سياحة
طنجة تربح الرهان السياحي خلال كأس إفريقيا.. فـهـل تسـيـر عـلى الطــريـق الصحيح لاستقبال «المونديال»؟
بعد تقرير «الفيفا» المدينة نجحت في تغيير العديد من الأشياء وتحولت إلى نجمة «الكان»
بنسبة كبيرة، استطاعت طنجة كسب رهان تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025، فالمدينة التي احتضنت مقر إقامة المنتخب السنغالي، واستضافت 6 منتخبات أخرى إلى جانبه أتت لإجراء مبارياتها على أرضية ملعب «ابن بطوطة»، نجحت في إظهار جوانبَ كثيرةٍ من بنيات الاستقبال المهمّة التي تتوفر عليها، بما في ذلك الفنادق والمرافق الخدماتية ووسائل النقل.
وبصرف النظر عن تصريحات حسام حسن، مدرب منتخب مصر، التي كانت مجرد مبالغات أراد جعلها مُبررًا لهزيمته في نصف النهائي، قبل أن يتراجع عنها لاحقا بشكل رسمي، فإنَّ مدينة طنجة جذبت أنظار دول العالم من داخل القارة السمراء وخارجها، لكن كل ذلك ليس إلا الخطوة الأولى على درب تحقيق شروط الفيفا من أجل النجاح أيضا في احتضان كأس العالم 2030..
θ«الكـــــان».. طـنجـة تـتغــيـــر
قبل كأس أمم إفريقيا، وفي أواخر سنة 2024، كان تقرير «الفيفا» بمنزلة جرس إنذار بالنسبة للمدينة، إذ نجد أنَّ 5 مدن مرشحة حصلت على تنقيط كامل، وهو 5 على 5، وهي برشلونة ومدريد ولاس بالماس ومالقا في إسبانيا، ولشبونة في البرتغال، في حين حصلت إشبيلية على 4,7، متبوعة بمراكش بـ4,6، ثم أكادير وفاس وبورتو بـ4,5، أمّا الرباط فكان تنقيطها 4,1، مقابل 4 للدار البيضاء ولاكورونيا وسرقسطة، بينما حصلت بيلباو على 3,2 غير أنَّ طنجة حصلت على 2,2، قبل سان سيباستيان الأخيرة بنقطة 2.
ولذلك لم يكن احتضان مدينة طنجة لمباريات كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد محطة رياضية عابرة في روزنامة التظاهرات القاريَّة، بل شكَّل اختبارًا عمليًّا لقدرة المدينة على توظيف الرياضة بوصفها أداةً للتنمية السياحية والاقتصادية.
فخلال أسابيع البطولة، تحوَّلت عاصمة البوغاز إلى فضاءٍ نابضٍ بالحياة، حيث تداخل الإيقاع الرياضي مع الحركية السياحية والتجارية، في مشهد عكس حجم الرهان الذي باتت تمثله الأحداث الرياضية الكبرى في الاستراتيجية الوطنية للتنمية السياحية.
كأس أمم إفريقيا أتت لتعزز المسار التصاعدي الذي يعيشه القطاع السياحي في طنجة، إذ كانت المدينة إحدى المفاجآت السارة للعديد من الزوار الأفارقة والعرب، الذين لم يكونوا يعرفون من المغرب سوى مراكش والرباط والدار البيضاء، الذين تفاجؤوا بمدينة جميلة، أنيقة، نظيفة، ومنظمة، بالإضافة إلى كونها تتمتّع بالعديد من المزارات التاريخية والمواقع الطبيعية والإطلالات البحرية المميّزة.
الأرقام الصادرة عن المرصد الوطني للسياحة تعكس بوضوح هذا التحوُّل، فقد سجلت مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة بعمالة طنجة – أصيلة نموًا لافتًا في عدد ليالي المبيت خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025، وهو مؤشر لا يمكن فصله عن الزخم الذي رافق تنظيم كأس أمم إفريقيا التي انطلقت بعد ذلك بأربعة أشهر، وهذا الارتفاع، الذي تجاوز 18% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، يعكس دينامية جديدة في الطلب السياحي، خاصة خلال فترة الصيف التي تزامنت مع ذروة المنافسات القارية.
وخلال شهر غشت، الذي شكّل قلب الموسم السياحي وتزامن مع أجواء البطولة، بلغت مؤشرات الأداء ذروتها، إذ اقترب معدل ملء الفنادق من مستويات شبه قصوى، ما يؤكد أن الحدث الرياضي أدَّى دورًا مباشرًا في استقطاب الزوار، سواء من الجماهير الإفريقية أو من السياح الذين وجدوا في البطولة فرصة لاكتشاف المدينة في أجواء احتفالية وآمنة.
لكن الأثر لم يقتصر على الفنادق وحدها، فقد استفادت مختلف حلقات السلسلة السياحية من هذا الزخم، بدءًا من المطاعم والمقاهي التي شهدت انتعاشا غير مسبوق، مرورًا بقطاع النقل والخِدْمات، ووصولًا إلى الطلبات على الشقق ودور الضيافة، الذي عرف طلبًا متزايدًا من طرف جماهير فضلت الإقامة خارج العرض الفندقي التقليدي، هذا التوسع في دائرة الاستفادة يؤكد أن الأحداث الرياضية الكبرى، حين تُحسن إدارتها، تتحوّل إلى محرك شامل للدورة الاقتصادية المحلية.
الأهم من ذلك أن كأس أمم إفريقيا أسهمت في إعادة تشكيل صورة طنجة في المخيال السياحي الإفريقي والدولي، فمشاهد الجماهير القادمة السنغال ومصر والجزائر والكونغو وتونس وغيرها، وهي تتجول في شوارع المدينة وتحضر المباريات في أجواء تنظيمية محكمة، نقلت رسالة قوية حول جاهزية طنجة لاستقبال التظاهرات الكبرى، ليس فقط من حيث البنية التحتية الرياضية، بل أيضًا من حيث العرض السياحي، والأمن، وجودة الخدمات.
ويرى مهنيون في القطاع السياحي، أن نجاح طنجة في هذا الرهان لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم استثماري وتنظيمي امتد لسنوات، شمل تطوير الملعب الكبير، وتحسين الولوجيات، وتعزيز الطاقة الإيوائية، إضافة إلى خبرة متزايدة في تدبير التدفقات السياحية خلال فترات الذروة. مما جعل المدينة قادرة على استيعاب الضغط الاستثنائي الذي تفرضه بطولة قارية بهذا الحجم دون تسجيل اختلالات كبرى.
غير أنَّ الأثر الأعمق لكأس أمم إفريقيا يتمثَّل في بعدها غير الملموس، أي ذلك الرصيد الرمزي الذي راكمته طنجة كمدينة قادرة على تحويل الحدث الرياضي إلى تجربة سياحية متكاملة، فبالنسبة لآلاف الزوار، لم تكن الرحلة إلى طنجة مرتبطة فقط بمشاهدة مباراة كرة قدم، بل شملت اكتشاف المدينة العتيقة، والكورنيش، والمطاعم، والثقافة المحلية، مما يُعزّز فرص العودة مستقبلًا خارج سياق التظاهرات الرياضيَّة.
هذا المسار التصاعدي في القطاع السياحي بعد الأحداث الرياضية الكبرى، عرفته مدينة طنجة سابقا عند احتضانها كأس العالم للأندية سنة 2021، فالعديد من السياح البرازيليين والأمريكيين والمصريين الذين حلوا بالمدينة من أجل تشجيع منتخباتهم، اكتشفوا فضاءً جديدًا غير مألوف يحمل بين دروبه وأزقته وشوارعه عديدًا من التجارب الجميلة التي كانت تتوارى خلف الصور النمطية المتراكمة عن المغرب ككل.
المـونــديـــال.. الرهـان الأكـبـــر
وإذا كانت كأس أمم إفريقيا 2025 قد مثّلت محطة تأكيد، فإنَّ كأس العالم 2030، يُشكّل الرهان الأكبر في مسار طنجة نحو التموقع كوجهة سياحية رياضية ذات بعد عالمي، فالمدينة، بحكم موقعها الجغرافي الفريد عند بوابة أوروبا، وبنيتها التحتية المتطورة، مرشحة لأن تكون من أبرز المستفيدين من هذا الحدث الكوني، ليس فقط خلال مُدّة المنافسات، بل على المدى المتوسط والبعيد.
التحضيرات الجارية لكأس العالم تُظهر أن الدولة تراهن على طنجة كقطب سياحي استراتيجي، وهو ما يترجمه تزايد الاستثمارات المهيكلة في القطاع، وفي هذا السياق، يندرج مشروع «المدينة المتوسطية» الذي جرى توقيع مذكرة تفاهم بشأنه مع مجموعة نايف الراجحي الاستثمارية السعودية، باعتباره نموذجًا للاستثمارات المرتبطة بشكل غير مباشر بالرهان الرياضي.
فهذا المشروع، الذي سيُعزّز العرض الترفيهي والثقافي للمدينة، لا ينفصل عن الرؤية التي تعتبر أنَّ السياحة الرياضية لا تقتصر على الملاعب والمباريات، بل تشمل منظومة متكاملة من الخِدْمات والتجارب القادرة على إطالة مدة إقامة الزائر ورفع مستوى إنفاقه، وبذلك، تتحوّل التظاهرة الرياضية إلى بوابة لاستثمارات طويلة الأمد تعيد تشكيل المشهد السياحي الحضري.
كما أنَّ تجربة كأس أمم إفريقيا أبرزت أهمية تنويع العرض السياحي لمواكبة الطلب المتزايد، فمعدل الملء الفندقي، رغم تحسُّن عدد ليالي المبيت، عرف تراجعًا طفيفًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، وهو ما يفسره مهنيون باتِّساع الطاقة الإيوائية ودخول وحدات جديدة إلى السوق، وهذا المعطى، في سياق مونديال 2030، يفرض التفكير في نماذج مبتكرة للإيواء، تجمع بين الجودة والمرونة، وتستجيب لأنماط مختلفة من الزوار.
وعلى المستوى الترويجي، يشكل كأس العالم فرصة غير مسبوقة لتسويق صورة طنجة على نطاق عالمي. فالمشاهد التي ستُنقل إلى مئات الملايين من المشاهدين عبر العالم لن تكون مقتصرة على الملاعب، بل ستشمل محيط المدينة، ومعالمها، وأجواءها، وهو ما يحولها إلى واجهة سياحية مفتوحة. وتجربة مدن عالمية احتضنت المونديال تؤكد أن الأثر الإعلامي غالبًا ما يفوق الأثر الاقتصادي المباشر.
غير أنَّ الرهان الحقيقي يكمن فيما بعد 2030، فنجاح طنجة لن يُقاس فقط بعدد الزوار خلال مُدّة كأس العالم، بل بقدرتها على تحويل هذا التدفق الاستثنائي إلى طلب سياحي مستدام، وهذا يتطلب، إلى جانب الاستثمارات، تطوير الحكامة السياحية، وتعزيز التكوين في المهن المرتبطة بالسياحة، والحفاظ على التوازن بين الجاذبية السياحية وجودة عيش الساكنة المحلية.
في هذا الإطار، تبدو تجربة كأس أمم إفريقيا بمنزلة مختبر عملي، أتاح اختبار جاهزية المدينة، ورصد نقاط القوة والضعف، وتطوير آليات التنسيق بين مختلف المتدخلين، وإذا ما استُثمرت خلاصات هذه التجربة بشكل عقلاني، فإن طنجة ستكون في موقع قوي لاستقبال مونديال 2030 ليس فقط مدينة مضيفة، بل نموذجًا مغربيًّا للسياحة الرياضية المتكاملة.
خلاصة القول، إنَّ تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى لم يعد رهانًا ظرفيًّا بالنسبة لطنجة، بل أصبح جزءًا من مسار استراتيجي يربط بين الرياضة، والسياحة، والتنمية الحضرية، ومن كأس أمم إفريقيا 2025 إلى كأس العالم 2030، تتكرَّس المدينة كفاعل محوري في هذا التحوُّل، بشرط أن يُواكب الزخم الرياضي برؤية سياحية طويلة النفس، قادرة على تحويل اللحظة الاستثنائية إلى مكسب دائم.
الجـيــران متــفائــلـــون
من جهة أخرى، وفي ظلّ الاستعدادات المتسارعة لاحتضان كأس العالم 2030، تبرز مدينة طنجة كأحد أكبر الرابحين المحتملين من هذا الحدث الكروي العالمي، ليس فقط على المستوى الرياضي، بل أيضا في مجال الاستثمار السياحي والفندقي، وهو أمر لم ينتبه له فقط المغاربة، بل أيضا الإسبان شركاء المغرب في التنظيم.
فحسب مقال نشره موقع Tourinews الإسباني، فإن المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يتوقع أن يستقطب أكثر من 1.5 مليون زائر خلال المونديال، مع حاجة إضافية تُقدّر بنحو 100 ألف غرفة فندقية، وهو ما يضع مدن الاستضافة، وعلى رأسها طنجة، أمام تحدٍ حقيقي وفرصة تاريخية في الآن نفسه.
طنجة، التي ستحتضن مباريات من كأس العالم 2030، بعد أن استضافت بكفاءة كأس الأمم الإفريقية 2025، تراهن على بنيتها التحتية المتطوّرة لتعزيز موقعها كوجهة سياحية واستثمارية من الطراز الأول، وحسب الصحفي الإسباني خوسي كارلوس بيروسبي سانشيز، يُعد ملعب ابن بطوطة، الذي يتسع لأكثر من 75 ألف متفرج، أحد أبرز رموز هذا التحوُّل، بعدما خضع لعملية تجديدٍ شاملةٍ ليتوافق مع معايير الاتِّحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، ما يجعله من بين أكثر الملاعب تطورًا في القارة الإفريقية.
غير أنَّ الرهان الأكبر يظلُّ في القطاع الفندقي، فوفق وثيقة «Bid Book» التي قدمها المغرب ضمن ملف ترشيحه للمونديال، لا تتجاوز الطاقة الإيوائية الحالية لمدينة طنجة نحو (13.825) غرفة فندقية، وهو رقم بعيد عن تلبية الطلب المرتقب خلال التظاهرات الكبرى المقبلة. هذا العجز يفتح المجال واسعًا أمام مشاريع فندقية جديدة، ويجعل من طنجة نقطة جذب رئيسية للمستثمرين الدوليين ومشغلي العلامات الفندقية الكبرى.
ويشير مقال «Tourinews» إلى أنَّ المدينة شهدت خلال العقد الأخير تحوّلًا عمرانيًّا وسياحيًّا لافتًا، مدفوعًا باستثمارات استراتيجية للدولة، وأقرَّ بأن بنيتها التحتية البحرية عرفت قفزةً نوعيةً، سواء من خلال الميناء المتوسّطي الذي تجاوز ميناء الجزيرة الخضراء، من حيث الأهمية اللوجستية، أو عبر الميناء الترفيهي «مارينا» والكورنيشات المطلّة على سواحلها، إلى جانب مناطق الترفيه والمطاعم والمساحات الخضراء التي غيَّرت ملامح الواجهة الساحلية للمدينة.
هذا الزخم، حسب المصدر نفسه، انعكس أيضًا على حضور سلاسل فندقيَّة دوليَّة مرموقة، من بينها هيلتون، فيرمونت، بارسيلو، موفنبيك، بيستانا، إيبيس، رمادا، ورويال توليب، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في مستقبل طنجة كوجهة سياحية منافسة لبعض المدن الإسبانية القريبة جغرافيا، وهو ما بدا كردّ على ما روَّجه مدرب منتخب مصر، حسام حسن، في سياق حرب الخبث الكروي في أثناء «الكان».
وتزداد جاذبية طنجة، وفق المقال بفضل موقعها الاستراتيجي وقوّة ربطها بالمحيط الإقليمي والدولي، سواء عبر الخطوط البحرية المنتظمة مع طريفة والجزيرة الخضراء بمعدل رحلة كل ساعة، أو عبر مطارها الدولي الذي يؤمّن رحلات مباشرة نحو كبريات المدن الإسبانية والأوروبية والعالمية، فضلًا عن القطار فائق السرعة الذي ربطها بالرباط والدار البيضاء، ويخلص مقال «Tourinews» أنَّ المنطقة الجديدة القريبة من محطة القطار فائق السرعة والمطلة على البحر مرشحة لأن تصبح قطبًا مُهمًّا للسياحة والأعمال، في ظل التخطيط العمراني الجديد للمدينة.
وبين ضغط المواعيد الرياضية الكبرى وحجم الطلب السياحي المرتقب، تبدو طنجة اليوم أمام منعطف حاسم، إما أن تنجح في تحويل مونديال 2030 إلى رافعة تنموية مستدامة، أو أن تفوّت فرصة نادرة لإعادة تموقعها كعاصمة سياحيّة واستثماريّة لشمال المغرب وحوض المتوسط، وهو أمر يتطلَّب الوقوف على نقاط القوة ونقاط الضعف خلال الأربع سنوات ونصف التي تفصلنا عن موعد الحدث العلمي، الذي ستجد المملكة فيه نفسها على خط المقارنة مع إسبانيا والبرتغال منذ الوهلة الأولى.


