تواصل معنا

إقتصاد

طنجة «بقرة حلوب» بمحركات معطلة.. هل عقمت «عروس الشمال» عن إنجاب نخب تقود التنمية؟

دائمًا‭ ‬ما‭ ‬تغنّى‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة‭ ‬كـ«بوابة‭ ‬لإفريقيا‮»‬‭ ‬و«قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬ثانٍ‮»‬‭ ‬للمملكة،‭ ‬وصُبت‭ ‬في‭ ‬شرايينها‭ ‬ملايير‭ ‬الدراهم‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬‮«‬طنجة‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬واجهات‭ ‬الزجاج‭ ‬والخرسانة‭ ‬في‭ ‬‮«‬مارينا‮»‬‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬حارق‭ ‬بات‭ ‬يتردّد‭ ‬بحدّة‭ ‬في‭ ‬الصالونات‭ ‬السياسية‭ ‬والمقاهي‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭: ‬لماذا‭ ‬تبدو‭ ‬طنجة‭ ‬اليوم‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬مسيّرة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬‮«‬مخيّرة»؟‭ ‬وهل‭ ‬فشلت‭ ‬هذه‭ ‬الحاضرة‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬نخب‭ ‬محلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬أجندتها‭ ‬التنموية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاستيراد‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬السلع،‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬القرارات»؟

المتتبع‭ ‬للشأن‭ ‬المحلي‭ ‬بطنجة‭ ‬يلمس‭ ‬بوضوح‭ ‬فجوة‭ ‬سحيقة‭ ‬بين‭ ‬حجم‭ ‬الرهانات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للدولة‭ ‬وهزالة‭ ‬الأداء‭ ‬‮«‬النخبوي‮»‬‭ ‬المحلي،‭ ‬فعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المؤسّسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬يسود‭ ‬انطباع‭ ‬عام‭ ‬بأننا‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬موظفين‭ ‬كبار‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬‮«‬قادة‭ ‬مشاريع‮»‬،‭ ‬نخب‭ ‬تكتفي‭ ‬بدور‭ ‬‮«‬الكومبارس‮»‬‭ ‬في‭ ‬تنزيل‭ ‬مشاريع‭ ‬المركز،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬الجرأة‭ ‬أو‭ ‬الرؤية‭ ‬لانتزاع‭ ‬مشاريع‭ ‬نوعية‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لعمق‭ ‬المدينة‭ ‬وهويتها،‭ ‬أو‭ ‬تعالج‭ ‬الاختلالات‭ ‬الصارخة‭ ‬التي‭ ‬خلَّفها‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬العشوائي‭.‬

إن‭ ‬‮«‬عقم‮»‬‭ ‬النخب‭ ‬الطنجاوية‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬ماركة‭ ‬مسجلة‮»‬‭ ‬للمدينة،‭ ‬جعلها‭ ‬تعيش‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬‮«‬التكنوقراط‮»‬‭ ‬والمركزية‭ ‬الإدارية،‭ ‬فبينما‭ ‬تنجح‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬‮«‬لوبياتها‮»‬‭ ‬للضغط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستشفيات‭ ‬جامعية‭ ‬أو‭ ‬مرافق‭ ‬ثقافية‭ ‬كبرى،‭ ‬تظلُّ‭ ‬نخب‭ ‬طنجة‭ ‬منشغلة‭ ‬بـ«حروب‭ ‬الردة‮»‬‭ ‬الانتخابوية،‭ ‬وتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الضيقة،‭ ‬وتوزيع‭ ‬‮«‬كعكة‮»‬‭ ‬التفويضات‭ ‬والامتيازات‭.‬

ويتذكر‭ ‬الطنجاويون‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬‮«‬النوستالجيا‮»‬‭ ‬أسماء‭ ‬وازنة‭ ‬كانت‭ ‬تُمثّل‭ ‬‮«‬ثقلًا‮»‬‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬في‭ ‬الرباط،‭ ‬رجالات‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬‮«‬كلمة‮»‬‭ ‬مسموعة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الترافع‭ ‬الشرس‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬المدينة،‭ ‬لكن‭ ‬اليوم‭ ‬جرى‭ ‬تعويض‭ ‬هؤلاء‭ ‬بـ«أعيان‮»‬‭ ‬أفرزتهم‭ ‬منظومة‭ ‬انتخابية‭ ‬هشّة،‭ ‬أغلبهم‭ ‬ارتقى‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬الجاه‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الشكارة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬النفوذ‭ ‬العقاري‭ ‬لا‭ ‬عبر‭ ‬الكفاءة‭ ‬التدبيرية‭ ‬أو‭ ‬الرؤية‭ ‬السياسية‭.‬

هؤلاء‭ ‬‮«‬الأعيان‭ ‬الجدد‮»‬‭ ‬تحوَّلوا‭ ‬‮«‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬عائق‭ ‬أمام‭ ‬التنمية‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬لأنّهم‭ ‬يخشون‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬الشفافية‭ ‬أو‭ ‬تنافس‭ ‬مصالحهم‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬النظافة‭ ‬والنقل‭ ‬والتعمير،‭ ‬والنتيجة‭ ‬مدينة‭ ‬تتحرك‭ ‬بسرعتين‭: ‬سرعة‭ ‬‮«‬التي‭ ‬جي‭ ‬في‮»‬‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬الدولة‭ ‬الكبرى،‭ ‬وسرعة‭ ‬‮«‬العربة‭ ‬المجرورة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الخِدْمات‭ ‬الجماعية‭ ‬والقرب‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطن‭.‬

الأزمة‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الميزانيات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬‮«‬العقل‭ ‬المدبر‮»‬‭ ‬المحلي،‭ ‬فمنذ‭ ‬سنوات‭ ‬والمدينة‭ ‬تفتقر‭ ‬لمناظرات‭ ‬حقيقية‭ ‬تجمع‭ ‬النخب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجامعية‭ ‬والسياسية‭ ‬لصياغة‭ ‬‮«‬نموذج‭ ‬طنجاوي‮»‬‭ ‬خالص،‭ ‬والساحة‭ ‬اليوم‭ ‬تبدو‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬المثقف‭ ‬العضوي،‭ ‬ومن‭ ‬الفاعل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مخزن‮»‬‭ ‬للبضائع،‭ ‬بل‭ ‬وطنًا‭ ‬يستحق‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬إنسانه‭ ‬قبل‭ ‬جدرانه‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬إفراز‭ ‬نخب‭ ‬‮«‬حقيقية‮»‬‭ ‬يعني‭ ‬بقاء‭ ‬طنجة‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬منصة‭ ‬لوجيستيكية‮»‬‭ ‬تخدم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬بينما‭ ‬يغرق‭ ‬سكانها‭ ‬في‭ ‬أحزمة‭ ‬البؤس،‭ ‬وتظلّ‭ ‬مؤسساتها‭ ‬المنتخبة‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬بوق‮»‬‭ ‬لتصريف‭ ‬القرارات‭ ‬الجاهزة‭ ‬التي‭ ‬تُطبخ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أزقتها‭ ‬العتيقة‭.‬

إن‭ ‬طنجة‭ ‬لم‭ ‬تفشل‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬نخب،‭ ‬بل‭ ‬تم‭ ‬‮«‬تجريف‮»‬‭ ‬تربتها‭ ‬السياسية‭ ‬لصالح‭ ‬الولاءات‭ ‬الضيقة‭ ‬والمصالح‭ ‬العائلية،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تستفق‭ ‬القوى‭ ‬الحية‭ ‬بالمدينة‭ ‬للمطالبة‭ ‬بـ«نخب‭ ‬كفاءة‮»‬‭ ‬تقطع‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬الوزيعة‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬طنجة‭ ‬ستظلّ‭ ‬‮«‬عملاقًا‭ ‬اقتصاديًّا‮»‬‭ ‬برأس‭ ‬‮«‬سياسي‮»‬‭ ‬قزم،‭ ‬لا‭ ‬يقوى‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬ترتيب‭ ‬حركة‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬شوارعها،‭ ‬فكم‭ ‬بالأحرى‭ ‬فرض‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى‭ ‬تليق‭ ‬بمقام‭ ‬‮«‬عروس‭ ‬الشمال‮»‬‭.‬

تابعنا على الفيسبوك