تواصل معنا

القانون والناس

أين الأحكام الغيابية من التنزيل الواقعي للقانون؟! -4-

وحيث‭ ‬إنّه،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يعثر‭ ‬على‭ ‬المتهم‭ ‬يصدر‭ ‬حكم‭ ‬بالإدانة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الشخص‭ ‬المتغيب‭. ‬بيد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬نافذًا،‭ ‬وعُثر‭ ‬على‭ ‬المتهم،‭ ‬يتمّ‭ ‬إيداعه‭ ‬بالسجن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وتقديم‭ ‬دفوعاته،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُؤيّد‭ ‬ذاك‭ ‬الحكم‭ ‬أو‭ ‬يثبت‭ ‬براءته‭ ‬منه،‭ ‬لكنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المتهم‭ ‬حدثًا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬غرفة‭ ‬الجنايات‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الأحداث‭ ‬تعقد‭ ‬جلساتها‭ ‬سرية‭ ‬بمعنى‭ ‬أنَّه‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬لحضور‭ ‬المحاكمة‭ ‬سوى‭ ‬الأشخاص‭ ‬المذكورين‭ ‬في‭ ‬المادة‭ (‬479‭) ‬من‭ (‬ق‭ ‬م‭ ‬ج‭) ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬خصوصية‭ ‬الحدث،‭ ‬وذلك‭ ‬بضمان‭ ‬الحقوق‭ ‬التي‭ ‬نص‭ ‬عليها‭ ‬المشرع‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأحداث‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭:‬

*المؤازرة‭ ‬بالمحامي،‭ ‬التي‭ ‬تُعدُّ‭ ‬إلزامية،‭ ‬وعليه‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يختر‭ ‬الحدث‭ ‬أو‭ ‬ممثله‭ ‬القانوني‭ ‬محاميًّا‭ ‬فيعينه‭ ‬له‭ ‬المستشار‭ ‬المكلف‭ ‬بالأحداث‭ ‬بصفته‭ ‬رئيسًا‭ ‬تلقائيًّا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المساعدة‭ ‬القضائية‭. ‬أو‭ ‬حضور‭ ‬الحدث‭ ‬شخصيًّا‭ ‬مع‭ ‬ممثله‭ ‬القانوني‭.‬

*عدم‭ ‬حضور‭ ‬المتهم‭ ‬الحدث‭ ‬رفقة‭ ‬ممثله‭ ‬القانوني‭ ‬لإجراءات‭ ‬المحاكمة‭ ‬الجنائية؛‭ ‬إما‭ ‬لكونه‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬فرار‭ ‬وإما‭ ‬لتعذر‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬الإحالة‭ ‬على‭ ‬غرفة‭ ‬الجنايات‭ ‬للأحداث،‭ ‬أو‭ ‬لاذ‭ ‬بالفرار‭ ‬بعد‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭. ‬هنا‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬هل‭ ‬تطبق‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬إجراءات‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية؟

تكريسًا‭ ‬لحماية‭ ‬خصوصية‭ ‬الأحداث‭ ‬المتابعين‭ ‬وسرية‭ ‬الإجراءات‭ ‬والمناقشات‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بهم‭ ‬منع‭ ‬القانون‭ ‬الجديد‭ ‬نشر‭ ‬أي‭ ‬بيان‭ ‬عن‭ ‬جلسات‭ ‬الهيئات‭ ‬القضائية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الأحداث‭ ‬بأي‭ ‬وسيلة‭ ‬كانت،‭ ‬فأمام‭ ‬وجود‭ ‬فراغ‭ ‬تشريعي،‭ ‬وتناقض‭ ‬نظر‭ ‬غرف‭ ‬الجنايات‭ ‬في‭ ‬تنزيل‭ ‬إجراء‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬ضد‭ ‬الأحداث‭ ‬الجانحين‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يأخذ‭ ‬بها،‭ ‬ومن‭ ‬يعتبر‭ ‬أنَّها‭ ‬تضرب‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬مبدأ‭ ‬السرية‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬أعلاه،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬غالبية‭ ‬غرف‭ ‬الجنايات‭ ‬تقفز‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السكوت‭ ‬وتأمر‭ ‬بإجراء‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬ضد‭ ‬المتهم‭ ‬الحدث‭.‬

‭ ‬لتبقى‭ ‬الصعوبات‭ ‬المسطرية‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بإجراء‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬المتهم‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬احترام‭ ‬الأمد‭ ‬الزمني‭ ‬المحدد‭ ‬بمقتضى‭ ‬لمادة‭ (‬443‭) ‬من‭ ‬‭(‬ق‭ ‬م‭ ‬ج‭) ‬في‭ ‬08‭ ‬أيام،‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحال،‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمر‭ ‬بإجراء‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬يأخذ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الملفات‭ ‬أجلًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الآجال‭ ‬المحددة‭ ‬قانونًا؛‭ ‬نظرًا‭ ‬لعدم‭ ‬إنجاز‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬غرفة‭ ‬الجنايات‭ ‬تأخير‭ ‬الملفات‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬إنجاز‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية؛‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬إرسالية‭ ‬الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬للإذاعة‭ ‬والتلفزة‭ ‬المغربية‭.‬

لكنَّ‭ ‬المشرع‭ ‬المغربي‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬التدخُّل‭ ‬لمواكبة‭ ‬هذه‭ ‬التطوُّرات‭ ‬وسد‭ ‬الخلل‭ ‬الحاصل‭ ‬إن‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المدة‭ ‬الزمنية‭ ‬غير‭ ‬الكافية‭ ‬المخصصة‭ ‬للنشرة‭ ‬القضائية‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭ ‬الوطنية‭ ‬للإذاعة‭ ‬والتلفزة‭ ‬المغربية‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬إذاعات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬لتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬العمل‭ ‬القضائي‭ ‬ولمساهمة‭ ‬جميع‭ ‬القطاعات‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬وتحسين‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬العدالة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المواطن‮»‬‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬الأوامر‭ ‬بإجراء‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬المأمور‭ ‬بها‭ ‬يوميًّا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬محاكم‭ ‬الاستئناف‭ ‬وأقسام‭ ‬قضاء‭ ‬الأسرة‭ ‬بالمملكة‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬صعوبة‭ ‬الإجراءات‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬ذكره‭ ‬بل‭ ‬تتجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالصعوبات‭ ‬القانونية،‭ ‬التي‭ ‬تمّ‭ ‬استقراؤها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬داخل‭ ‬غرف‭ ‬الجنايات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الحكم‭ ‬غيابيًّا‭ ‬على‭ ‬المتهم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية،‭ ‬وعلى‭ ‬اعتبار‭ ‬أنَّ‭ ‬الاستئناف‭ ‬ينشر‭ ‬الدعوى‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬يعني‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬إجراءات‭ ‬المحاكمة‭ ‬ومنها‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬المتهم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الاستئنافية،‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يتسبّب‭ ‬في‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬النزاع‭ ‬أمامها‭ ‬لتعقد‭ ‬هذه‭ ‬المسطرة‭ ‬وطول‭ ‬إجراءاتها‭.‬

مما‭ ‬يبقى‭ ‬معه‭ ‬الإشكال‭ ‬الأساسي‭ ‬عن‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬فيها‭ ‬للمتهم‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬غيابيًّا‭ ‬إذا‭ ‬سلم‭ ‬نفسه‭ ‬للسجن‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬سقوط‭ ‬العقوبة‭ ‬المحكوم‭ ‬بها‭ ‬بالتقادم‭ ‬يقع‭ ‬اعتقاله‭ ‬بموجب‭ ‬الأمر‭ ‬الصادر‭ ‬بإجراء‭ ‬الغيابية‭.‬

حيث‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬غرفة‭ ‬الجنايات‭ ‬تنظر‭ ‬وهي‭ ‬بصدد‭ ‬مناقشة‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عقب‭ ‬تسليم‭ ‬المتهم‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬غيابيًّا‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬عليه،‭ ‬أمامها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬اعتقال‭ ‬بالاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الشهود‭ ‬أو‭ ‬تتلى‭ ‬شهادتهم‭ ‬المكتوبة‭ ‬بالجلسة‭ ‬كما‭ ‬تتلى‭ ‬عند‭ ‬الاقتضاء‭ ‬الأجوبة‭ ‬المكتوبة‭ ‬لباقي‭ ‬المتهمين‭ ‬المتابعين‭ ‬بالأفعال‭ ‬نفسها،‭ ‬وكذا‭ ‬الشأن‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمستندات‭ ‬التي‭ ‬يعتبر‭ ‬رئيس‭ ‬الغرفة‭ ‬أنها‭ ‬صالحة‭ ‬لإبراز‭ ‬الحقيقة‭.‬

‭ ‬يثور‭ ‬الإشكال‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إذا‭ ‬حكم‭ ‬المتهم‭ ‬غيابيًّا،‭ ‬وأمام‭ ‬استئناف‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الطرف‭ ‬المدني‭ ‬إن‭ ‬وجد‭ ‬لهذا‭ ‬القرار،‭ ‬وحضور‭ ‬المتهم‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الاستئنافية،‭ ‬هنا‭ ‬نتساءل‭ ‬هل‭ ‬يحرم‭ ‬المتهم‭ ‬الحاضر،‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬حكم‭ ‬غيابيًّا‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬درجات‭ ‬التقاضي؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬استئناف‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الطرف‭ ‬المدني‭ ‬إن‭ ‬وجد؟‭ ‬خاصّةً‭ ‬إذا‭ ‬صدر‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي‭ ‬وقضى‭ ‬ببراءة‭ ‬المتهم‭ ‬أو‭ ‬بعقوبة‭ ‬موقوفة‭ ‬التنفيذ‭.‬

وإعمالًا‭ ‬لمبدأ‭ ‬التقاضي‭ ‬على‭ ‬درجتين،‭ ‬وهو‭ ‬المبدأ‭ ‬الأكثر‭ ‬انسجامًا‭ ‬مع‭ ‬مبدأ‭ ‬المحاكمة‭ ‬العادلة‭ ‬تعمل‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬ملفٍ‭ ‬جديدٍ‭ ‬للمتهم‭ ‬الحاضر،‭ ‬واستدعائه‭ ‬لأوّل‭ ‬جلسة‭ ‬لمحاكمته‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ابتدائيًّا؛‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬القرار‭ ‬والإجراءات‭ ‬المتّخذة‭ ‬بموجب‭ ‬المسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬بقوة‭ ‬القانون؛‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬المادة‭ (‬453‭) ‬الفقرة‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ (‬ق‭ ‬م‭ ‬ج‭) ‬معلوم‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬تصدره‭ ‬غرفة‭ ‬الجنايات،‭ ‬وَفْقًا‭ ‬للمسطرة‭ ‬الغيابية‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬الطعن‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬طرفين‭ ‬هما‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬والمطالب‭ ‬بالحق‭ ‬المدني‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬حقوقه‭ ‬المدنية،‭ ‬ولعلّ‭ ‬العلة‭ ‬من‭ ‬التضييق‭ ‬في‭ ‬الضمانات‭ ‬المسطرية؛‭ ‬لأن‭ ‬المؤمل‭ ‬أساسًا‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي‭ ‬بالإدانة‭ ‬هو‭ ‬كسر‭ ‬عناد‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬غيابيًّا‭ ‬ليقدم‭ ‬نفسه‭ ‬للعدالة،‭ ‬لكي‭ ‬تعاد‭ ‬محاكمته‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وفق‭ ‬المسطرة‭ ‬العادية‭.‬

فمن‭ ‬بين‭ ‬الإشكالات‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬المطالب‭ ‬بالحق‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي‭ ‬والقاضي‭ ‬بالإدانة‭ ‬والمحكوم‭ ‬له‭ ‬بتعويض‭ ‬مدني‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدعوى‭ ‬المدنية‭ ‬التابعة‭ ‬حول‭ ‬استيفاء‭ ‬هذا‭ ‬التعويض،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكم‭ ‬حل‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحكم‭ ‬الغيابي‭ -‬غير‭ ‬القانوني‭- ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير؟‭!‬

تابعنا على الفيسبوك