أوروبا. يأتي هذا الموقف تزامنا مع بروز أصوات في الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب، لإعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي داخل الدول الأعضاء في حلف الناتو، التي لا تشارك مباشرةً في حماية الملاحة في مضيق هرمز، على اعتبار أنَّ من حق الولايات المتحدة إعادة تقييم تمركز قواتها في الخارج، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالدول التي لا تسمح باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها.
من الناحية الاستراتيجية، يشكل التوتر الحالي داخل الحلف الأطلسي اختبارًا لقدرة الدول الأوروبية على تحمُّل المسؤوليات الأمنية المشتركة، ويبرز الحاجة إلى إعادة التقييم بشأن توزيع الأعباء الدفاعية في مواجهة التهديدات الإقليمية، بما في ذلك التوترات الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، كما يعكس الموقف الأمريكي؛ رغبةً في ضمان مرونة أكبر في تحرك القوات البحرية والجوية، بما يتيح الوصول السريع إلى مناطق التوتر دون الاعتماد الكامل على قاعدة واحدة، ما قد يجعل المغرب خيارًا واقعيًّا استراتيجيًّا في المستقبل، حتى وإن لم يتم اتخاذ قرار نهائي بشأنه في الوقت الراهن.
ويبقى السيناريو الذي يربط طنجة بمستقبل القاعدة الأمريكية قضية معقّدة ومتشابكة، تجمع بين السياسة والدبلوماسية والأمن والاقتصاد، فالمغرب «باعتباره دولة محورية في شمال إفريقيا» يتمتع بموقع جغرافي يسمح له بأن يكون شريكًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة في المنطقة، لكنه «في الوقت ذاته» يواجه تحدّيات متعددة تتعلق بالسيادة والالتزامات الإقليمية والدولية.
وفي الوقت الذي تستمر فيه التصريحات الأمريكية المتشددة ضد مدريد، فإنَّ الرباط تبقى مراقبًا دقيقًا لما سيترتب على أي قرارات محتملة، سواء على مستوى التعاون الدفاعي أو على صعيد التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، فالمملكة، تعيش حاليًا أفضل علاقاتها مع مدريد على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي، وحتى مسألة سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، تبدو «مجمدة» بإرادة الطرفين إلى أجل غير مسمى.
وخلاصة، يمكن القول، إنّ مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط ليس مجرد مسألة إسبانية أمريكية، بل هو محور صراع استراتيجي أوسع يمتد إلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، فقاعدة روتا في إسبانيا تمثل اليوم قلبَ هذا الصراع، لكن طنجة ومحيطها القريب قد يكونان جزءًا من الحلول البديلة، سواء كخيار استراتيجي في حالة تدهور العلاقات بين واشنطن ومدريد، أو كجزء من جهود الولايات المتحدة لتعزيز مرونتها في المنطقة.
ومع تزايد التوترات الدولية، فإن مراقبة هذه الديناميات ستظل مهمّة ليس فقط للمتخصصين في الشؤون العسكرية والدبلوماسية، بل لكلّ من يتابع تطورات الأمن الدولي، حيث يمكن لأي قرار يتعلق بالقواعد العسكرية أن يكون له انعكاساتٌ كبيرةٌ على التوازنات الإقليمية والدولية في السنوات المقبلة، وهو أمر يعيه المغرب «الذي يبني دبلوماسيته» على المستوى العلني «على الأقل» على مبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول».
*مسيرة خضراء في سبتة ومليلية
لكن القواعد العسكرية ليست وحدها التي تضع طنجة، ومعها أقاليم شمال المغرب، في واجهة الصراع الأمريكي-الإسباني، فقبل أيام أثار الباحث الأمريكي مايكل روبين (مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية)، جدلًا واسعًا بعد دعوته إلى إطلاق ما سماه «مسيرة خضراء جديدة» باتجاه مدينتي سبتة ومليلية، معتبرًا أن المغرب قادر على استعادة المدينتين دون أن يؤدي ذلك إلى تدخل حلف شمال الأطلسي.
وجاءت هذه الدعوة في مقال نشره روبين على موقع «منتدى الشرق الأوسط»، حيث استحضر تجربة المسيرة الخضراء سنة 1975، التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني، وأسفرت عن انسحاب إسبانيا من الصحراء، واعتبر أن تلك الخطوة شكَّلت نموذجًا يمكن تكراره في سياق مختلف، عبر تحرك مدني غير مسلح يضع مدريد أمام أمر واقع سياسي.
ورأى روبين أن المغرب يمتلك مبررات تاريخية بشأن الصحراء، مشيرًا إلى ارتباط المنطقة بالمملكة لقرون قبل الاستعمار، كما اعتبر أن هذه المسيرة تحولت إلى حدث مؤسس في الوعي الوطني، وأضاف أن الملك محمد السادس واصل هذا النهج من خلال تعزيز الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية، مما انعكس، بحسب رأيه، على مؤشرات التنمية وجعلها تتفوق في بعض الجوانب على مناطق أخرى.
وفيما يتعلق بسبتة ومليلية، اقترح الباحث الأمريكي تنظيم تحرّك مدني مشابه، معتبرًا أن إسبانيا لن تجد مبررات قوية للتصعيد، وأنّ الحلف الأطلسي لن يتدخّل في هذا السيناريو، واستند في ذلك إلى تفسيره لمقتضيات معاهدة الناتو، حيث أوضح أنَّ المادة الخامسة تتعلق بالدفاع الجماعي في حال وقوع هجوم مسلح على دولة عضو داخل أوروبا أو أمريكا الشمالية، بينما تحدد المادة السادسة النطاق الجغرافي لهذا الالتزام، مما اعتبر أنه لا يشمل المدينتين شمولًا تلقائيًّا.
ودعا روبين الحكومة الإسبانية، بقيادة بيدرو سانشيز، إلى تبنّي موقف يتماشى مع خطابها «المناهض للاستعمار»، عبر إنهاء الوجود الإسباني في شمال إفريقيا، معتبرا أن ذلك قد يشكل حلًا سياسيًّا للنزاع، علما أنه قبل ذلك كان قد أثار جدلًا كبيرًا في إسبانيا بعد مقال آخر نشره في موقع معهد American Enterprise Institute، دعا فيه إلى اعتراف أمريكي رسمي بأن سبتة ومليلية «أراضٍ مغربية محتلة»، على غرار قرار واشنطن السابق الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء خلال ولاية دونالد ترامب.
واستعرض الباحث في مقاله الخلفيات التاريخية للمدينتين، مشيرًا إلى أن سبتة خضعت للسيطرة البرتغالية سنة 1415 قبل انتقالها إلى إسبانيا، فيما احتلت مليلية سنة 1497، واستمر هذا الوضع حتى بعد استقلال المغرب سنة 1956، حين احتفظت مدريد بالمدينتين، وهما روايتان قريبتان جدًّا من الرواية الرسمية المغربية، التي تعتبر المدينتين ثغرين محتلين.


