تواصل معنا

آخر الأخبار

مطالب برفع الأجور بسبب لهيب المصاريف في ثاني أكبر قطب اقتصادي بالمغرب.. هل أصبح العيش بـ «السميك» مسـتحـيــلًا فـي طـنـجــة؟

تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬تؤكد‭: ‬المدينة‭ ‬تحتاج‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬4000‭ ‬و5500‭  ‬ درهم‭ ‬شهريًا‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لتحمل‭ ‬تكاليفها

تعيش‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬مفارقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬لافتة،‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬تحوَّلت‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬واحدةٍ‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬مراكز‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاج‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬واستطاعت‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬كثاني‭ ‬أكبر‭ ‬قطبٍ‭ ‬اقتصاديٍّ‭ ‬بعد‭ ‬مدينة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬بفضل‭ ‬توسّع‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬واللوجستية،‭ ‬وتطور‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬واستقطاب‭ ‬استثمارات‭ ‬وطنية‭ ‬وأجنبية‭ ‬ضخمة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬تعيش‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬أجور‭ ‬ضعيفة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مجاراة‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬ثروة‭ ‬وما‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬العاملون‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬مقابل‭ ‬مادي‭.‬

لقد‭ ‬تغيَّر‭ ‬وجه‭ ‬طنجة‭ ‬تغيّرًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين،‭ ‬فالميناء‭ ‬المتوسطي‭ ‬العملاق،‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬الممتدة،‭ ‬ومصانع‭ ‬السيارات‭ ‬ومعدات‭ ‬الطيران‭ ‬والنسيج‭ ‬والخِدْمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬كلها‭ ‬جعلت‭ ‬المدينة‭ ‬عنوانًا‭ ‬لنجاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬يروج‭ ‬له‭ ‬باعتباره‭ ‬نموذجًا‭ ‬للتنمية‭ ‬والاستثمار‭. ‬كما‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬المقاولات‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬متواصلًا،‭ ‬وارتفع‭ ‬أيضًا‭ ‬عدد‭ ‬مناصب‭ ‬الشغل‭ ‬المصرح‭ ‬بها،‭ ‬لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لم‭ ‬ينعكس‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأجور،‭ ‬حيث‭ ‬ظلت‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬حبيسة‭ ‬مستويات‭ ‬دخل‭ ‬محدودة‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ولا‭ ‬الارتفاع‭ ‬المتسارع‭ ‬لتكاليف‭ ‬العيش‭.‬

*4000‭ ‬درهم‭ ‬على‭ ‬الأقل

الأرقام‭ ‬الصادرة‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024‭ ‬تكشف‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتقاضى‭ ‬أجورًا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬4000‭ ‬آلاف‭ ‬درهم‭ ‬شهريًّا‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬نسبة‭ ‬مُهمّة‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أجورهم‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬القانوني‭ ‬للأجر،‭ ‬وهذه‭ ‬المعطيات‭ ‬تطرح‭ ‬تساؤلاتٍ‭ ‬جوهريةً‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬الجهة،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العيش‭ ‬بالنسبة‭ ‬لفئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان‭.‬

فالعامل‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضى‭ ‬الحدّ‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجر‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يقاربه،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الوضع‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة؛‭ ‬لأن‭ ‬موجة‭ ‬الغلاء‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬المغرب‭ “‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭” ‬مسَّت‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬فأسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬ارتفعت‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬ظاهرًا،‭ ‬وأصبحت‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر‭ ‬تتعرَّض‭ ‬لاستنزاف‭ ‬مستمر،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مصاريف‭ ‬التغذية‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬الاحتياجات‭ ‬المعتادة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬متزايد‭ ‬يلتهم‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬الشهري‭ ‬للأجراء‭.‬

فأسعار‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬واللحوم‭ ‬والأسماك‭ ‬والموادّ‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الأساسية‭ ‬شهدت‭ ‬زيادات‭ ‬متتالية،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬بدورها‭ ‬ارتفعت‭ ‬بصورة‭ ‬أثَّرت‭ ‬مباشرةً‭ ‬في‭ ‬العمال‭ ‬الذين‭ ‬يقطعون‭ ‬مسافات‭ ‬طويلة‭ ‬يوميًّا‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬العمل،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬آلاف‭ ‬العمّال‭ ‬والعاملات‭ ‬من‭ ‬أحياء‭ ‬بعيدة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬ومناطق‭ ‬مجاورة‭ ‬لطنجة،‭ ‬وأصبح‭ ‬جزءٌ‭ ‬مُهمٌّ‭ ‬من‭ ‬الأجر‭ ‬يذهب‭ ‬مباشرة‭ ‬لتغطية‭ ‬مصاريف‭ ‬التنقُّل‭ ‬قبل‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأخرى‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬السكن‭ ‬الذي‭ ‬تحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬مصادر‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬والأجراء‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬فالمدينة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬طفرةً‭ ‬عمرانيةً‭ ‬كبيرة،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬سجلت‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬متواصلًا‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الكراء‭ ‬والعقارات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأحياء‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬توسُّعًا‭ ‬عمرانيًّا‭ ‬جديدًا،‭ ‬وأصبح‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬سكن‭ ‬مناسب‭ ‬بثمن‭ ‬معقول‭ ‬أمرًا‭ ‬يزداد‭ ‬صعوبةً‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لأجير‭ ‬يتقاضى‭ ‬أجرًا‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬آلاف‭ ‬درهم،‭ ‬فإنَّ‭ ‬تخصيص‭ ‬جزءٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬من‭ ‬دخله‭ ‬الشهري‭ ‬لتأمين‭ ‬السكن‭ ‬يعني‭ ‬عمليًّا‭ ‬تقليص‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬الضروريات‭ ‬الأساسية،‭ ‬فبعد‭ ‬أداء‭ ‬واجبات‭ ‬الكراء‭ ‬والماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والنقل،‭ ‬لا‭ ‬يتبقى‭ “‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭” ‬سوى‭ ‬جزءٍ‭ ‬محدودٍ‭ ‬جدًّا‭ ‬من‭ ‬الراتب‭ ‬لتغطية‭ ‬الغذاء‭ ‬والصحة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الدراسة‭ ‬ومختلف‭ ‬الالتزامات‭ ‬الأسرية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬يعيش‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬المالي‭ ‬الدائم‭.‬

وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬أنَّ‭ ‬عددًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ “‬وطنية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭” ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يعتمد‭ ‬مقاربة‭ ‬أساسها‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بمنح‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجور‭ ‬دون‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬السقف‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬محدودة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬تحقق‭ ‬أحيانًا‭ ‬أرقامًا‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬وأرباحًا‭ ‬سنوية‭ ‬مرتفعة‭. ‬كما‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬بنيات‭ ‬تحتية‭ ‬متطورة‭ ‬وامتيازات‭ ‬مختلفة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالاستثمار‭ ‬والتحفيز‭ ‬الاقتصادي‭.‬

*مقاولات‭ ‬خارج‭ ‬التغطية

ويشتكي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬بعض‭ ‬المقاولات‭ ‬لا‭ ‬تحترم‭ ‬احترامًا‭ ‬كاملًا‭ ‬المقتضيات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالزيادات‭ ‬الدورية‭ ‬في‭ ‬الأجور‭. ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬موضوع‭ ‬التعويض‭ ‬عن‭ ‬الساعات‭ ‬الإضافية‭ ‬يظلُّ‭ ‬بدوره‭ ‬محلّ‭ ‬نقاشٍ‭ ‬مُستمرّ،‭ ‬إذ‭ ‬يجد‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬أنفسهم‭ ‬مطالبين‭ ‬بالعمل‭ ‬لساعات‭ ‬تتجاوز‭ ‬التوقيت‭ ‬العادي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقابل‭ ‬ذلك‭ ‬تعويض‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬ينص‭ ‬عليه‭ ‬القانون،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬يجعل‭ ‬فئاتٍ‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬تشعر‭ ‬بأنَّ‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬خدماتها‭ ‬والعائد‭ ‬المادي‭ ‬أصبحت‭ ‬مختلة‭ ‬بوضوح،‭ ‬لذلك‭ ‬صارت‭ ‬تفضل‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مورد‭ ‬رزقٍ‭ ‬خاصٍّ،‭ ‬مثل‭ ‬التجارة‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬التوصيل‭.‬

وتزداد‭ ‬حدّة‭ ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬عندما‭ ‬يقارن‭ ‬العامل‭ ‬بين‭ ‬حجم‭ ‬الأرباح‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬وبين‭ ‬الأجر‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضاه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصناعية‭ ‬والخدماتية‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬شبكات‭ ‬إنتاج‭ ‬دولية‭ ‬ضخمة‭ ‬تحقق‭ ‬عائدات‭ ‬بملايين‭ ‬ومليارات‭ ‬الدراهم‭ ‬سنويًّا،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الأرباح‭ ‬لا‭ ‬تنعكس‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭ ‬على‭ ‬أوضاع‭ ‬العاملين‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسَّسات‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬بصورة‭ ‬متواصلة،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الأجور‭ ‬وكأنها‭ ‬تتحرَّك‭ ‬بالوتيرة‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬إنَّ‭ ‬الزيادات‭ ‬التي‭ ‬يُجرى‭ ‬إقرارُها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬تبقى‭ ‬محدودة‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستوى‭ ‬الغلاء،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الزيادة‭ ‬تفقد‭ ‬تأثيرها‭ ‬بسرعة‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يصبح‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬يدفعه‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬دخل‭ ‬إضافية‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬نفقاته‭ ‬الأساسية‭.‬

وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأسر؛‭ ‬لأن‭ ‬ضعف‭ ‬الأجور‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الموادّ‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬بل‭ ‬يمتدّ‭ ‬إلى‭ ‬جوانبَ‭ ‬أخرى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بجودة‭ ‬الحياة،‭ ‬مثل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬خِدْمات‭ ‬صحية‭ ‬جيّدة،‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬تعليم‭ ‬مناسب‭ ‬للأبناء،‭ ‬أو‭ ‬ادّخار‭ ‬جزءٍ‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬لمواجهة‭ ‬الظروف‭ ‬الطارئة،‭ ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يصبح‭ ‬الأجر‭ ‬بالكاد‭ ‬يكفي‭ ‬لتدبير‭ ‬متطلبات‭ ‬الشهر‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬هامش‭ ‬للأمان‭ ‬المالي‭.‬

وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬قضية‭ ‬أساسية‭ ‬تتعلّق‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬حقيقي‭ ‬بين‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتنمية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فنجاح‭ ‬المدن‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬بعدد‭ ‬الشركات‭ ‬أو‭ ‬بالمشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬يقاس‭ ‬أيضًا‭ ‬بمدى‭ ‬استفادة‭ ‬المواطنين‭ ‬والأجراء‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬المنتجة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأرقام‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬أيضًا‭ ‬تحسين‭ ‬مستوى‭ ‬العيش‭ ‬وضمان‭ ‬توزيع‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬لثمار‭ ‬النمو‭.‬

فمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬واجهة‭ ‬اقتصادية‭ ‬للمغرب‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نموذجًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العمل؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأرباح‭ ‬وضعف‭ ‬الأجور‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الرضا‭ ‬لدى‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الأجراء،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يطرح‭ ‬تحدِّيات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬رفع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأجراء‭ ‬مجرد‭ ‬مطلب‭ ‬مهني‭ ‬أو‭ ‬نقابي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬أجر‭ ‬يُراعي‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬وإنتاجية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تحسين‭ ‬الأجور‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الداخلي‭ ‬وتحريك‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عامّةً،‭ ‬أمَّا‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أجور‭ ‬منخفضة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬مراكز‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬فإنَّه‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلةً‭ ‬حقيقيةً‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الأولويات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وحول‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

*مركز‭ ‬اقتصادي‭ ‬بأجور‭ ‬زهيدة

وتؤكد‭ ‬المعطيات‭ ‬الرقمية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسوق‭ ‬الشغل‭ ‬في‭ ‬جهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭ – ‬الحسيمة‭ ‬حجم‭ ‬التناقض‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتحسُّن‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأجراء،‭ ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬مناصب‭ ‬الشغل‭ ‬المصرح‭ ‬بها‭ ‬لدى‭ ‬الصندوق‭ ‬الوطني‭ ‬للضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬571‭ ‬ألفًا‭ ‬و969‭ ‬منصب‭ ‬شغل،‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬بزيادة‭ ‬بلغت‭ ‬4,7%‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنة‭ ‬السابقة،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬المناصب‭ ‬لم‭ ‬تؤدِ‭ ‬إلى‭ ‬تحسُّن‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬إذ‭ ‬ظلت‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬عالقة‭ ‬ضمن‭ ‬مستويات‭ ‬أجور‭ ‬منخفضة‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬التحوُّلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬الجهة‭.‬

وتكشف‭ ‬الأرقام‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬75,4%‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬المصرح‭ ‬بهم‭ ‬يتقاضون‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬4000‭ ‬درهم‭ ‬شهريًّا،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬العاملين‭ ‬يوجدون‭ ‬ضمن‭ ‬فئة‭ ‬دخل‭ ‬محدودة،‭ ‬وهي‭ ‬معطيات‭ ‬تكتسي‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمدينة‭ ‬تعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المدن‭ ‬المغربية‭ ‬استقطابًا‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الوطنية‭ ‬والأجنبية‭. ‬كما‭ ‬أنَّها‭ ‬تُعدُّ‭ ‬مركزًا‭ ‬صناعيًّا‭ ‬ولوجستيًّا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬ورغم‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬سجلت‭ ‬تراجعًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بسنة‭ ‬2023‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬خلالها‭ ‬77,6%،‭ ‬وبسنة‭ ‬2022‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬80,1%،‭ ‬فإن‭ ‬التحسُّن‭ ‬المسجل‭ ‬يظل‭ ‬محدودًا‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭.‬

وتبدو‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬عند‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬نسبة‭ ‬الأجراء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬أجورهم‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬القانوني‭ ‬للأجر،‭ ‬إذ‭ ‬بلغوا‭ ‬47,7%‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الأجراء‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬أي‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬العاملين‭ ‬يعيشون‭ ‬بأجور‭ ‬تقع‭ ‬عند‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬أو‭ ‬بالقرب‭ ‬منه،‭ ‬وهي‭ ‬معطيات‭ ‬تعكس‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬عددٍ‭ ‬مُهمٍّ‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬أساسها‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجر‭ ‬دون‭ ‬مواكبة‭ ‬فعلية‭ ‬للتحوُّلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تكشف‭ ‬المعطيات‭ ‬نفسها‭ ‬وجود‭ ‬تفاوتٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الدخل‭ ‬داخل‭ ‬سوق‭ ‬الشغل،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬نسبة‭ ‬الأجراء‭ ‬الذين‭ ‬يحصلون‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬درهم‭ ‬شهريًّا‭ ‬حدود‭ ‬1,6%‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تركيز‭ ‬الأجور‭ ‬المرتفعة‭ ‬ضمن‭ ‬فئات‭ ‬محدودة‭ ‬جدًّا،‭ ‬مقابل‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬والموظفين‭ ‬الذين‭ ‬يشتغلون‭ ‬بأجور‭ ‬تبقى‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬مجاراة‭ ‬متطلّبات‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تشهد‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬مستمرًّا‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬السكن‭ ‬والخِدْمات‭ ‬والمواد‭ ‬الاستهلاكية‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يبرز‭ ‬التقرير‭ ‬أنَّ‭ ‬كتلة‭ ‬الأجور‭ ‬المصرح‭ ‬بها‭ ‬بلغت‭ ‬21,5‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬بارتفاع‭ ‬سنوي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬8,3%،‭ ‬لكنَّ‭ ‬ارتفاع‭ ‬الكتلة‭ ‬الإجمالية‭ ‬للأجور‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحسُّنًا‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬جميع‭ ‬الأجراء؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مرتبطة‭ ‬أيضًا‭ ‬بارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬المُصرّح‭ ‬بهم‭ ‬أو‭ ‬بتوسُّع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وليس‭ ‬بتحسُّن‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬الفردية،‭ ‬ممَّا‭ ‬يفسر‭ ‬استمرار‭ ‬شكاوى‭ ‬العمال‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الرواتب‭ ‬وعدم‭ ‬مواكبتها‭ ‬لموجة‭ ‬الغلاء‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬هيمنة‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التحويلية‭ ‬على‭ ‬التشغيل‭ ‬بحصة‭ ‬بلغت‭ ‬41,7%‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬مناصب‭ ‬الشغل‭ ‬المصرح‭ ‬بها‭ ‬تطرح‭ ‬بدورها‭ ‬أسئلة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بطبيعة‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬المتاحة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يستقطب‭ ‬أعدادًا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬المصانع‭ ‬والوحدات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وهي‭ ‬وظائف‭ ‬تعتمد‭ “‬في‭ ‬جزءٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬منها‭” ‬على‭ ‬أجور‭ ‬محدودة‭ ‬وأنظمة‭ ‬عمل‭ ‬مكثفة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تحقّق‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬نتائج‭ ‬مالية‭ ‬مهمة‭ ‬وأرباحًا‭ ‬متزايدة‭.‬

*نفقات‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬5500‭ ‬درهم

وتزداد‭ ‬حدة‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬عند‭ ‬مقارنة‭ ‬مستويات‭ ‬الأجور‭ ‬بتكاليف‭ ‬العيش‭ ‬الفعلية‭ ‬داخل‭ ‬المدينة،‭ ‬فبينما‭ ‬تشير‭ ‬بيانات‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬نامبيو‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفرد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬5552‭ ‬درهمًا‭ ‬شهريًّا‭ ‬لتغطية‭ ‬نفقات‭ ‬المعيشة‭ ‬الأساسية‭ ‬فقط،‭ ‬دون‭ ‬احتساب‭ ‬الكراء،‭ ‬فإنَّ‭ ‬آلاف‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الكابلاج‭ ‬والنسيج‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬دخلهم‭ ‬الشهري‭ ‬الحدّ‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجور،‭ ‬أي‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬3500‭ ‬درهم،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الراتب‭ ‬الشهري‭ ‬لا‭ ‬يغطي‭ ‬حتى‭ ‬المصاريف‭ ‬الأساسية،‭ ‬قبل‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجبات‭ ‬السكن‭ ‬أو‭ ‬التنقُّل‭ ‬أو‭ ‬إعالة‭ ‬الأسرة‭.‬

وتصبح‭ ‬الفجوة‭ ‬أكثر‭ ‬اتّساعًا‭ ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬تكاليف‭ ‬السكن،‭ ‬إذ‭ ‬يصل‭ ‬متوسط‭ ‬كراء‭ ‬شقة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬واحدة‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬4600‭ ‬درهم‭ ‬شهريًّا،‭ ‬وينخفض‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬3100‭ ‬درهم‭ ‬خارج‭ ‬المركز،‭ ‬ينضاف‭ ‬لها‭ ‬مبلغ‭ ‬1100‭ ‬درهم‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬لفواتير‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والإنترنت،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضى‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجر‭ ‬عاجزًا،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية،‭ ‬عن‭ ‬تحمل‭ ‬مصاريف‭ ‬السكن‭ ‬بمفرده،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬الالتزامات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتغذية‭ ‬والهاتف‭ ‬والنقل،‭ ‬مما‭ ‬يدفع‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سكن‭ ‬مشترك‭ ‬لتقليص‭ ‬النفقات‭.‬

ولعلَّ‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يفسر‭ “‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬بعيد‭” ‬ظاهرة‭ ‬العزوف‭ ‬المتزايدة‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مصانع‭ ‬الكابلاج‭ ‬والنسيج،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬إلى‭ ‬وقتٍ‭ ‬قريبٍ‭ ‬تستقطب‭ ‬أعدادًا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الشباب،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬تُواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليها،‭ ‬بعدما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأجور‭ ‬المعروضة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬كلفة‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تصنف‭ ‬اليوم‭ ‬الأغلى‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يفضل‭ ‬فيه‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الخدمات‭ ‬أو‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬أو‭ ‬حتَّى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬أملًا‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المادية‭.‬

ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬العزوف‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬اعتماد‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المقاولات‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬القانوني‭ ‬للأجر،‭ ‬دون‭ ‬ربط‭ ‬الرواتب‭ ‬بارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬أو‭ ‬بمستويات‭ ‬التضخُّم‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬شكاوى‭ ‬العمال‭ ‬بشأن‭ ‬محدودية‭ ‬الزيادات‭ ‬السنوية،‭ ‬وعدم‭ ‬صرف‭ ‬التعويضات‭ ‬عن‭ ‬الساعات‭ ‬الإضافية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬تجعل‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الوحدات‭ ‬الصناعية‭ ‬أقل‭ ‬جاذبية،‭ ‬مُقارنةً‭ ‬بحجم‭ ‬الجهد‭ ‬البدني‭ ‬وساعات‭ ‬العمل‭ ‬المطلوبة،‭ ‬رغم‭ ‬أنَّ‭ ‬عديدًا‭ ‬منها‭ ‬يشتغل‭ ‬لفائدة‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬ومجموعات‭ ‬صناعية‭ ‬عالمية‭ ‬تحقّق‭ ‬أرقام‭ ‬معاملات‭ ‬وأرباحًا‭ ‬مُهمّة‭.‬

وأمام‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬تنافسية‭ ‬طنجة‭ ‬كعاصمة‭ ‬صناعية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستند‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتوسيع‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية،‭ ‬بل‭ ‬تتطلَّب‭ ‬أيضًا‭ ‬مراجعة‭ ‬السياسة‭ ‬الأجرية‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الدخل‭ ‬وتكاليف‭ ‬العيش؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬استمرار‭ ‬تشغيل‭ ‬آلاف‭ ‬العمال‭ ‬بأجور‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬3500‭ ‬درهم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬يحتاج‭ ‬الفرد‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5500‭ ‬درهم‭ ‬لتغطية‭ ‬نفقاته‭ ‬الأساسية،‭ ‬وإلى‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬8500‭ ‬درهم‭ ‬شهريًّا‭ ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬الكراء،‭ ‬ينذر‭ ‬بتفاقم‭ ‬أزمة‭ ‬استقطاب‭ ‬اليد‭ ‬العاملة،‭ ‬ويضع‭ ‬سوق‭ ‬الشغل‭ ‬المحلي‭ ‬أمام‭ ‬تحدِّيات‭ ‬متزايدة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

تابعنا على الفيسبوك