تواصل معنا

آخر الأخبار

هل نحن أمام فضيحة عالمية؟ مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة يخصص 66 مليون سنتيم لتكوين من ثلاثة أيام في برشلونة

في‭ ‬سياق‭ ‬وطني‭ ‬يتّسم‭ ‬بتعالي‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬ترشيد‭ ‬النفقات‭ ‬العمومية‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة،‭ ‬تكشف‭ ‬وثيقة‭ ‬رسمية‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الجهة،‭ ‬الذي‭ ‬يُسيّره‭ ‬رئيس‭ ‬ينتمي‭ ‬لحزب‭ ‬أخنوش،‭ ‬عن‭ ‬تخصيص‭ ‬مبلغ‭ ‬669‭.‬606‭ ‬درهم‭ ‬لتنظيم‭ ‬زيارة‭ ‬تكوينيّة،‭ ‬خارج‭ ‬المغرب‭ ‬لفائدة‭ ‬وفد‭ ‬جهوي،‭ ‬تمتدّ‭ ‬لثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬بمدينة‭ ‬برشلونة‭ ‬الإسبانية،‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬02‭ ‬و04‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬ضِمن‭ ‬مشروع‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬SLEC‭.‬

الخبر،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬الوثيقة،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بإشاعة‭ ‬أو‭ ‬تسريب،‭ ‬بل‭ ‬بمعطيات‭ ‬رسمية‭ ‬منشورة‭ ‬ضِمن‭ ‬صفقة‭ ‬عمومية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬نقاش‭ ‬مشروع‭ ‬حول‭ ‬أولوية‭ ‬الإنفاق‭ ‬العمومي‭ ‬وجدوى‭ ‬بعض‭ ‬الاختيارات‭ ‬التدبيرية‭.‬

*صـــفقة‭ ‬سليـــمة‭ ‬مســـطريًــا‭.. ‬لكنها‭ ‬صــادمــة‭ ‬رقــمــــيًّا

الوثيقة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مستخرج‭ ‬من‭ ‬محضر‭ ‬طلب‭ ‬عروض‭ ‬مفتوح‭ ‬مبسط‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬عرض‭ ‬الثمن،‭ ‬يحمل‭ ‬رقم‭ (‬50‭/‬RTTA‭/‬2025‭. ) ‬وقد‭ ‬أُعلنت‭ ‬الصفقة‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬Le Matin‮»‬‭ ‬وعلى‭ ‬بوابة‭ ‬الصفقات‭ ‬العمومية،‭ ‬مع‭ ‬تحديد‭ ‬تاريخ‭ ‬فتح‭ ‬الأظرفة‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬دجنبر‭ ‬2025‭ ‬بمقر‭ ‬الجهة‭ ‬في‭ ‬طنجة‭.‬

من‭ ‬حيث‭ ‬الشكل‭ ‬القانوني،‭ ‬تبدو‭ ‬المسطرة‭ ‬محترمة،‭ ‬ولم‭ ‬يُسجل‭ ‬أي‭ ‬إقصاء‭ ‬أو‭ ‬طعن،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬النص،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬الرقم‭ ‬وسياقه‭.‬

*ثــلاثة‭ ‬أيـــــام‭.. ‬بكلــــفة‭ ‬تــقـــترب‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬مليون‭ ‬سنتيم

حسب‭ ‬الوثيقة‭ ‬الرسمية،‭ ‬تتعلّق‭ ‬الصفقة‭ ‬بمصاريف‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬تكوينية‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬مدتها‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بقوّة‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تبرير‭ ‬كلفة‭ ‬تقارب‭ ‬70‭ ‬مليون‭ ‬سنتيم‭ ‬مقابل‭ ‬نشاط‭ ‬تكويني‭ ‬محدود‭ ‬زمنيًّا؟

السؤال‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬الأشخاص‭ ‬ولا‭ ‬الجهة‭ ‬المنظمة،‭ ‬بل‭ ‬منطق‭ ‬التدبير‭ ‬نفسه،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحوُّلات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬مجال‭ ‬التكوين،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تنظيم‭ ‬دورات‭ ‬عالية‭ ‬المستوى‭ ‬داخل‭ ‬المغرب‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬بكلفة‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭.‬

*بــرشلـونــة‭.. ‬اختيار‭ ‬يثــير‭ ‬أكــثــر‭ ‬من‭ ‬عــلامة‭ ‬اســتــفهـــام

اختيار‭ ‬مدينة‭ ‬برشلونة‭ ‬محطة‭ ‬للتكوين‭ ‬يطرح‭ ‬بدوره‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭. ‬ففي‭ ‬جهة‭ ‬تضمُّ‭ ‬جامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬تكوين،‭ ‬وتعاني‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬خصاصًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬وتنمويًّا‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أقاليمها،‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬القرب‭ ‬الترابي‭ ‬وربط‭ ‬التكوين‭ ‬بحاجيات‭ ‬المجال‭.‬

قد‭ ‬تكون‭ ‬للمدينة‭ ‬رمزيةٌ‭ ‬دوليّةٌ‭ ‬وتجارب‭ ‬ناجحة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬ينتظر‭ ‬توضيحًا‭ ‬حول‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬الفعلية،‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بعناوين‭ ‬فضفاضة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬الانفتاح‮»‬‭ ‬و«التجارب‭ ‬الدولية‮»‬‭.‬

*منافس‭ ‬واحد‭.. ‬ومنافسة‭ ‬شكلية

الصفقة‭ ‬عرفت‭ ‬مشاركة‭ ‬متنافس‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬هو‭ ‬شركة‭ (‬W.D SARL‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬رست‭ ‬عليها‭ ‬الصفقة‭ ‬باعتبار‭ ‬عرضها‭ ‬الأكثر‭ ‬فائدة‭. ‬ورغم‭ ‬أنَّ‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬إسناد‭ ‬الصفقة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬وجود‭ ‬عرض‭ ‬وحيد،‭ ‬فإنَّ‭ ‬غياب‭ ‬المنافسة‭ ‬يظل‭ ‬مؤشرًا‭ ‬مقلقًا‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الحكامة‭ ‬وجودة‭ ‬الطلب‭ ‬العمومي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬التنافس‭ ‬لا‭ ‬يُدين‭ ‬أحدًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يفرض‭ ‬مساءلة‭ ‬سياسية‭ ‬وإدارية‭ ‬حول‭ ‬جاذبية‭ ‬الصفقة‭ ‬وشروطها‭ ‬وطريقة‭ ‬إعدادها‭.‬

*لماذا‭ ‬يتحوّل‭ ‬الملف‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام؟

وصف‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بـ«الفضيحة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬خرق‭ ‬قانوني‭ ‬ثابت،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬والممارسة‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تطلب‭ ‬فيه‭ ‬حكومة‭ ‬أخنوش‭ ‬من‭ ‬المواطن‭ ‬التضحية‭ ‬والصبر،‭ ‬تُصرف‭ ‬مبالغ‭ ‬مهمة‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬قصير‭ ‬المدة‭ ‬خارج‭ ‬الوطن،‭ ‬دون‭ ‬شرح‭ ‬كافٍ‭ ‬أو‭ ‬تواصل‭ ‬استباقي‭.‬

إنَّها‭ ‬فضيحة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الرمزي،‭ ‬لأنها‭ ‬تعكس‭ ‬فجوة‭ ‬متزايدة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والمؤسَّسات،‭ ‬وتغذي‭ ‬الإحساس‭ ‬بأن‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬لا‭ ‬يُدار‭ ‬دائمًا‭ ‬بمنطق‭ ‬الأولوية‭ ‬والحاجة‭.‬

*بين‭ ‬النص‭ ‬والثقة‭.. ‬سؤال‭ ‬مفتوح

قد‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الوثيقة‭ ‬سليمًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونيّة،‭ ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬أثبتت‭ ‬أنَّ‭ ‬القانون‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭. ‬فالثقة‭ ‬تُبنى‭ ‬بالشرح،‭ ‬وبالقدوة،‭ ‬وبالحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬المواطن‭ ‬بأنَّ‭ ‬ماله‭ ‬يُصرف‭ ‬حيث‭ ‬يجب،‭ ‬وكيف‭ ‬يجب،‭ ‬ومتى‭ ‬يجب‭.‬

إن‭ ‬669‭ ‬ألف‭ ‬درهم‭ ‬مقابل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬تكوين‭ ‬في‭ ‬برشلونة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬معطى‭ ‬مالي،‭ ‬بل‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لمدى‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المنتخبة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬توجيهات‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬ونبض‭ ‬الشارع،‭ ‬واستيعاب‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المواطن‭ ‬بالمال‭ ‬العام‭.‬

تابعنا على الفيسبوك