تواصل معنا

مقالات الرأي

طــنجــة والــنـقـد: عن مدينة تضيق بالسؤال كلما اتسعت

بقـلم‭: ‬نزار‭ ‬الهسكوري

ليس‭ ‬النقد‭ ‬نزوة‭ ‬أقلام‭ ‬ضجرة،‭ ‬ولا‭ ‬هُواية‭ ‬عابري‭ ‬رأي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ -‬في‭ ‬جوهره‭- ‬أحد‭ ‬أشكال‭ ‬التنفُّس‭ ‬الجماعي‭ ‬للمجتمع‭. ‬فكما‭ ‬تختنق‭ ‬المدن‭ ‬بلا‭ ‬منافذ‭ ‬هواء،‭ ‬تختنق‭ ‬الجماعات‭ ‬حين‭ ‬تُحاط‭ ‬بأسوار‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬المُعلّب،‭ ‬والرضا‭ ‬المسبق،‭ ‬والتصفيق‭ ‬الذي‭ ‬يسبق‭ ‬الفكرة‭ ‬ولا‭ ‬يلحقها‭.‬

وفي‭ ‬مدينة‭ ‬اعتادت‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬نوافذها‭ ‬على‭ ‬بحرين،‭ ‬وأن‭ ‬تُصغي‭ ‬للريح‭ ‬المقبلة‭ ‬من‭ ‬المضيق،‭ ‬يبدو‭ ‬غريبًا‭ ‬أن‭ ‬يضيق‭ ‬الصدر‭ ‬بسؤال،‭ ‬أو‭ ‬ينزعج‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬مشهدًا‭ ‬يتكرر‭ ‬بقدر‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬التأمل‭: ‬كلما‭ ‬اقترب‭ ‬النقد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬الفعل‭ ‬العمومي،‭ ‬لا‭ ‬بصفته‭ ‬خصمًا‭ ‬بل‭ ‬مرآة،‭ ‬لا‭ ‬شاهرًا‭ ‬سكينًا،‭ ‬بل‭ ‬كاشفًا‭ ‬التفاصيل،‭ ‬ارتفعت‭ ‬الحواجب،‭ ‬وتيبّست‭ ‬الابتسامات،‭ ‬وبدأت‭ ‬تتردّد‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التشويش‭ ‬وسوء‭ ‬النية‭ ‬والاستهداف،‭ ‬كان‭ ‬النقد‭ ‬دخيلًا‭ ‬لا‭ ‬حقًا‭ ‬مكتسبًا‭.‬

الغريب،‭ ‬والمضحك‭ ‬المبكي‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬أنَّ‭ ‬مفردات‭ ‬الشفافية‭ ‬والانفتاح‭ ‬تردَّد‭ ‬كثيرًا،‭ ‬كما‭ ‬تردد‭ ‬الأغاني‭ ‬القديمة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُعاش‭ ‬فعلًا‭. ‬وحين‭ ‬يقترب‭ ‬السؤال،‭ ‬تُطفأ‭ ‬الأنوار،‭ ‬وتغلق‭ ‬النوافذ،‭ ‬ويتهم‭ ‬السائل‭ ‬بأنَّه‭ ‬يعكر‭ ‬صفو‭ ‬الهدوء‭. ‬فيطلب‭ ‬من‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مسؤولين،‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬مطّاطة‭ ‬يراد‭ ‬بها‭ ‬غالبًا‭ ‬القبول‭ ‬الصامت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬الهادئ‭.‬

إنَّ‭ ‬رفض‭ ‬النقد‭ ‬لا‭ ‬يترجم‭ ‬قوّة،‭ ‬بل‭ ‬هشاشة‭. ‬فالبناء‭ ‬المتماسك‭ ‬لا‭ ‬يخشى‭ ‬الفحص،‭ ‬ولا‭ ‬يرتبك‭ ‬أمام‭ ‬ملاحظة،‭ ‬ولا‭ ‬يضطرب‭ ‬بسبب‭ ‬رأي‭ ‬منشور‭ ‬أو‭ ‬سؤال‭ ‬متداول‭. ‬وحدها‭ ‬البنى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تختبر‭ ‬نفسها‭ ‬تكره‭ ‬الضوء،‭ ‬وتُفضّل‭ ‬أن‭ ‬تُدار‭ ‬الأمور‭ ‬فيها‭ ‬بمنطق‭ ‬دعونا‭ ‬ننجز‭ ‬أوّلًا،‭ ‬ثم‭ ‬نفكر‭ ‬لاحقًا،‭ ‬وربَّما‭ ‬لا‭ ‬نفكر‭ ‬أبدًا‭.‬

والهزل‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬النقد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭. ‬إذ‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬التساؤل‭ ‬والتآمر،‭ ‬وبين‭ ‬التحليل‭ ‬والعداء،‭ ‬وبين‭ ‬الاختلاف‭ ‬والخصومة‭. ‬كيف‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بنّاءً،‭ ‬ثم‭ ‬يقابل‭ ‬بالصمت‭ ‬أو‭ ‬بالإنشاء‭ ‬الفارغ،‭ ‬أو‭ ‬بردود‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬نفسها‭ ‬ولا‭ ‬تمسّ‭ ‬جوهر‭ ‬السؤال‭.‬

والأدهى‭ ‬أنَّ‭ ‬بعضَ‭ ‬الأجوبة،‭ ‬إن‭ ‬وجدت،‭ ‬تُصاغ‭ ‬بلغة‭ ‬جامدة،‭ ‬مفرطة‭ ‬في‭ ‬الرسمية،‭ ‬كأنَّها‭ ‬مقتطعة‭ ‬من‭ ‬وثيقة‭ ‬داخلية‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حوارٍ‭ ‬عُموميٍّ‭. ‬أجوبة‭ ‬تكثر‭ ‬فيها‭ ‬الكلمات‭ ‬وتغيب‭ ‬فيها‭ ‬المعاني،‭ ‬فتشبه‭ ‬مظلّة‭ ‬مثقوبة‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬رياح‭ ‬الشمال‭.‬

إنَّ‭ ‬النقد،‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬مسؤولًا‭ ‬ومؤسسًا‭ ‬على‭ ‬وقائع،‭ ‬لا‭ ‬يهدم،‭ ‬بل‭ ‬يصلح‭. ‬لا‭ ‬يفرغ‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬هيبتها،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬ربطها‭ ‬بالمجتمع‭. ‬وهو،‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أشكاله‭ ‬الأساسية،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬الفاعلون‭ ‬المدنيون‭ ‬والمهنيون‭ ‬والإعلاميون‭ ‬حين‭ ‬يحاولون‭ ‬الفهم‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭.‬

ليس‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬يحب‭ ‬أحد‭ ‬النقد،‭ ‬فالحبُّ‭ ‬مسالة‭ ‬ذوقٍ،‭ ‬لكن‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬يحترم،‭ ‬وأن‭ ‬يفهم‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬العقد‭ ‬غير‭ ‬المكتوب‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭. ‬فحين‭ ‬يقصى‭ ‬النقد،‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬المجال‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءًا،‭ ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬فراغًا،‭ ‬والفراغ،‭ ‬كما‭ ‬نعلم،‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬فارغًا‭ ‬طويلًا‭.‬

ربَّما‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لنسأل،‭ ‬لا‭ ‬بسخرية،‭ ‬بل‭ ‬بجِدٍ‭ ‬هادئ‭ ‬يليق‭ ‬بمدينة‭ ‬عرفت‭ ‬دائمًا‭ ‬كيف‭ ‬تختلف‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنغلق‭: ‬هل‭ ‬نريد‭ ‬فضاء‭ ‬عامًا‭ ‬بلا‭ ‬أسئلة،‭ ‬أم‭ ‬أسئلة‭ ‬بلا‭ ‬خوف؟‭ ‬وهل‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬للصورة،‭ ‬أم‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬للمعنى؟

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يقلق‭ ‬البنية‭ ‬السليمة‭ ‬سوى‭ ‬تقصيرها،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬يزعج‭ ‬النقد‭ ‬الجاد‭ ‬سوى‭ ‬غياب‭ ‬الأجوبة‭. ‬وما‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬يبقى‭ ‬النقد،‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬أشكاله،‭ ‬آخر‭ ‬أشكال‭ ‬الوفاء‭ ‬لفكرة‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭.‬

تابعنا على الفيسبوك