مجتمع
طَقسُ أكلٍ أمْ نُسكُ طاعَةٍ؟
بسم الله مُفدي إسماعيل بالذّبح العظيم ؛ والحمد لله مكلّف الناس بالوُسع و التّيسير ، و صلى الله على النّاهي عن التّشدّد و التّعسير و على آله الغُرّ المَيامين وصَحابتِه الهُداة الطّيّبين و على مَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدّين.
وبعد: كَثُر الحديثُ عن الأضحيّة و العيدِ ؛ و عنِ الذّبح و التّرك و عن الإستطاعَة الماليّة و تعظيمِ الشّعيرة ، و أَدلى بِدلوِه كلُّ منْ لهُ دلوٌ ومَن لا دَلْوَ لَه ، فأحبَبت أن أُسطّر سَطرين يَسيرَيْنِ ، يَفهمُهُم الخاصّ و العامّ لعلّي أُسهِم في بيانِ ما استُشكِل ؛ و أنالُ أجرَ المجتَهِد المُخطئِ؛ وإن كان ما أكتبه لا اجتهاد فيه و لا فتوى إذ لسْت لها أهلاً و لا بِها كفؤًا ، و قد قَضى في الأمرِ أهلُ الحلّ و العَقدِ الذين يحملونَ عَنا همَّ القَرار و الإختيار.
إن توقيف شَعيرة الذَّبح أمرٌ صادِر عن وَلي أمْرنا الذي اختارَ الأنسَب لأبناءِ وطنه و الأيسر على رعِيّته حتى لا يشقّ عليهم الأمر فيتحمّلوا تبِعات تُثقل الكاهِل و تفتَح أبوابَ المُزايدة و اغتنام النّدرة عند من دَيدانُه الإحتكار و إستغلال حاجة الناس و جَهلهم بِفقْه الأوْلَويّات و مَقاصِد دينِنا السّمح ، و في ذلك كما لا يَخفى مَشقّة و مَفسَدَة عَظيمَة تفُوق مَنفعة الذّبح و مَصلحة الأُضحية ، أضِف إلى ذلك ما ستُفَوّتُه الأمّة بالأضحِيّة مِن مَنفعَة المُحافظَة على القَطيع و الحِرص على تَكاثُره فَتتَحقّق بذلك مَصلحَة أعَم و أهَم .
إنّ الميثاقَ الذي يَربطنا بِوليّ أمرِنا يَقتَضي طاعَته في كلّ ما أمَر ما لم يُحلّ حراما أو يُحرّم حلالا ، و أمرُ الأضحِيّة لا يَمسّ حلالا أو حَراما ؛ فقد أجمع جمهور أهلُ السّنة أنها سُنّة مُؤكدة .
والسُنة لغة: هي الطريقة ، واصطلاحاً: هي ما فعله النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأظهره حال كونه في جماعة وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه.
والمؤكد من السنن هو ما كثر ثوابه.
ومن السنن المؤكدة :ر كعتا الطواف و الوتر و صلاة العيدين
بينما طاعة ولي الأمر واجبة بالقرآن و السنة و الإجماع. فإن السمع والطاعة للأئمة من أصول أهل السنة العظيمة التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها قال تعالى في سورة النساء : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم. وأخرج البخاري و مسلم بسنديهما عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
وفي الصحيحين قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا. والأحاديث في هذا الباب مستفيضة محفوظة عند أهل السنة .
من ذلك أيضا ما أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث حذيفةَ بن اليمانِ – رضي الله عنهما – قال: كان النَّاسُ يسألون رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشرِّ مخافةَ أن يدركَني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّا كنَّا في جاهليَّةٍ وشرٍّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخير، فهل بعد هذا الخيرِ من شرٍّ؟ قال: ((نعم))، قلتُ: فما تأمرُني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهم))
و لِشَعيرَة العيدِ مُستحَبّات كثيرَة غَير ذَبح الأُضحيّة عدَّدَها فُقهاؤنا فذكَروا منها:
_ إحياء ليلة العيد بالعبادة من ذكر اللَّه وصلاة واستغفار وتلاوة قرآن .
_الغسل ولو لغير مصلٍّ، ويبدأ وقته في السدس الأخير من الليل، لكن يندب أن يكون بعد الصبح، ولا ينتهي وقته بالصلاة لأنه لليوم لا للصلاة ، لما أخرج ابن ماجة في سننه من حديث ابن عباس رضي اللَّه عَنهما أنه قال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى .
_التطيب والتزين بلبس الثياب الجديدة إظهاراً لنعمة اللَّه وشكره، ولو لغير مصلٍّ كالصبيان والنساء في بيوتهن، لأن اللَّه جعل ذلك اليوم يوم فرح وسرور وزينة للمسلمين، أخرج الترمذي في سننه عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده رضي اللَّه عَنهُ قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: “إن اللَّه يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده” .
من المستحبات كذلك : تحسين الهيئة بتقليم الأظافر وحلق الشارب وإزالة الأدران.
و منها أيضا : الذهاب من طريق والرجوع من طريق آخر ، للحديث الذي أخرجه الإمام البخاري عن جابر رضي اللَّه عَنهُ قال: كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
كما يندب تأخير الإفطار إلى بعد صلاة العيد في عيد الأضحى ولو لم يضّح.
و يندب فيه تأخير خروج الإمام، فلا يخرج إلا بعد اجتماع الناس.
وغيرها من المسنونات التي تظل مندوبة يوم العيد سواء مع وجود الأضحية أو مع عدمها ،كمن لم يتوفر فيه شرط الإستطاعة مثلا.
فالعيد إذن فرحة لنحافظ معا على بهجته ؛ و لنصل فيه رحمنا، و لنحرص على رونق الداخل ليشرق الخارج ، و لنكثر من حمد المولى و شكره ، و لنكن جميعا مثل الجسد الواحد يشد بعضه بعضا و لا نستجب لدواعي الفتنة و لا لداعي الشهوة فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب و ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، و لنكن خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف الذي يحمل الخير و المصلحة لوطننا و تنه عن المنكر الذي يسعى إلى المفسدة و التضييق على الخلق باستغلال جهلهم و اتباع نداء الشهوة المضلة ، و لنستحضر مقاصد العيد و غاياته التي تتجاوز حتما أكل اللحم و تخزينه.


