سياسة
طنجة قبل 23 شتنبر.. هل يتحول غضب الساكنة إلى عزوف انتخابي؟
اختلالات البنية التحتية والخدمات الاجتـماعية تـضـع عــلاقــة المواطـن بالســياسة أمــام اخـتـبار الـثـقـة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، المُقرّر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، تدخل مدينة طنجة مرحلة انتخابية حاسمة، لا يتعلّق الرهان فيها فقط بمن سيفوز بالمقاعد البرلمانية، وإنَّما أيضًا بحجم المشاركة التي ستسجلها صناديق الاقتراع.
فخلف صخب الحملات الانتخابية وصور المرشحين وشعارات الأحزاب، يبرز سؤال أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن: هل ستدفع المشكلات التي تعيشها طنجة جزءًا من الساكنة إلى العزوف عن التصويت، أم ستدفعها، على العكس، إلى المشاركة من أجل التعبير عن غضبها ومعاقبة من تعتبرهم مسؤولين عن الوضع القائم؟
السؤال يكتسي أهمية خاصة في مدينة عرفت، خلال السنوات الأخيرة، تحولًا اقتصاديًّا وعمرانيًّا كبيرًا، وأصبحت قطبًا صناعيًّا ولوجستيكيًّا وسياحيًّا بارزًا، في الوقت الذي تواجه فيه تحديات متزايدة مرتبطة بالنمو الديمغرافي والتوسع العمراني والضغط على الخِدْمات والمرافق العمومية.
وقد حدَّدت السلطات رسميًّا يوم 23 شتنبر موعدًا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما تمتد الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر. وتشارك في الاستحقاق 27 هيئة سياسية، ما يعني أنَّ السباق الانتخابي سيكون مفتوحًا على منافسة سياسية واسعة.
لكن في طنجة، لن يكون النقاش بشأن البرامج السياسية منفصلًا عن واقع المدينة. فالمواطن الذي يعيش يوميًّا مشكلات مرتبطة بالنظافة أو الإنارة أو الطرق أو النقل أو الخدمات الصحية، سيضع هذه الملفات، بشكل أو بآخر، ضمن معايير تقييمه للأحزاب والمرشحين.
*مدينة تتقدم بسرعة.. ومشكلات تفرض نفسها
يصعب إنكار التحوُّل الكبير الذي عرفته طنجة خلال السنوات الماضية، فالمدينة لم تعد مجرد حاضرة متوسطية ذات أهمية اقتصادية، بل تحوَّلت إلى واحدة من أبرز الأقطاب الاقتصادية بالمغرب، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي ومن المشاريع الكبرى التي عرفتها المنطقة.
غير أنَّ النمو السريع يفرض بدوره تحديات كبيرة. فكل توسع عمراني يحتاج إلى طرق ومرافق وخدمات ونقل وإنارة ونظافة ومؤسسات صحية وتعليمية ورياضية وثقافية قادرة على مواكبة حاجيات السكان.
وهنا تظهر واحدة من أبرز مفارقات طنجة الحالية: المشاريع الكبرى موجودة، لكن المواطن يقيس جودة المدينة أيضًا من خلال التفاصيل الصغيرة التي يعيشها كل يوم.
فالطريق الذي يسلكه إلى عمله، الرصيف الموجود أمام منزله، الإنارة في الحي، مستوى النظافة، سهولة الوصول إلى المرافق الصحية، جودة النقل، وتوفر الفضاءات العمومية، كلها عناصر تدخل في تشكيل صورة المواطن عن مدينته وعن أداء المؤسسات التي تدبر شؤونها.
وفي هذا السياق، تصبح الاختلالات اليومية أكثر من مجرد شكايات متفرقة؛ فهي تتحوّل تدريجيًّا إلى عنصر في النقاش السياسي، خصوصًا عندما تتزامن مع موسم انتخابي.
*الإنارة.. آلاف الشكايات تكشف حجم الانتظارات
من بين الملفات التي تعكس حجم الضغط على الخِدْمات العمومية في طنجة، ملف الإنارة، فحسب معطيات قدمت خلال دورة يونيو العادية لمجلس مقاطعة مغوغة، بلغ عدد شكايات الإنارة المسجلة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، 7106 شكايات، منها 5029 شكاية عادية و2077 شكاية ذات طابع استعجالي.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة؛ لأن أكثر من نصف الشكايات “أي نحو 51%– جاءت مباشرة من المواطنين، بينما تصدرت الأعطاب المرتبطة بالنقط الضوئية المنطفئة قائمة الاختلالات بنسبة تجاوزت 67%، بما يعادل 4781 عطلًا.
ولا يمكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها مجرد مؤشرات تقنية. فبالنسبة للمواطن، الإنارة مرتبطة أيضًا بالإحساس بالأمن والسلامة، وبإمكانية التنقل ليلًا، وبصورة الحي الذي يعيش فيه.
كما أنَّ ارتفاع عدد الشكايات يعني، في جانب منه، أنَّ المواطنين يتفاعلون مع الخدمة ويطالبون بتحسينها، لكنه يعكس في الوقت نفسه حجم الضغط الذي تواجهه المصالح المكلفة بالتدبير والصيانة.
وتكشف المعطيات نفسها عن أنَّ فاتورة الطاقة الخاصة بالإنارة العمومية بلغت سنة 2025 نحو 94.63 مليون درهم، بينما وصلت تكاليف الصيانة إلى حوالي 50 مليون درهم، وهي أرقام تظهر أنَّ الإنارة تُمثّل ملفًا ماليًّا وتقنيًّا كبيرًا بالنسبة للجماعة.
وهنا يعود السؤال السياسي: هل يشعر المواطن بأنَّ حجم الإنفاق والمجهود المبذول ينعكس فعلًا على جودة الخدمة التي يحصل عليها؟
*النظافة.. معيار مباشر للحكم على المدينة
إذا كانت الإنارة تحتاج إلى أرقام وشكايات لتقييم وضعها، فإن النظافة تبدو أكثر وضوحًا في نظر المواطن؛ فالسكان لا يحتاجون إلى تقارير طويلة لمعرفة مستوى النظافة في الحي الذي يسكنون فيه، المشهد اليومي كافٍ للحكم.
وتظهر شكايات مرتبطة بالنفايات ومياه الصرف الصحي في بعض المناطق من المدينة، وهي قضايا تعيد إلى الواجهة إشكالية تدبير المجال الحضري في ظل توسع المدينة وتزايد حاجيات السكان. ومن بين الحالات التي تم تداولها خلال السنة الجارية شكايات سكان طنجة البالية بشأن تراكم النفايات وتدفق مياه الصرف الصحي في بعض الأزقة.
وقد تبدو مثل هذه الملفات محلية جدًا، لكنَّها تحمل أثرًا سياسيًّا كبيرًا؛ لأنَّ المواطن يربط جودة حياته مباشرة بمدى قدرة المؤسسات على حلّ المشكلات التي يواجهها في محيطه. ومن ثَمَّ، فإن النظافة لا تصبح مجرد قطاع تقني، بل تتحوَّل إلى عنوان للثقة في التدبير العمومي.
*الصحة.. الملف الذي يتجاوز حدود الخدمات
إلى جانب البنية التحتية والنظافة والإنارة، تظلُّ الصحة من أكثر الملفات حساسية في علاقة المواطن بالمؤسسات؛ فالمرض لا ينتظر الحملات الانتخابية، والمواطن الذي يضطر إلى الانتظار أو التنقل بحثًا عن العلاج لا ينظر إلى الأمر من زاوية الاختصاصات الإدارية فقط، وإنَّما يطرح سؤالًا بسيطًا: هل أحصل على خدمة صحية تليق بي؟
وقد أثيرت داخل البرلمان “خلال الولاية السابقة” أسئلة مرتبطة بالخصاص في الأطر الطبية داخل مؤسّسات صحية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة؛ كما سجلت أسئلة برلمانية عن أوضاع القطاع الصحي والموارد البشرية والتجهيزات؟ ومن بين هذه الأسئلة سؤال كتابي عن الخصاص في الأطر الطبية بمستشفى محمد الخامس بشفشاون، باعتباره نموذجًا للخصاص الذي تعرفه الجهة.
ورغم أن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أنَّ جميع المؤسسات الصحية بطنجة تُعاني الوضع نفسه، فإنَّها تبرز حضور ملف الصحة بقوة في النقاش العمومي الجهوي. وهو ملف يصعب على السياسيين تجاهله، لأنَّ المواطن يربط بين السياسات الحكومية وجودة الخدمات التي يحصل عليها، حتَّى عندما تكون المسؤوليات موزعة بين قطاعات ومؤسسات مختلفة.
*عبد المجيد: الوضع لا يشجع الساكنة على المشاركة
وسط هذا الواقع، تظهر مسألة الثقة السياسية باعتبارها أحد المفاتيح لفهم سلوك الناخب الطنجاوي؛ ويقول عبد المجيد، موظف وابن مدينة طنجة، في تصريح خص به جريدة «لاديبيش»: «للأسف، الوضع الذي تعيشه طنجة لا يشجع الساكنة على المشاركة الانتخابية، فطنجة تعيش مشكلات كبيرة على مستوى البنيات التحتية وعلى مستوى النظافة، كما أنَّ بعض السياسيين الذين يمثلون مدينة طنجة في قبة البرلمان لا يدافعون ويترافعون عن المدينة». هذا التصريح، الذي يُعبّر عن موقف مواطن، يضع اليد على جوهر الإشكال: العلاقة بين مستوى الخدمات والرغبة في المشاركة السياسية.
فحين يشعر المواطن أن مشكلاته لا تجد طريقها إلى الحل، وأنَّ الوعود الانتخابية لا تنعكس على حياته اليومية، فقد تتراجع رغبته في المشاركة. لكنه قد يتَّخذ موقفًا معاكسًا تمامًا، فيقرر الذهاب إلى صندوق الاقتراع بهدف التعبير عن رفضه وتغيير موازين القوى.
وهنا يلتقي الغضب بالعزوف والتصويت العقابي في معادلة واحدة: فالمواطن المحبط قد ينسحب من العملية الانتخابية؛ لأنَّه لم يعد يثق في جدوى صوته، وقد يختار، في المقابل، استعمال صوته نفسه لمعاقبة حزب أو مرشح أو تغيير الاختيارات السابقة. لذلك لا يمكن اعتبار الغضب مؤشرًا آليًّا على انخفاض المشاركة، بل قد يكون محفزًا لها أيضًا، خصوصًا إذا نجحت الأحزاب المنافسة في تحويل حالة الاستياء إلى خطاب سياسي وبرامج مقنعة. وبين هذين الاحتمالين ستتحدد إحدى أهم معالم انتخابات طنجة.
*من يتحمل مسؤولية مشكلات المدينة؟
لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل يمكن تحميل البرلمانيين وحدهم مسؤولية جميع المشكلات التي تعيشها طنجة؟ الجواب، من الناحية المؤسساتية، ليس بهذه البساطة.
فالمدينة تخضع لتعددٍ في مستويات التدبير والاختصاص؛ فهناك الجماعة والمقاطعات والجهة والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، ولكل منها اختصاصات ومسؤوليات. والانتخابات المقبلة “في الأصل” انتخابات تشريعيّة، وستفرز أعضاء مجلس النواب، وليس أعضاء المجالس الجماعية، لكنَّ هذا التمييز المؤسساتي لا يلغي المسؤولية السياسية.
فالبرلماني ينتمي إلى حزب سياسي، وقد يكون حزبه مشاركًا في الحكومة أو في المعارضة، وله دور في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وطرح الأسئلة والدفاع عن قضايا المواطنين. ولهذا فإن الناخب من حقه أن يسأل المرشح عن حصيلة حزبه ومواقف ممثليه وعن الملفات التي تم طرحها تحت قبة البرلمان.
وفي حالة طنجة، يصبح السؤال أكثر تحديدًا: ما الملفات التي رافع عنها النواب من أجل المدينة؟ ما القضايا التي نقلوها إلى البرلمان؟ هل تابعوا تنفيذ المشاريع والبرامج الحكومية المرتبطة بطنجة؟ وهل استطاعوا تحويل مشكلات السكان إلى ملفات سياسية ومؤسساتية؟ هذه الأسئلة ستكون، على الأرجح، من أكثر الأسئلة إحراجًا للمرشحين خلال الحملة الانتخابية.
*أرقام 2021.. المشاركة في قلب المعادلة
لا يمكن الحديث عن مستقبل المشاركة في طنجة من دون العودة إلى انتخابات 2021. ففي تلك الانتخابات، بلغت نسبة المشاركة في دائرة طنجة-أصيلة حوالي 33%، بعدما أدلى 116 ألفًا و122 ناخبًا بأصواتهم من أصل 430 ألفًا و469 ناخبًا مسجلين في اللوائح الانتخابية.
وتقاسمت خمسة أحزاب المقاعد الخمسة المخصصة للدائرة في مجلس النواب، وهي الاتِّحاد الدستوري والاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاتِّحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وتُقدّم هذه الأرقام صورة مُهمّة عن حجم الكتلة الانتخابية التي شاركت فعليًّا في تحديد ممثلي الدائرة؛ لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا أكبر: ماذا عن الأغلبية التي لم تصوت؟
فالانتخابات لا تعكس فقط اختيارات الذين أدلوا بأصواتهم، وإنَّما تعكس أيضًا، بطريقة غير مباشرة، حجم الفئات التي قررت عدم المشاركة. وفي انتخابات 2026، ستكون نسبة المشاركة نفسها مؤشرًا يستحق القراءة، سواء ارتفعت أو تراجعت.
*هل يتكرر سيناريو العزوف؟
لا توجد، إلى حدود إعداد هذا التحقيق، معطيات علمية تسمح بالجزم بأنَّ نسبة المشاركة في طنجة ستتراجع أو سترتفع في الانتخابات المقبلة. والحديث عن توقع محدد سيكون أقرب إلى التكهن منه إلى التحليل الصحفي؛ لكن يمكن رصد مجموعة من العوامل التي قد تؤثر في السلوك الانتخابي.
أولها درجة التنافس بين الأحزاب والمرشحين؛ فكلما كانت المنافسة قوية ومقنعة، ارتفع احتمال تعبئة الناخبين. ثانيها طبيعة البرامج الانتخابية؛ فالمواطن قد يكون أقل اهتمامًا بالشعارات العامة وأكثر رغبة في معرفة الحلول العملية لمشكلات الشغل والنقل والصحة والنظافة والبنية التحتية. وثالثها ثقة المواطن في المرشحين أنفسهم، وهي مسألة ترتبط بحصيلة الوجوه السابقة وبمدى حضورها في الحياة اليومية للمدينة. أما العامل الرابع فهو المزاج العام؛ فإذا سادت قناعة بأن الانتخابات لن تغير شيئًا؛ فقد يتعزز العزوف. أمَّا إذا نجحت الحملة في إقناع الناخب بأن الانتخابات فرصة لتغيير الاختيارات السابقة؛ فقد يتحول الغضب إلى مشاركة.
*الشــــباب.. الحــلقة الأكثر حـساســــيـــــة
في كل نقاش عن المشاركة الانتخابية، يصعب تجاهل الشباب. طنجة مدينة اقتصادية بامتياز، وتستقطب آلاف الباحثين عن فرص العمل، كما تعرف توسعًا عمرانيًّا وسكانيًّا متواصلًا. لكن الشباب يقيسون السياسة بمؤشرات عملية. الشاب الذي يبحث عن فرصة عمل يريد أن يعرف ماذا ستقدم له السياسات العمومية. والذي يعاني النقل يريد حلولًا عملية، والذي يبحث عن فضاءات للرياضة والثقافة يريد أن يرى مشاريع حقيقية، والذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة يريد أن يعرف كيف ستتعامل الحكومة المقبلة مع هذه الضغوط. لهذا فإن الخطاب الانتخابي التقليدي قد لا يكون كافيًّا لاستقطاب هذه الفئة.
فالشباب اليوم قادر على مقارنة البرامج، وتتبع مواقف السياسيين، ومناقشة الحصيلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ كما أصبح أكثر قدرة على مساءلة المنتخبين عن وعودهم السابقة. وبالتالي، فإن الحملة الانتخابية في طنجة لن تدور فقط في الساحات واللقاءات المباشرة، وإنما ستجري أيضًا على الهواتف والمنصات الرقمية.
*بين المدينة التي يراها المستثمر والمدينة التي يعيشها المواطن
من أبرز مفارقات طنجة أنّ صورتها الخارجية ليست دائمًا هي الصورة التي يعيشها سكانها يوميًّا. فبالنسبة إلى المستثمر والسائح، قد تكون طنجة مدينة الميناء والمناطق الصناعية والفنادق والمشاريع الكبرى. أما بالنسبة إلى المواطن، فهي أيضًا الحي والشارع والحافلة والمدرسة والمركز الصحي والسوق والرصيف ومصباح الإنارة. وهنا تظهر مسؤولية السياسي في الربط بين الصورتين.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى استثمارات ومشاريع كبرى، وإنَّما تحتاج إلى ضمان أن يلمس المواطن أثر هذه الدينامية الاقتصادية في جودة حياته.
وكلما اتسعت الفجوة بين الصورة التي تقدم عن المدينة والواقع الذي يعيشه السكان، ازدادت قابلية المواطن للشك في الخطاب السياسي.
ومن هنا، فإن الانتخابات يمكن أن تكون فرصة لإعادة طرح سؤال أساسي: أي طنجة نريد؟
هل هي طنجة المشاريع الكبرى فقط؟ أم طنجة التي تصل ثمار هذه المشاريع إلى الأحياء والأسر والشباب والطبقة العاملة؟.
*ما الذي ينتظره الناخب من النائب؟
ربما يكون هذا السؤال هو المدخل الأكثر واقعية للحملة الانتخابية. فالمواطن لا يريد بالضرورة من النائب أن يحل محل المسؤول الحكومي، لكنّه يريد منه أن يكون صوتًا قويًّا للمدينة داخل البرلمان.
يريد أن يعرف ما إذا كان النائب سيتابع ملفات طنجة، ويطرح الأسئلة بشأنها، ويدافع عن مصالح سكانها، ويراقب تنفيذ البرامج الحكومية، وينقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسات المختصة. وهنا يصبح الترافع البرلماني عن المدينة معيارًا مهمًّا في تقييم المرشحين.
وتصريح عبد المجيد يعكس هذا الانتظار تحديدًا عندما يقول إنَّ بعض السياسيين الذين يمثلون طنجة في البرلمان «لا يدافعون ويترافعون عن المدينة».
وحتّى لو اختلف المواطنون مع هذا التقييم أو اتفقوا معه، فإنّه يكشف عن سؤال قائم في النقاش العمومي: هل يشعر سكان طنجة بأن ممثليهم البرلمانيين حاضرون بما يكفي في قضايا المدينة؟
إنها مسألة لا يمكن حسمها بالانطباعات وحدها، بل تحتاج إلى العودة إلى حصيلة النواب، والأسئلة التي طرحوها، والملفات التي أثاروها، ومتابعتهم للسياسات الحكومية المرتبطة بالمدينة.
وهذه، تحديدًا، من الملفات التي ينبغي أن تشكل جزءًا من النقاش الانتخابي بدل الاكتفاء بالوعود العامة.
*الانتخابات.. فرصة لمساءلة الحصيلة
في المقابل، لا ينبغي اختزال النقاش الانتخابي في المشكلات وحدها. فطنجة عرفت خلال السنوات الماضية استثمارات وأوراشًا ومشاريع مهمة، وأصبحت إحدى أبرز واجهات الاقتصاد المغربي.
والتحدّي الصحفي والسياسي هو وضع الصورة كاملة أمام المواطن: ما الذي تحقّق؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية كل ملف؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من الخطاب الذي يكتفي بتبادل الاتهامات؛ فالمرشح الذي يطلب ثقة المواطن مطالب بتقديم حصيلة واضحة، سواء كان في الحكومة أو البرلمان أو المعارضة أو المجالس المنتخبة.
والمواطن بدوره مطالب بأن يجعل تصويته مبنيًا على المعلومات والبرامج والحصيلة، لا على الانطباع أو الحملة الدعائية وحدها.
*23 شتنبر.. اختبار للثقة قبل أن يكون اختبارًا للنتائج
مع بداية الحملة الانتخابية، ستكون الأحزاب أمام فرصة لإعادة بناء جزء من الثقة مع الناخبين. لكنَّ هذه المهمة لن تكون سهلة؛ فالمواطن الذي يسمع وعودًا متكررة يريد اليوم أن يعرف ما الذي يمكن تحقيقه فعلًا.
كما أنَّ الناخب أصبح أكثر قدرة على مقارنة الوعود بالحصيلة السابقة، خصوصًا في ظل سهولة الوصول إلى المعلومات وتداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أصبحت المنظومة الانتخابية نفسها أكثر تشدّدًا تجاه الأخبار الزائفة والمحتويات التي تستهدف نزاهة العملية الانتخابية أو الحياة الخاصة للمرشحين والناخبين. وقد أعلنت السلطات مؤخرًا مقتضيات جديدة للتصدي للأخبار الزائفة والإشاعات المرتبطة بالانتخابات.
وهذا يعني أنَّ المعركة الانتخابية لن تكون فقط على الشارع، بل أيضًا على مستوى الخطاب والمعلومة والمصداقية.
*هل سيذهب الطنجاوي إلى الصندوق؟
في نهاية المطاف، لا يمكن الجزم من الآن بأن غضب سكان طنجة من مشكلات البنية التحتية والخدمات سيؤدي إلى ارتفاع العزوف.
فالغضب له أكثر من اتجاه. قد يدفع المواطن إلى القول: «لن أصوت لأن شيئًا لن يتغير»؛ وقد يدفعه، في المقابل، إلى القول: «سأصوت حتى أغير من أعتبرهم مسؤولين عن هذا الوضع». وبين الموقفين توجد منطقة واسعة من الناخبين الذين قد يحسمون قرارهم خلال الأيام الأخيرة من الحملة، بناء على البرامج والمرشحين وطبيعة المنافسة والقدرة على الإقناع.
ولهذا فإن انتخابات 23 شتنبر في طنجة لن تكون فقط معركة على المقاعد البرلمانية، وإنَّما اختبار لعلاقة المواطن بالسياسة وبالمؤسسات وبالمنتخبين.
فإذا ارتفعت نسبة المشاركة مقارنة مع 2021، فقد تكون الرسالة أن جزءًا من المواطنين قرر استعادة ثقته في العملية الانتخابية، أو على الأقل استخدام صوته للتعبير عن رغبته في التغيير.
أما إذا تراجعت، فقد يكون ذلك مؤشرًا على استمرار فجوة الثقة بين شريحة من السكان والمؤسسات السياسية.
لكن أيًّا تكن النتيجة، فإنَّ الرسالة الأساسية ستبقى واحدة:
المواطن لا يعيش السياسة في البرلمان فقط؛ يعيشها في الشارع والحي والمستشفى ووسيلة النقل والفضاء العمومي.
وإذا كان السياسي يريد إقناع الناخب بالتصويت، فعليه أن يثبت له أن صوته لن ينتهي عند صندوق الاقتراع، وإنما سيتحول إلى ترافع ومساءلة ومتابعة ونتائج.
أما الناخب، فسيكون أمام مسؤولية اختيار من يراه قادرًا على تمثيل مصالحه والدفاع عن قضايا مدينته.
وفي طنجة، قد لا يكون السؤال يوم 23 شتنبر فقط: من سيفوز؟ بل السؤال الأعمق: كم من طنجاوي سيذهب إلى صندوق الاقتراع؟ ولماذا؟
فبين العزوف احتجاجًا والتصويت عقابًا، ستكشف نسبة المشاركة كثيرًا عن مزاج المدينة ومستوى الثقة في الفاعل السياسي.
وقد تكون تلك النسبة، أكثر من أسماء الفائزين نفسها، واحدة من أهم الرسائل التي سترسلها طنجة إلى الطبقة السياسية.
لأن الناخب قد ينسى خطاب الحملة، لكنه لا ينسى الطريق الذي يسلكه كل صباح، ولا الحي الذي يعيش فيه، ولا الخدمة التي ينتظرها، ولا الوعد الذي سمعه ولم يتحقق؛ وفي النهاية، ستبقى صناديق 23 شتنبر هي التي ستجيب عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في شوارع طنجة: هل يتحول غضب الساكنة إلى عزوف.. أم إلى صوت انتخابي من أجل التغيير؟


