مجتمع
التشرد والهشاشة والإدمان.. هـل تـفـضـح شـوارع طـنـجـة حـصيـلة بـرلمانـييـــها؟
بين أسئلة برلمانية حول الإدمان والسكن والهشاشة، وواقع اجتماعي لا يزال ظاهرًا في شوارع المدينة وأحيائها، فهل يكفي أن تصل مشكلات طنجة إلى البرلمان، أم أنَّ الناخب ينتظر أثرًا يتجاوز السؤال والجواب؟ في طنجة التي تعيش هذه الأيام على إيقاع الحملة الانتخابية، تتزاحم صور المرشحين وشعارات الأحزاب مع مشاهد أخرى لا تدخل عادة في البروشورات الانتخابية: أشخاص في وضعية تشرد، متسولون، مدمنون، أسر تعيش الهشاشة، وأحياء لا تزال تنتظر حلولًا لمشكلات السكن والخدمات والاندماج الاجتماعي.
المفارقة أنَّ هذه الملفات ليست مجهولة داخل البرلمان؛ فالإدمان وصل إلى المؤسسة التشريعية، ومركز علاج الإدمان في طنجة كان موضوع سؤال حول نفاد مخزون الميثادون، فيما طرحت النائبة مليكة لحيان سنة 2024 سؤالًا حول بناء مركز لعلاج الإدمان في أصيلة. لكن هنا يبدأ السؤال الأكثر إزعاجًا في موسم انتخابي جديد: ماذا بعد السؤال البرلماني؟
فالمواطن الذي يرى مدمنين في الشارع لا يبحث عن رقم السؤال داخل أرشيف البرلمان، والأسرة التي ترسل أحد أفرادها إلى طنجة للعلاج لا يكفيها أن تعرف أن نائبًا طالب ببناء مركز في أصيلة، ومَن يعيش الهشاشة لا يعنيه كثيرًا أن ملفه دخل جدول أعمال مؤسسة تشريعية إذا بقيت حياته اليومية على حالها. لذلك، فإن التشرد والإدمان والهشاشة لا تكشف بالضرورة فشل البرلمانيين، لكنَّها تضع الحصيلة السياسية أمام امتحان أكثر قسوة: امتحان الأثر.
طنجة.. مدينة تنمو والهشاشة لا تختفي
طنجة تغيَّرت بسرعة خلال العقدين الأخيرين؛ توسع عمراني، واستثمارات، ومناطق صناعية، سياحة، ومشاريع كبرى، ونمو سكاني جعل المدينة واحدة من أهم المراكز الحضرية بالمغرب.
لكنَّ النمو الاقتصادي والعمراني لا يمحو تلقائيًّا الهشاشة الاجتماعية؛ بل إن المدن التي تعرف جذبًا سكانيًّا واقتصاديًّا سريعًا تواجه في العادة تحديات مرتبطة بالسكن، والاندماج، والبطالة، والصحة النفسية، والإدمان، والتشرد. ولهذا فإنَّ صورة طنجة السياحية لا تلغي صورة طنجة الاجتماعية؛ فالمدينة التي تظهر في واجهاتها الكبرى ومناطقها السياحية الحديثة، توجد فيها أيضًا جيوب من الفقر والإقصاء، وأشخاص يعيشون خارج منظومة السكن والعمل والعلاج.
وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعًا: هل واكبت السياسات العمومية هذا التحول الحضري بالسرعة نفسها؟ والأهم: هل كان ممثلو طنجة في البرلمان يضغطون بالقدر الكافي من أجل هذه الملفات؟
الإدمان.. من الشارع إلى قاعة البرلمان
الإدمان ربما يكون أكثر الملفات حساسية؛ لأنّه لا يتعلق فقط بالأمن أو بالمظهر العام للمدينة، بل إنّه ملف صحي واجتماعي. والمتعاطي يحتاج إلى علاج ومواكبة، والأسرة تحتاج إلى دعم، والمجتمع يحتاج إلى سياسة وقائية وإعادة إدماج، وليس فقط إلى تدخلات أمنية أو حملات ظرفية.
السجل الرسمي لمجلس النواب يكشف عن أنّ ملف الإدمان طرح فعلًا من داخل المؤسسة التشريعية؛ فالسؤال رقم 3967، الذي تقدّم به الحسين بن الطيب عن دائرة طنجة-أصيلة، تناول ظاهرة الإدمان والنقص في مراكز العلاج، وتطرق أيضًا إلى صعوبات مرتبطة بالحصول على دواء الميثادون. وفي ملف آخر، طرحت النائبة مليكة لحيان سنة 2024 موضوع بناء مركز لعلاج الإدمان في أصيلة، مشيرة إلى غياب مركز متخصص بالمدينة، وما يترتب عن التنقل إلى طنجة من أعباء على الأسر.
إذن، المشكلة وصلت إلى البرلمان، لكنها لم تتوقّف عند ذلك. ففي 2026، ظهر ملف الميثادون مجددًا من خلال سؤال كتابي بشأن نفاد مخزونه بمركز طب الإدمان في طنجة، بعدما أشار السؤال إلى قرار تقليص الجرعات بسبب تراجع المخزون وتأخر الشحنات. وهنا تكمن المفارقة: ملف الإدمان الذي دخل البرلمان لم يختفِ من الشارع.
السؤال البرلماني ليس حلًا
هذه النقطة هي التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش الانتخابي. فالنائب ليس وزير الصحة، وليس مدير مركز علاج، ولا يملك وحده ميزانية بناء المؤسسات الصحية؛ لذلك سيكون من غير الدقيق تحميل البرلماني وحده مسؤولية استمرار الإدمان أو نقص مراكز العلاج.
لكن النائب يملك أدوات سياسية مهمة: الرقابة على الحكومة، الأسئلة، الترافع، اقتراح القوانين، ومتابعة السياسات العمومية. ومن هنا، فإنَّ السؤال الحقيقي ليس فقط: هل طرح النائب الملف؟ بل: هل تابع الملف؟ هل طلب توضيحات جديدة؟ هل عاد إلى الموضوع بعد جواب الحكومة؟ هل ناقش الاعتمادات والبرامج؟ هل ضغط من أجل آجال واضحة؟ وهل استطاع نقل القضية من خانة «المشكلة المحلية» إلى خانة «الأولوية العمومية»؟
الفرق كبير بين أن تضع مشكلة في محضر برلماني، وأن تجعلها موضوعًا لترافع سياسي متواصل.
أصيلة.. السؤال الذي لم يعد جديدًا
في أصيلة، تبدو المسألة أكثر وضوحًا؛ فسؤال بناء مركز لعلاج الإدمان طرح رسميًّا سنة 2024، والسؤال نفسه يعكس مشكلة مرتبطة بالولوج إلى العلاج؛ لأنَّ المريض والأسرة يضطران إلى التنقل إلى طنجة، في ظل حاجة العلاج إلى المتابعة والاستمرارية.
مرّ أكثر من عامين على السؤال، وهنا يمكن للناخب أن يطرح سؤالًا بسيطًا ومشروعًا: أين وصل الملف؟ ليس السؤال اتهامًا للنائب أو للحكومة، إنه سؤال متابعة: إذا كان المشروع قد تقدّم، فمتى؟ وإذا تعثر، فلماذا؟ وإذا لم يعد مطروحًا، فما السبب؟
السياسة العمومية لا تنتهي عند لحظة السؤال، والبرلمان لا ينبغي أن يتحوّل إلى مكان لتسجيل الشكاوى فقط؛ فقيمة الترافع تظهر عندما يستطيع المنتخب أن يتابع المسار من السؤال إلى القرار، ومن القرار إلى التنفيذ.
الميثادون.. حين يصبح الدواء نفسه عنوانًا للأزمة
في طنجة، يكتسب الملف بعدًا أكثر حساسية؛ فالسؤال البرلماني رقم 20741 تناول نفاد مخزون الميثادون بمركز طب الإدمان، وربط ذلك بتقليص الجرعات اليومية للمرضى بسبب تراجع المخزون وتأخر الشحنات، وطالب وزارة الصحة باتّخاذ التدابير اللازمة لتوفير الدواء.
هذا النوع من الملفات يوضح لماذا لا يمكن اختزال مكافحة الإدمان في الحملات الأمنية أو في الحديث عن «تنظيف الشوارع». عندما يكون شخص في مسار علاجي، يصبح الدواء جزءًا من استمرارية العلاج، وعندما يتعطل هذا المسار، فإن المشكلة تصبح صحية قبل أن تكون أمنية أو انتخابية.
وهنا أيضًا تظهر مسؤولية الحكومة والقطاع الصحي مباشرةً، لكن تظهر في المقابل وظيفة البرلمان في الرقابة والتتبع: فهل انتهى الأمر عند طرح السؤال؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح على أصحاب الحصيلة البرلمانية.
التشرد.. هل نعالج الإنسان أم المشهد؟
التشرّد ملف آخر لا يمكن اختزاله في وجود شخص في الشارع. فالشخص الذي يبيت في الشارع قد يكون بلا مأوى، أو عاطلًا عن العمل، أو يعاني اضطرابًا صحيًّا أو نفسيًّا، أو يعيش تبعات الإدمان، أو فقد شبكة أسرية واجتماعية قادرة على دعمه.
لهذا فإن معالجة التشرد لا يمكن أن تكون مجرد نقل الأشخاص من فضاء إلى آخر. الحل المستدام يحتاج إلى الإيواء عند الحاجة، والرعاية الصحية، والمواكبة الاجتماعية، وإعادة الإدماج، وربط الحالات القابلة لذلك ببرامج التكوين والعمل، وهذه مسؤولية متعددة الأطراف.
لكن استمرار الظاهرة يضع سؤالًا آخر أمام المنتخبين: هل تحوَّلت الهشاشة الاجتماعية إلى أولوية سياسية دائمة، أم لا تظهر إلا عندما تصبح مشكلة بصرية في الشارع؟
الهشاشة لا تظهر فقط في وسط المدينة
هناك وجه آخر للهشاشة أقل ظهورًا أمام الكاميرات: إنه الهشاشة الموجودة في الأحياء الطرفية والمجالات القروية. وطريق متدهور قد يعني أن تلميذًا يواجه صعوبة في الوصول إلى المدرسة، ومسلك غير مهيأ قد يعني أن مريضًا يواجه صعوبة في الوصول إلى المستشفى، وسكن غير لائق يعني أن الأسرة تعيش خارج الحد الأدنى من شروط الاستقرار.
وفي أرشيف مجلس النواب، توجد بالفعل أسئلة مرتبطة بمشكلات المسالك والولوج إلى الدواوير، إلى جانب ملفات السكن في أصيلة. لكن مرة أخرى، السؤال ليس: هل طرح البرلمانيون المشكلات؟ فالوثائق تثبت أن بعضها طُرح، بل السؤال هو: ماذا حدث بعدها؟
طنجة-أصيلة أمام انتخابات جديدة
تأتي هذه الأسئلة في لحظة انتخابية حساسة؛ فدائرة طنجة-أصيلة تضم 412,447 ناخبًا مسجلًا، فيما تتنافس 22 لائحة على خمسة مقاعد في اقتراع 23 شتنبر 2026. أي أن عشرات الآلاف من الناخبين الذين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع يعيشون في فضاء حضري وقروي شديد التنوع.
وبالنسبة إليهم، فإن الانتخابات ليست فقط معركة حول أسماء الأحزاب، بل إنها فرصة لمراجعة العلاقة بين النائب والدائرة التي يمثلها: هل يعرف النائب الملفات التي تؤرق السكان؟ هل نقلها إلى البرلمان؟ هل تابعها؟ هل عاد إلى المنطقة ليشرح ما تحقق وما تعذر؟ وهل يستطيع تقديم حصيلة قابلة للقياس؟ هذه الأسئلة أهم من عدد الصور الانتخابية أو حجم التجمعات.
الحصيلة لا تُقاس بعدد المرات التي ظهر فيها النائب
في الحملات الانتخابية، يميل النقاش إلى التركيز على الحضور: من حضر؟ من نظم تجمعًا أكبر؟ من جلب قيادة حزبه؟ من ظهر أكثر في وسائل الإعلام؟
لكن الحصيلة البرلمانية شيء آخر، فهي تبدأ من الوثيقة: كم سؤالًا؟ كم مقترحًا؟ حول أي ملفات؟ ما أجوبة الحكومة؟ ما الذي تمت متابعته؟ وما الذي بقي عالقًا؟
في ملف الإدمان مثلًا، توجد وثائق برلمانية واضحة حول أصيلة والميثادون ومراكز العلاج. وهذه الوثائق تمنح الناخب فرصة نادرة: أن يحاكم الخطاب الانتخابي بالحقيقة الموثقة، لا بالانطباع.
من المسؤول عن استمرار المشكلة؟
من الخطأ وضع كل شيء فوق طاولة البرلمان؛ فالحكومة مسؤولة عن تنفيذ السياسات الصحية والاجتماعية، ووزارة الصحة مسؤولة عن جزء أساسي من منظومة العلاج، والجماعات الترابية تتحمل اختصاصات محلية محددة، والسلطات الترابية لها أدوارها المباشرة، والمجتمع المدني يقوم في بعض الحالات بدور المواكبة وتقليص المخاطر.
أما البرلماني فدوره الأساسي تشريعي ورقابي وترافعي. لكن تعدد المسؤوليات لا يعني غياب المسؤولية السياسية، بل العكس؛ إنّه يجعل المساءلة أكثر دقّة. كل مؤسسة ينبغي أن تُسأل عن الجزء الذي يدخل ضمن اختصاصها، والبرلماني تحديدًا ينبغي أن يُسأل عن كيفية استخدامه للأدوات التي يمنحها له الدستور والنظام البرلماني لمراقبة الحكومة والدفاع عن قضايا دائرته.
السؤال الذي ينبغي أن يسبق التصويت
ربما لا يحتاج الناخب الطنجي إلى عشرات الأسئلة كي يقيس الحصيلة؛ يكفيه أن يأخذ ثلاثة ملفات (الإدمان، الهشاشة، والسكن والتشرد) ثم يسأل: ماذا قلت في البرلمان؟ ماذا طلبت من الحكومة؟ ماذا كان الرد؟ ماذا تابعت؟ وماذا تغير؟
إذا استطاع المرشح أن يقدم إجابات موثقة، فإنّ ذلك يمنح النقاش الانتخابي معنى مختلفًا. وإذا لم يستطع، فالمشكلة ليست في غياب الشعارات، وإنّما في غياب الحصيلة القابلة للقياس.
الخاتمة: 23 شتنبر.. موعد الحساب لا موعد الوعود
في 23 شتنبر، لن يصوت سكان طنجة-أصيلة على صور المرشحين وحدها، سيصوتون أيضًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تجربتهم مع التمثيل السياسي. لن يكون السؤال فقط من تحدث جيدًا في الحملة، ومن نظم أكبر تجمع، ومن ملأ الشوارع بالملصقات. السؤال الأكثر صعوبة سيكون: من يستطيع أن يشرح ماذا فعل عندما كان يمتلك بالفعل مقعدًا وأداة برلمانية وصوتًا داخل المؤسسة التشريعية؟
التشرد لن يختفي بمجرد انتهاء الحملة، والإدمان لن يتراجع بمجرد إطلاق الوعود، والهشاشة لن تنتهي بخطاب انتخابي؛ بل ستبقى هذه الملفات في اليوم التالي للاقتراع، سواء تغيرت الوجوه أم بقي بعضها.
وهنا بالضبط تكمن قيمة الانتخابات: فالمواطن لا يملك في النهاية سوى صوته، بينما يمتلك البرلماني بعد الفوز خمس سنوات من الأدوات السياسية والرقابية والتشريعية. ولهذا ينبغي أن ينتقل النقاش من «ماذا ستفعلون؟» إلى «ماذا فعلتم؟»، ومن الوعود إلى الوثائق، ومن الظهور الانتخابي إلى الحصيلة، ومَن السؤال عن عدد التجمعات إلى السؤال عن عدد الملفات التي تحوّلت إلى نتائج.
في طنجة، قد يكون الشارع هو المكان الأكثر صدقًا لاختبار الخطاب السياسي؛ ليس لأنّ كل متشرد أو مدمن يمثل فشلًا لبرلماني بعينه، وإنّما لأن استمرار هذه الظواهر يكشف حجم المسافة التي لا تزال قائمة بين السياسة اليومية وحياة الفئات الأكثر هشاشة.
والانتخابات، في النهاية، ليست امتحانًا للمرشحين فقط، إنها أيضًا فرصة للناخب كي يفتح دفتر الحصيلة: من طرح السؤال؟ مَن تابع الجواب؟ مَن حقق أثرًا؟ ومَن يعود اليوم ليطلب صوتًا جديدًا من دون أن يقدم جوابًا واضحًا عن الصوت القديم؟
في 23 شتنبر، ستُفتح صناديق الاقتراع، لكن بالنسبة إلى سكان طنجة وأصيلة، قد يكون السؤال الحقيقي قد بدأ قبل ذلك بكثير: هل يصوتون على وعود جديدة، أم يحاسبون حصائل قديمة؟


