تواصل معنا

آخر الأخبار

اختفاء الأطفال بمدن الشمال.. حين تصبح قصص الاختطاف الخـيالية وسيـلة للتـغـاضي عن مسـؤولـيـة الأســـرة

قاصرون‭ ‬توجهوا‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬ذويهم‭.. ‬و«الواتساب‮»‬‭ ‬صنع‭ ‬حكايات‭ ‬مُلفقة‭ ‬تطلبت‭ ‬تدخل‭ ‬السلطات

تحوَّلت‭ ‬قضية‭ ‬اختفاء‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬المغربية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬شمال‭ ‬المملكة،‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بعدما‭ ‬رافقها‭ ‬سيل‭ ‬من‭ ‬الشائعات‭ ‬والقصص‭ ‬الخيالية،‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬سيناريوهات‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬عصابات‭ ‬لاستهداف‭ ‬القاصرين‭ ‬أو‭ ‬سيدات‭ ‬يتجولنّ‭ ‬وسط‭ ‬الشوارع‭ ‬لاقتناص‭ ‬الضحايا‭ ‬الصغار‭.‬

هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬التحرُّك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬محاصرتها،‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أصبحت‭ ‬وسيلةً‭ ‬فعّالةً‭ ‬لتوجيه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬المشروعة‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬الحوادث‭ ‬المفبركة‭ ‬المثيرة،‭ ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الاختفاء‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬أصلًا‭ ‬بمسؤولية‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬أبنائها،‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬أساطير‭ ‬تحاول‭ ‬تبرير‭ ‬النهاية‭ ‬المأساوية‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭.‬

*سندس‭.. ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬المؤلمة

هواجس‭ ‬اختفاء‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب،‭ ‬التي‭ ‬تمضي‭ ‬بأذهان‭ ‬الكثيرين‭ ‬لرسم‭ ‬سيناريوهات‭ ‬سوداوية‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الاختطاف،‭ ‬وتصل‭ ‬حدّ‭ ‬التخوّف‭ ‬من‭ ‬مصير‭ ‬قاتم‭ ‬ينتظرهم‭ ‬جرّاء‭ ‬وقوعهم‭ ‬المفترض‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬من‭ ‬يوصفون‭ ‬بـ«صائدي‭ ‬الكنوز‮»‬‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الأطفال‭ ‬الزهريين‮»‬،‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬قصة‭ ‬الطفلة‭ ‬سندس‭ ‬في‭ ‬شفشاون،‭ ‬التي‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ ‬لغزٍ‭ ‬كبيرٍ،‭ ‬منذ‭ ‬اختفائها‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُعثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مصبٍ‭ ‬مائيٍّ‭ ‬جثةً‭ ‬هامدةً،‭ ‬يوم‭ ‬11‭ ‬مارس‭ ‬2026‭.‬

ففي‭ ‬مساء‭ ‬هادئ‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬طبيعي‭ ‬بحي‭ ‬كرينسيف‭ ‬بمدينة‭ ‬شفشاون،‭ ‬تحوَّلت‭ ‬لحظات‭ ‬عادية‭ ‬داخل‭ ‬أسرة‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬لغز‭ ‬مؤلم‭ ‬شغل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬المحلي،‭ ‬بعد‭ ‬اختفاء‭ ‬الطفلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬‮«‬سندس‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمرها‭ ‬سنتين،‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة،‭ ‬في‭ ‬غفلة‭ ‬من‭ ‬أعين‭ ‬أفراد‭ ‬أسرتها‭.‬

واختفت‭ ‬الطفلة‭ ‬عن‭ ‬الأنظار،‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬العصر،‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬بمحيط‭ ‬منزل‭ ‬أسرتها‭ ‬بالحي‭ ‬المذكور،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكتشف‭ ‬العائلة‭ ‬فجأة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موجودةً،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوّل‭ ‬القلق‭ ‬الأولي‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬استنفار،‭ ‬بعدما‭ ‬شرع‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬والجيران‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬تمشيط‭ ‬عاجلة‭ ‬للأزقة‭ ‬القريبة‭ ‬والأماكن‭ ‬المجاورة،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬الحي‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬لم‭ ‬تسفر‭ ‬عن‭ ‬أيّ‭ ‬أثر‭ ‬للطفلة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬التدخُّل‭ ‬بسرعة،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬المكان‭ ‬فرق‭ ‬الوقاية‭ ‬المدنية‭ ‬التي‭ ‬باشرت‭ ‬عمليات‭ ‬تمشيط‭ ‬واسعة‭ ‬شملت‭ ‬محيط‭ ‬الحي‭ ‬وجنبات‭ ‬الوادي‭ ‬القريب،‭ ‬كما‭ ‬انخرط‭ ‬متطوّعون‭ ‬من‭ ‬الهلال‭ ‬الأحمر‭ ‬في‭ ‬جولات‭ ‬بحث‭ ‬متواصلة،‭ ‬ذهابًا‭ ‬وإيابًا،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتعقُّب‭ ‬أي‭ ‬خيط‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬الطفلة‭.‬

ومع‭ ‬اتِّساع‭ ‬دائرة‭ ‬القلق،‭ ‬انضمَّت‭ ‬إلى‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬عناصر‭ ‬الدرك‭ ‬الملكي‭ ‬مدعومة‭ ‬بكلاب‭ ‬مدرّبة‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬تعقب‭ ‬الآثار‭ ‬البشرية،‭ ‬بينما‭ ‬تحوَّل‭ ‬الحي‭ ‬الصغير‭ ‬إلى‭ ‬ورشة‭ ‬بحث‭ ‬مفتوحة،‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬المتطوّعين‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬الذين‭ ‬عبروا‭ ‬عن‭ ‬تضامنهم‭ ‬مع‭ ‬الأسرة‭ ‬المنكوبة‭.‬

وخلال‭ ‬الأيام‭ ‬التالية،‭ ‬تصاعدت‭ ‬وتيرة‭ ‬البحث‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬إذ‭ ‬جرى‭ ‬تسخير‭ ‬إمكانيات‭ ‬ميدانية‭ ‬وتقنية‭ ‬مهمّة،‭ ‬بمشاركة‭ ‬مختلف‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والدرك‭ ‬الملكي‭ ‬والوقاية‭ ‬المدنية‭ ‬والقوات‭ ‬المساعدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬ومتطوعين‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

وامتدَّت‭ ‬عمليات‭ ‬التمشيط‭ ‬إلى‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬شمل‭ ‬الوديان‭ ‬والغابات‭ ‬والمناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬الوعرة‭ ‬المحيطة‭ ‬بمدينة‭ ‬شفشاون،‭ ‬مع‭ ‬الاستعانة‭ ‬بمروحيات‭ ‬وطائرات‭ ‬دون‭ ‬طيّار‭ ‬وكلاب‭ ‬مدربة‭ ‬وفرق‭ ‬غطس‭ ‬متخصّصة،‭ ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬تركيز‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬وادي‭ ‬كرينسيف،‭ ‬الذي‭ ‬يمرُّ‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الحي‭ ‬الذي‭ ‬اختفت‭ ‬فيه‭ ‬الطفلة،‭ ‬نظرًا‭ ‬لكونه‭ ‬أحد‭ ‬الفرضيات‭ ‬المطروحة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التحقيق‭.‬

وبالموازاة‭ ‬مع‭ ‬الجهود‭ ‬الميدانية،‭ ‬باشرت‭ ‬فرقة‭ ‬الشرطة‭ ‬السينوتقنية‭ ‬عملية‭ ‬تفتيش‭ ‬دقيقة‭ ‬لمنزل‭ ‬أسرة‭ ‬الطفلة‭ ‬ومحيطه‭ ‬المباشر،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استجلاء‭ ‬مختلف‭ ‬الفرضيات‭ ‬الممكنة،‭ ‬والتأكُّد‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬إغفال‭ ‬أي‭ ‬مُعطى‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬فك‭ ‬خيوط‭ ‬هذا‭ ‬اللغز،‭ ‬لكن،‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭ ‬وتكثيف‭ ‬عمليات‭ ‬البحث،‭ ‬لم‭ ‬تسفر‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬حاسمة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬حالة‭ ‬الترقّب‭ ‬والقلق‭ ‬تتفاقم‭ ‬لدى‭ ‬أسرة‭ ‬الطفلة‭ ‬التي‭ ‬ظلّت‭ ‬متمسكة‭ ‬بالأمل‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭.‬

غير‭ ‬أنَّ‭ ‬تطورًا‭ ‬جديدًا‭ ‬أعاد‭ ‬القضية‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬بعد‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬فردة‭ ‬حذاء‭ ‬يُرجح‭ ‬أنها‭ ‬تعود‭ ‬للطفلة‭ ‬سندس،‭ ‬بمنطقة‭ ‬تابعة‭ ‬لجماعة‭ ‬باب‭ ‬تازة‭ ‬بإقليم‭ ‬شفشاون،‭ ‬وهو‭ ‬مُعطى‭ ‬أثار‭ ‬صدمةً‭ ‬قويّةً‭ ‬لدى‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة،‭ ‬خاصّةً‭ ‬والدها‭ ‬أحمد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتمالك‭ ‬نفسه‭ ‬وانخرط‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انهيار‭ ‬تأثرًا‭ ‬بالمستجد‭. ‬ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يقُد‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬مسار‭ ‬واضح‭ ‬للبحث،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يُعثر‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬أثر‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُحدّد‭ ‬مصير‭ ‬الطفلة‭ ‬أو‭ ‬يوجه‭ ‬التحقيق‭ ‬نحو‭ ‬سيناريو‭ ‬محدد،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬القضية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬بعض‭ ‬المُقرّبين‭ ‬منها‭ ‬كان‭ ‬يرفضون‭ ‬فكرة‭ ‬غرقها‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬الماء‭.‬

فالعثور‭ ‬على‭ ‬الحذاء‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬أدلة‭ ‬أخرى،‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬فرضية‭ ‬سقوط‭ ‬الطفلة‭ ‬في‭ ‬الوادي‭ ‬أو‭ ‬جرفها‭ ‬بواسطة‭ ‬التيار،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬المنطقة‭ ‬تعرف‭ ‬تضاريسَ‭ ‬وعرةً‭ ‬ومجاري‭ ‬مائية‭ ‬قد‭ ‬تُشكّل‭ ‬خطرًا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬فرضيات‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬احتمال‭ ‬تدخُّل‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬محاولة‭ ‬لتمويه‭ ‬مسار‭ ‬البحث‭.‬

بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬أوقفت‭ ‬مصالح‭ ‬الأمن‭ ‬شخصًا‭ ‬ينحدر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬تارغيست،‭ ‬بعدما‭ ‬ادَّعى‭ ‬امتلاكه‭ ‬معلومات‭ ‬تفيد‭ ‬بأنَّ‭ ‬الطفلة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬وموجودة‭ ‬لدى‭ ‬سيدة‭ ‬بضواحي‭ ‬شفشاون،‭ ‬وقد‭ ‬تعاملت‭ ‬أسرة‭ ‬الطفلة‭ ‬بحذر‭ ‬مع‭ ‬الاتّصال،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُستدرج‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬متّفق‭ ‬عليه،‭ ‬حيث‭ ‬تدخلت‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬وأوقفته‭ ‬فور‭ ‬وصوله‭.‬

وخلال‭ ‬التحقيق،‭ ‬أقرَّ‭ ‬المعني‭ ‬بالأمر‭ ‬بأنَّ‭ ‬تصريحاته‭ ‬كانت‭ ‬كاذبة،‭ ‬مبررًا‭ ‬فعلته‭ ‬برغبته‭ ‬في‭ ‬‮«‬طمأنة‮»‬‭ ‬والد‭ ‬الطفلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬السلطات‭ ‬إلى‭ ‬وضعه‭ ‬تحت‭ ‬تدبير‭ ‬الحراسة‭ ‬النظرية‭ ‬بتعليمات‭ ‬من‭ ‬النيابة‭ ‬العامة،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬تعميق‭ ‬البحث‭ ‬وتحديد‭ ‬ملابسات‭ ‬الواقعة‭.‬

وبين‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬المستمرّة‭ ‬والتحقيقات‭ ‬الجارية،‭ ‬تحوَّلت‭ ‬قضية‭ ‬اختفاء‭ ‬سندس‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام،‭ ‬داخل‭ ‬شفشاون‭ ‬وخارجها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬الخبر‭ ‬اليقين‭ ‬يوم‭ ‬الأربعاء‭ ‬الماضي،‭ ‬حين‭ ‬عثر‭ ‬متطوّعون‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬الطفلة‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬مائي‭ ‬مرتبط‭ ‬بالوادي‭ ‬المار‭ ‬من‭ ‬الحي‭ ‬الذي‭ ‬اختفت‭ ‬فيه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أوقف،‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬روايات‭ ‬اختطافها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬عصابة‭ ‬مجهولة،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬ما‭ ‬ستفصح‭ ‬عنه‭ ‬التحقيقات‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬فحص‭ ‬الجثة‭.‬

*حالات‭ ‬اختفاء‭ ‬جدية‭ ‬في‭ ‬طنجة‭ ‬وتطوان

ولم‭ ‬تكن‭ ‬قضية‭ ‬اختفاء‭ ‬الطفلة‭ ‬سندس‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬قلق‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إذ‭ ‬أعادت‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬حوادث‭ ‬اختفاء‭ ‬الأطفال‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬بجهة‭ ‬طنجة‭-‬تطوان‭-‬الحسيمة،‭ ‬وأثارت‭ ‬موجةً‭ ‬واسعةً‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والترقّب‭ ‬لدى‭ ‬الأسر‭.‬

ففي‭ ‬مدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬عاشت‭ ‬منطقة‭ ‬بدريون‭ ‬التابعة‭ ‬لجماعة‭ ‬اكزناية‭ -‬بدورها‭- ‬حالة‭ ‬استنفار‭ ‬وقلق‭ ‬كبيرين‭ ‬بعد‭ ‬اختفاء‭ ‬طفلين‭ ‬يُدعيان‭ ‬فيصل‭ ‬وأيوب‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة،‭ ‬ووفق‭ ‬معطيات‭ ‬تداولها‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة،‭ ‬فقد‭ ‬غادر‭ ‬الطفلان‭ ‬محيط‭ ‬سكناهما‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬المساء،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينقطع‭ ‬أثرهما‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬أسرتيهما‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬نداءات‭ ‬عاجلة‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬عليهما‭.‬

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوَّلت‭ ‬الواقعة‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬تشغل‭ ‬سكان‭ ‬الحي،‭ ‬حيث‭ ‬انخرط‭ ‬الجيران‭ ‬وعددٌ‭ ‬من‭ ‬المتطوعين‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬بحث‭ ‬عفوية‭ ‬داخل‭ ‬الأزقة‭ ‬والمناطق‭ ‬المجاورة،‭ ‬أملًا‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الطفلين،‭ ‬كما‭ ‬سادت‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬والقلق‭ ‬داخل‭ ‬أسرتيهما‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬ساعات‭ ‬عصيبة‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭ ‬والترقُّب‭.‬

وأطلقت‭ ‬العائلتان‭ ‬نداءاتٍ‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ناشدتا‭ -‬من‭ ‬خلالها‭- ‬كلَّ‭ ‬من‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬شاهد‭ ‬الطفلين‭ ‬أو‭ ‬يملك‭ ‬معلومات‭ ‬عنهما‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الأسرة‭ ‬أو‭ ‬إبلاغ‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتسريع‭ ‬العثور‭ ‬عليهما‭ ‬وإعادتهما‭ ‬سالمين‭ ‬إلى‭ ‬منزليهما‭.‬

وفي‭ ‬مدينة‭ ‬تطوان،‭ ‬سجلت‭ ‬واقعة‭ ‬أخرى‭ ‬زادت‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف،‭ ‬بعد‭ ‬اختفاء‭ ‬التلميذة‭ ‬رميساء،‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬12‭ ‬سنة،‭ ‬عقب‭ ‬مغادرتها‭ ‬مدرستها‭ ‬الواقعة‭ ‬بحي‭ ‬التوتة‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الساعة‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬زوالًا‭.‬

وبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬المتوافرة،‭ ‬فقد‭ ‬غادرت‭ ‬التلميذة‭ ‬المؤسَّسة‭ ‬التعليمية‭ ‬كعادتها‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الدروس،‭ ‬غير‭ ‬أنَّها‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬أسرتها،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬عمليات‭ ‬بحث‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬المدرسة‭ ‬والحي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬نداءات‭ ‬استغاثة‭ ‬عبر‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬انتشرت‭ ‬صور‭ ‬التلميذة‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬سكان‭ ‬المدينة،‭ ‬الذين‭ ‬عبَّروا‭ ‬عن‭ ‬تضامنهم‭ ‬مع‭ ‬الأسرة،‭ ‬فيما‭ ‬شارك‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬والأحياء‭ ‬القريبة،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مكانها‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬المتقاربة‭ ‬زمنيا‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يساور‭ ‬عديدًا‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬يلف‭ ‬بعض‭ ‬حالات‭ ‬الاختفاء،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬كلّ‭ ‬واقعة‭ ‬جديدة‭ ‬تتحوَّل‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬محلي،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬مشاعر‭ ‬الخوف‭ ‬والتضامن،‭ ‬بينما‭ ‬يظلُّ‭ ‬الأمل‭ ‬معلقًا‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬المختفين‭ ‬سالمين‭ ‬وعودتهم‭ ‬إلى‭ ‬أحضان‭ ‬عائلاتهم‭.‬

*فزع‭ ‬جماعي‭ ‬وشائعات‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان

وكان‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬أن‭ ‬يتسبَّب‭ ‬تكرار‭ ‬قضايا‭ ‬اختفاء‭ ‬القاصرين‭ ‬بصورة‭ ‬غامضة،‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفزع‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬عمومًا‭ ‬وفي‭ ‬المدن‭ ‬المعنية‭ ‬بتلك‭ ‬الوقائع‭ ‬خاصّةً،‭ ‬دفعت‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬إلى‭ ‬صنع‭ ‬سيناريوهات‭ ‬خيالية‭ ‬تتحدَّث‭ ‬عن‭ ‬عصابات‭ ‬اختطاف‭ ‬وعن‭ ‬منقبات‭ ‬يستهدفن‭ ‬الأطفال‭ ‬وعن‭ ‬نشاط‭ ‬جديد‭ ‬للمهووسين‭ ‬بالسحر‭ ‬والشعوذة‭ ‬والتنقيب‭ ‬عن‭ ‬الكنوز،‭ ‬وهي‭ ‬حكايات‭ ‬انتشرت‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭ ‬مُعزّزة‭ ‬بصورٍ‭ ‬مفبركةٍ،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتراسل‭ ‬الفوري‭.‬

هذا‭ ‬الأمر‭ ‬دفع‭ ‬المديرية‭ ‬العامة‭ ‬للأمن‭ ‬الوطني‭ ‬إلى‭ ‬التحرُّك‭ ‬رسميًّا،‭ ‬عبر‭ ‬بلاغ‭ ‬أكَّدت‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬مصالح‭ ‬اليقظة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬التابعة‭ ‬لها،‭ ‬اطّلعت‭ ‬على‭ ‬محتويات‭ ‬رقمية‭ ‬متداولة‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تتضمَّن‭ ‬تسجيلًا‭ ‬صوتيًّا‭ ‬ومنشورًا‭ ‬رقميًّا‭ ‬وشريط‭ ‬فيديو،‭ ‬تدّعي‭ ‬تسجيل‭ ‬عمليات‭ ‬اختطاف‭ ‬مزعومة‭ ‬لأطفال‭ ‬صغار‭ ‬بكلٍّ‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬طنجة‭ ‬والعرائش‭ ‬والقنيطرة‭.‬

وأوضحت‭ ‬المديرية،‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الادِّعاءات‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬إشاعات‭ ‬مُضلّلة‭ ‬وتحريف‭ ‬لوقائع‭ ‬غير‭ ‬صحيحة،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬الأبحاث‭ ‬التي‭ ‬باشرتها‭ ‬المصالح‭ ‬الأمنية‭ ‬أظهرت‭ ‬عدم‭ ‬صحة‭ ‬ما‭ ‬راج‭ ‬بشأن‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع،‭ ‬ففي‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالقضية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تداولها‭ ‬عبر‭ ‬تسجيل‭ ‬صوتي‭ ‬بمدينة‭ ‬طنجة،‭ ‬تبين‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬بسيدة‭ ‬تظهر‭ ‬عليها‭ ‬أعراض‭ ‬خللٍ‭ ‬عقليٍّ،‭ ‬اعتادت‭ ‬التوجّه‭ ‬إلى‭ ‬أمام‭ ‬مؤسَّسة‭ ‬تعليمية‭ ‬لطلب‭ ‬مقرّرات‭ ‬دراسية،‭ ‬وقد‭ ‬جرى‭ ‬إخضاعُها‭ ‬لخبرة‭ ‬طبّية‭ ‬أكدت‭ ‬معاناتها‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬عقلي،‭ ‬فيما‭ ‬أظهرت‭ ‬الأبحاث‭ ‬عدم‭ ‬تورّطها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬اختطاف‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬استدراج‭ ‬لأيّ‭ ‬طفل،‭ ‬خلافًا‭ ‬لما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬التسجيل‭ ‬المتداول‭.‬

أما‭ ‬بخصوص‭ ‬الواقعة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تداولها‭ ‬عبر‭ ‬منشور‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬اختطاف‭ ‬بمدينة‭ ‬العرائش،‭ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬الأبحاث‭ ‬عن‭ ‬أنَّها‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬زائف،‭ ‬بعدما‭ ‬اشتبه‭ ‬بعض‭ ‬المتسوّلين‭ ‬في‭ ‬وقوف‭ ‬سيدة‭ ‬منقبة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬المساجد،‭ ‬وتبين‭ ‬أنَّ‭ ‬المعنية‭ ‬بالأمر‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬زوجها‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُؤدّي‭ ‬صلاة‭ ‬التراويح،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتّخذ‭ ‬أيَّ‭ ‬تصرُّفٍ‭ ‬مريبٍ‭ ‬أو‭ ‬عدائيٍّ،‭ ‬حسب‭ ‬الإفادات‭ ‬التي‭ ‬تمَّ‭ ‬الاستماع‭ ‬إليها‭.‬

وبخصوص‭ ‬القضية‭ ‬الثالثة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تداولها‭ ‬عبر‭ ‬شريط‭ ‬فيديو،‭ ‬تدعي‭ ‬فيه‭ ‬سيدة‭ ‬تعرُّض‭ ‬طفل‭ ‬لمحاولة‭ ‬اختطاف‭ ‬بمدينة‭ ‬القنيطرة،‭ ‬فقد‭ ‬تقدّم‭ ‬والد‭ ‬الطفل‭ ‬المعني‭ ‬إلى‭ ‬مصالح‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬فور‭ ‬اطّلاعه‭ ‬على‭ ‬التسجيل،‭ ‬نافيًّا‭ ‬صحته،‭ ‬ومُؤكّدًا‭ ‬أنَّ‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬تعرُّض‭ ‬ابنه‭ ‬لمضايقة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬شخص‭ ‬يعاني‭ ‬اضطرابًا‭ ‬عقليًّا‭.‬

*مسؤولية‭ ‬الأسرة‭.. ‬الجانب‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه

غير‭ ‬أن‭ ‬تداول‭ ‬قصص‭ ‬العصابات‭ ‬وشائعات‭ ‬اختطاف‭ ‬الأطفال،‭ ‬يشيح‭ ‬الأنظار‭ ‬عن‭ ‬تساؤلات‭ ‬أخرى‭ ‬مُهمّة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وأسرية،‭ ‬ففي‭ ‬حالة‭ ‬الطفلة‭ ‬‮«‬سندس‮»‬‭ ‬يبدو‭ ‬بديهيًّا‭ ‬أن‭ ‬يتساءل‭ ‬المتتبّع‭ ‬عن‭ ‬مسؤولية‭ ‬والديها‭ ‬فيما‭ ‬حدث،‭ ‬خصوصًا‭ ‬أنَّ‭ ‬عمرها‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬السنتين،‭ ‬وبالتالي‭ ‬مكانها‭ ‬الطبيعي‭ ‬هو‭ ‬منزل‭ ‬الأسرة‭ ‬لا‭ ‬الشارع‭.‬

الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬يتكرّر‭ ‬مع‭ ‬واقعة‭ ‬الطفل‭ ‬يونس‭ ‬في‭ ‬زاكورة،‭ ‬الذي‭ ‬اختفى‭ ‬طوال‭ ‬10‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬منزل‭ ‬أسرته‭ ‬بدوار‭ ‬أولاد‭ ‬العشاب‭ ‬التابع‭ ‬لجماعة‭ ‬الروحا،‭ ‬ورغم‭ ‬استنفار‭ ‬السلطات‭ ‬فإنَّها‭ ‬لم‭ ‬تعثر‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬أثر،‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬يوم‭ ‬10‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬حين‭ ‬اكتشف‭ ‬فلاح‭ ‬جثته‭ ‬في‭ ‬ساقية‭ ‬للمياه‭ ‬بدوار‭ ‬آخر‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬محل‭ ‬سكناه،‭ ‬وفي‭ ‬الحالتين،‭ ‬وبعد‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬شبهات‭ ‬جنائية‭ ‬من‭ ‬عدمها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬اختفاء‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬أمام‭ ‬منازل‭ ‬أسرهم‭ ‬دون‭ ‬الانتباه‭ ‬لهم‭ -‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭- ‬يفرض‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬المسؤولية‭ ‬التقصيرية‭ ‬لذويهم‭.‬

هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعالج‭ ‬عبر‭ ‬اختلاق‭ ‬الروايات‭ ‬وتداول‭ ‬الشائعات،‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬‮«‬الواتساب‮»‬‭ ‬و«الفيسبوك‮»‬‭ ‬و«تيك‭ ‬توك‮»‬‭ ‬فضاءً‭ ‬لتداولها‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم،‭ ‬لدرجة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬مذكرةٍ‭ ‬مُوجهةٍ‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬تحسبًا‭ ‬لـ«ظاهرة‭ ‬اختطاف‭ ‬الأطفال‮»‬،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الوزارة‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬عبر‭ ‬بلاغ‭ ‬رسمي‭ ‬بتاريخ‭ ‬5‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬قائلةً‭ ‬إن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬يجري‭ ‬تداوله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ادعاءات‭ ‬مغرضة‭ ‬وإشاعات‭ ‬لا‭ ‬سند‭ ‬لها،‭ ‬يجرى‭ ‬ترويجها‭ ‬دون‭ ‬تحرٍ‭ ‬للدقة‭ ‬أو‭ ‬استناد‭ ‬إلى‭ ‬المصادر‭ ‬الرسمية‭ ‬المعتمدة‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬دفع‭ ‬المديرية‭ ‬العامة‭ ‬للأمن‭ ‬الوطني‭ ‬إلى‭ ‬التحرُّك،‭ ‬عبر‭ ‬بلاغ‭ ‬صادر‭ ‬بتاريخ‭ ‬9‭ ‬مارس‭ ‬2026،‭ ‬قالت‭ ‬فيه‭ ‬إنّها‭ ‬‮«‬تنفي‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع،‭ ‬الإشاعات‭ ‬المغرضة‭ ‬التي‭ ‬تمسّ‭ ‬بإحساس‭ ‬المواطنات‭ ‬والمواطنين‭ ‬بالأمن،‭ ‬التي‭ ‬تزعم‭ ‬بشكل‭ ‬مشوب‭ ‬بالتهويل‭ ‬والتحريف‭ ‬تسجيل‭ ‬حالات‭ ‬مزعومة‭ ‬للاختطاف‭ ‬الممنهج‭ ‬للأطفال‭ ‬مقرونة‭ ‬بالاتجار‭ ‬بالأعضاء‮»‬‭.‬

وكشفت‭ ‬المديرية،‭ ‬عن‭ ‬أنَّ‭ ‬مصالحها‭ ‬لم‭ ‬تسجل‭ ‬نهائيًّا‭ ‬أيَّ‭ ‬حالة‭ ‬اختطاف‭ ‬لأطفال‭ ‬مقرونة‭ ‬بالاتجار‭ ‬بالأعضاء،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬منظومة‭ ‬‮«‬إبلاغ‮»‬‭ ‬ونظام‭ ‬‮«‬طفلي‭ ‬مختفٍ‮»‬،‭ ‬اللذين‭ ‬طورتهما‭ ‬مصالح‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬للتبليغ‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬وعن‭ ‬قضايا‭ ‬الأطفال‭ ‬المصرح‭ ‬باختفائهم،‭ ‬لم‭ ‬يتوصلا‭ ‬بأي‭ ‬إشعار‭ ‬حول‭ ‬عمليات‭ ‬مماثلة‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الإشاعات‭ ‬المنشورة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اليقظة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬رصدت‭ ‬تداول‭ ‬وتقاسم‭ ‬تسجيلات‭ ‬قديمة‭ ‬لقضايا‭ ‬اختفاء‭ ‬قاصرين‭ ‬دون‭ ‬أيّ‭ ‬شبهة‭ ‬إجرامية،‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬ترويجها‭ ‬بشكل‭ ‬ممنهج‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬قضايا‭ ‬اختطاف‭.‬

ووفق‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذه‭ ‬الإشاعات‭ ‬المغرضة‭ ‬أفرزت‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬الفزع‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬المواطنين،‭ ‬الذين‭ ‬سجّلوا‭ ‬وشايات‭ ‬معدودة‭ ‬بشأن‭ ‬حالات‭ ‬مفترضة‭ ‬لمحاولة‭ ‬اختطاف،‭ ‬وهي‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬البحث‭ ‬القضائي‭ ‬عن‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تكتسي‭ ‬أيَّ‭ ‬صبغة‭ ‬إجرامية‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬نهائيًّا‭ ‬بالاختطاف‭ ‬أو‭ ‬الاتّجار‭ ‬بالأعضاء‭.‬

تابعنا على الفيسبوك