مقالات الرأي
الأبارتايد العقاري.. كيف يغتال المال ذاكرة طـنـجــة القــديمة!
بقـلم: نزار الهسكوري
من يتجول اليوم بين أسوار القصبة العتيدة أو يظلّ في دروب حومة بني ايدر وزنقة الصياغين سيخاله للوهلة الأولى أنّه قد ولج فصلًا باذخًا من فصول «سان تروپييه» أو «إيبيزا» بلمسات شرقية متقنة؛ جدران رُممت بعناية فائقة وأبواب عتيقة صُبغت بـ«الأزرق الطنجي» الساحر لتتلاءم مع عدسات «الإنستغرام» وشراهة «المؤثرين» الباحثين عن كادرات بصرية جاهزة لكن خلف هذه البهجة البصرية المصطنعة والترميمات الباردة يكمن لـــغزٌ مـــحـــــــزنٌ وتســـــاؤل وجـــــــــــودي يطرحه صمت المكان المريب: أيــــــن غابـــــــــــت ضحكات الأطفال في الجردة؟ وأين توارت جلســــــات النســـوة في الرحبة وهن يتبادلن أحــــــــــاديث الصبــــــــــــــاح؟ لقد صمتت البيوت وتحولت إلى «رياضات» موصدة خلف أسوارها السميكة، لا تفتح أبوابها الثقيلة إلا لمن يحمل «العملة الصعبة» وجواز سفر أجنبي، بينما ابن المدينة الحقيقي الذي كانت هذه الدروب مملكته الفطرية بات يلتقط رمادَ ذكرياته الهاربة على أرصفة المدينة الجديدة المزدحمة.
فالطنجاوي لم يطرد من بيته بقوة السلاح أو بقرارات رسميّة بل طرد بسلطة «الأورو» الناعمة وسطوة المال التي لا تعترف بالعاطفة ولا بقدسية الانتماء، لقد أدَّى تدفق الاستثمارات الأجنبية المحموم لشراء البيوت القديمة المتهالكة وتحويلها إلى تحف معمارية للنخبة إلى رفع اسعار المتر المربع إلى أرقام فلكية لا تستوعبها مخيلة الموظف الكادح أو الحرفي الصبور فوجد الطنجاوي نفسه محاصرًا أمام إغراء مادي «مسموم» وضغوط عيش لا ترحم؛ يبيع إرث الأجداد وذاكرة الجدران التي تشبعت بعرق السنين، بمبلغ يبدو له ثروة في لحظة عوز ليجد نفسه لاحقا «منفيًّا» بقرار ذاتي في غابات الإسمنت القاحلة في مسنانة أو العوامة أو خلف تلال جيراري الكئيبة، حيث النوافذ تطل على نوافذ أخرى والإسمنت يبتلع الأفق فاقدًا جذورَه التاريخية ولرائحة البحر، التي كان يستنشقها من شرفة منزله العتيق دون وسيط أو ضريبة.
إنَّ هذا التحوُّل الاجتماعي الخطير لا يتوقف عند حدود البيع والشراء بل يتعداه إلى عملية «تحنيط» شاملة لذاكرة طنجة الحية وتحويلها إلى «متحف بشري» أو «ديزني لاند» باردة الروح مخصصة للسياح العابرين فقد أصبحت أماكن برمزية مثل دار البارود وباب البحر مجرد سلع سياحية تعرض في مزاد العولمة يمر السائح عبرها ليلتقط صورًا مع «صانع تقليدي» وضع هناك بعناية فائقة كقطعة ديكور صامتة بينما تم تفريغ الحي من عفوية نسيجه الاجتماعي ومن صخب الأسواق الصغيرة ومن تلك الروح الجماعية، التي كانت تجعل من «الحومة» أسرة واحدة كبيرة هنا يطرح سؤال أخلاقي مرير: هل نريد حقًّا تحويل مدينتنا إلى «صالة عرض» يعيش فيها «المسيو» و«السنيور» برغد واسترخاء خلف جدراننا التاريخية؛ بينما يتحوَّل صاحب الأرض الأصلي إلى مجرد «خادم» أو «كومبارس» في مســــرحية سيـــــــــــــاحية كبـــرى لا يــــملك مــــــــن أربـــــــــاحها إلا التــــــعــــب والفــــتــــــــات؟
ولا تــتوقف المفــــارقة عنــــد حــــدود المدينة القديمة، بـــــل تمـتد لتكشف عـــــن وجــــــه أكــــــــثـــــــــر قســـــوة في الأحياء العصرية، مثــــــــــل مالابــــــــاطــــــا والنــــجـــمــة، حيـــــث تصــــطف الأبـــــــــراج الشاهقة والمنشآت العقارية الضخمة، التي تظلّ نوافذها مظلمة وموحشة طوال العام شاهدة على حالة فصام حاد بين عمران المدينة واحتياجات سكانها، فهذه البنايات ليست -في حقيقتها- سكنًا للمواطنين، بل هي «خزائن إسمنتية» للسيولة المالية والمدخرات المشبوهة بينما يعجز الشباب الطنجاوي -وقوده التنمية ومنتج الثروة- عن تأمين شقة صغيرة بأسعار معقولة تبدأ معها حياته ليجد المتر المربع في تلك «الأشباح الشاهقة» يبيع بأضعاف ما يربحه شاب متعلم أو عامل في المنطقة الصناعية بعد دخله سنوات.
إن المدن التي تبيع قلبها التاريخي وتُضحّي بكرامة سكن مواطنيها من أجل بريق «الواجهة السياحية» وسوق العقار الجشع تفقد بوصلتها الإنسانية، وتتحول إلى كيانات بلا هوية وطنجة «العالية» بدأت تخسر اليوم «علوها» المعنوي لصالح رواج زائف ينتفع منه السماسرة ولوبيات المال على حساب حق المواطن في البقاء وسط تاريخه نحن لا نرفض الاستثمار الذي يحيي الموات، بل نرفض هذا «الأبارتايد» العقاري غير المعلن الذي يحول الطنجاوي إلى «غريب» في جغرافيا طفولته، ويجعل من القصبة مستوطنة للأثرياء تغلق أبوابها في وجه «أولاد الحومة».
إذا استمر هذا الزحف، دون رؤية استراتيجية تحمي الإنسان قبل الحجر سيأتي يوم ليس ببعيد يطلب فيه من الطنجاوي دفع «تذكرة عبور» ليشاهد الزقاق الذي ولد فيه والده أو ليلقي نظرة على بحر كان يملكه بالوراثة، وأصبح اليوم ملكًا لشركات العقار وأصحاب «الرياضات» الفاخرة. طنجة لم تبنِ يومًا لتكون بطاقة بريدية صامتة بل بنيت بروح أهلها بوعيهم وبذاكرتهم التي لا تقدر بثمن وإذا فرطنا في هذا النسيج الإنساني لصالح بريق الذهب فسنستفيق يومًا لنكتشف أننا نملك مدينة من حجارة لكننا فقدنا طنجة إلى الأبد.


